كريم مروِّة يتذكّر في حوارين: القائد الشيوعي الذي يريد تجديد الشيوعية
ذكر جورج البطل في مقدمة الكتاب الذي حمل عنوان "الفكر العربي وتحولات العصر"، الصادر لدى "دار الفارابي" عام 20 06، أن كريم مروة ظُلم مرتين، في المرة الأولى عبر محاولة محاوره عبد الإله بلقزيز التعامل معه بصفته مفكراً فحسب، مغفلاً جانبه الآخر المهم والأساسي: التزامه الحزبي والمسؤوليات الجسام التي شغلها على امتداد نصف قرن في الحزب الشيوعي اللبناني، وفي عدد من المنظمات الدولية التي كانت ترتبط بالحركة الشيوعية العالمية، فحاول في بعض حواراته أن يحاكمه بصفته مفكراً لا غير، عن مواقف سياسية صرفة، في مراحل مختلفة من مسيرة الحزب الشيوعي الطويلة، فحرّف المناقشة عن مستواها وأضعفها، ودفع مروة للتبرير باستعادة الظروف والحوادث التي أملت على مفكرين في الحزب، ومنهم هو نفسه، تجاوز الكثير مما كانوا يرونه في التجربة التي سميت بـ" الاشتراكية المحققة". فكريم مروة إلى كونه رجل ثقافة وفكر، كان في الدرجة الأولى رجل سياسة وقائداً مرموقاً ومسؤولاً في حزب كبير واجه تحديات جمّة في بلد مزقته حروب عدة.
أما الظلم الذي وقع على مروة في المرّة الثانية فيتجلى بصورة واضحة عند التمعّن في القراءة، ذلك أنه شارك في حوار شفهي وردّ على أسئلة وعناوين كثيرة ومتنوعة وعديمة السياق، مما فرض إيجازاً شديداً يقتضيه هذا النوع من الحوار، لكن شركاءه في "كتاب الفكر العربي وتحولات العصر"، محاوريه في معظمهم، إختار كل منهم قضية، أثارت اهتمامه فجعلها موضوع بحثه بالعمق والإفاضة اللذين يقتضيهما كل بحث جدي، ويتساوى في ذلك ناقدو كريم والآخرون الذين عالجوا هذه القضية أو تلك التي أثارها الحوار.
شارك في التعليق على الحوار الذي أجراه عبد الإله بلقزيز مع كريم مروة عدد من المفكرين العرب من جنسيات عربية مختلفة، وكان عنوانه "من الماركسية إلى الماركسية" حيث تم التطرق الى مفاهيمها في النظرية وفي الممارسة، على صعيد لبنان والعالم العربي، وفي ضوء التجربة الاشتراكية التي انهارت بعد ثلاثة أرباع القرن من بداياتها. وكانت مساهمات المحاورين في الأوراق البحثية التي قدّموها متباينة ومتنوعة في مقاربة الإشكالية التي أفرزها الحوار.
اعتبر مروة أن نهاية الإتحاد السوفياتي لا تعني نهاية الاشتراكية، فلا نزال نتحدث عن قيمة الثورة الفرنسية تاريخياً، فكيف بتجربة استمرت 72 عاماً، وهي تحمل مشروعاً تاريخياً للتغيير، كما كان يبدو في صوغه الأول في كتابات ماركس وانجلز، ثم في برنامج لينين الذي وضعه بعد ثورة تشرين الأول، في ضوء تجربة الحرب الأهلية، وتحت ضغط الواقع الموضوعي، مشروعاً عالمياً متكاملاً يهدف إلى تحقيق التقدم، مرفقاً بتحقيق العدالة الإجتماعية، من خلال إعادة توزيع الثروة، وإشاعة الحرية والمساواة بين الناس. عزا مروة انهيار الإتحاد السوفياتي الى غورباتشيوف الذي كان يسعى لإقامة مصالحة مع الغرب بأقصر الطرق ولكن بأبهظ الأثمان، وكان تفسيره للتعايش السلمي يرمي إلى إحداث تغيير جوهري في مسار التطوير الإشتراكي في الإتحاد السوفياتي في إتجاه التعددية والديموقراطية من جهة، وكان من جهة أخرى يريد أن يحقق نوعاً من التعايش بين النظام الإشتراكي والنظام الرأسمالي. ورغم كل ما كان يكتبه (البيريسترويكا) وما كانت تحمله كتابته من إصلاح، فإن آخر رؤساء الإتحاد السوفياتي لم تكن له علاقة بالإشتراكية.
شجب كريم مروة الأسلوب الذي اعتمده الحزب الشيوعي الصيني لإخماد الإنتفاضة الشعبية بقوة في ساحة تيان آن مين في بكين، مؤكداً أن من غير الممكن إبقاء فكرة التعددية التي هي تعبير عن طبيعة الحياة، وتأكيد لشرعة حقوق الإنسان، مشيراً في السياق ذاته إلى أن الحزب الشيوعي اللبناني كرس فكرة التعددية في الاشتراكية، أي التعددية السياسية والحزبية، والتعددية الإقتصادية والتعاون الإختياري في الزراعة.
كان حظ كريم مروة أوفر في كتاب "كريم مروة يتذكر، في ما يشبه السيرة" الذي حاوره فيه صقر أبو فخر، لتناوله بالتفصيل النقطتين اللتين أشار اليهما جورج البطل واعتبرهما ظلماً وقع على مروة، فقد أتى الحوار الذي صدرت طبعته الأولى في حزيران 2002 ثم طبعته الثانية في تشرين الأول 2002 لدى "دار المدى" ليروي قصة حياة كريم مروة، ولم يفصل بين عمله كمفكر ومناضل سياسي. وسنحت الفرصة لكريم مروة ليعيد القراءة وإضافة ما يريد من أفكار وآراء، وهذا ما نوه به صقر أبو فخر بقوله في الصفحة التاسعة: "وعندما أنهينا المرحلة الأولى من الحوار وراجعت بنفسي النص وقد بات مطبوعاً، أعدته، كعادتي، إلى صاحبه وإلى جانبه المزيد من الأسئلة التي فاتتني في المرحلة الأولى. ورغبت إليه في أن يجيب عن الأسئلة الجديدة ويراجع إجاباته القديمة، ويضيف ما شاء من الحكايات والقصص، ثم نبادر إلى تنسيق الكتاب بصورة نهائية على ألا تتجاوز صفحاته المئتي صفحة على أبعد تقدير. غير أن صديقي كريم مروة بقي الكتاب عنده شهوراً طويلة، وكان، في أثنائها، كلما تذكر حادثة أضافها، وكلما خطرت في باله واقعة أنزلها في النص، حتى راح الحوار يتكامل، بالتدريج، ليخرج أخيراً على هذه الهيئة من الشمول والتفصيل".
ولد كريم مروة عام 1930 في بلدة حاريص التابعة لقضاء بنت جبيل في محافظة الجنوب (لبنان)، وبدأ الكتابة مبكراً في مجلة "العرفان" بمقالين، الأول "رسالة إلى عربي" والثاني "رسالة إلى يهودي"، نشرهما الشيخ أحمد عارف الزين في عددين متتالين في أواخر عام 1948. ثم انخرط في النشاط السياسي في المرحلة الجامعية فانتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني بعدما تم انتخابه في قيادة الرابطة الطالبية في الجامعة بصفته الشيوعية وترأس وفداً شبابياً من الشيوعيين والديموقراطيين اللبنانيين والسوريين إلى المؤتمر الثالث لاتحاد الشباب الديموقراطي العالمي في بوخارست.
خلال نصف قرن زار كريم مروة العشرات من البلدان في مهمات تعددت أشكالها ودوافعها. في البدء كان يسافر بمهمات كلفه اياها إتحاد الشباب الديموقراطي العالمي، ثم صار يسافر بمهمات باسم مجلس السلم العالمي، ثم باسم الحزب الشيوعي، أو باسم الحركة الوطنية اللبنانية، التي كان الحزب الشيوعي أحد مؤسسيها وأحد أركانها. شملت هذه الزيارات جل الدول الإشتراكية وفي مقدمها الإتحاد السوفياتي السابق، الذي أكد كريم مروة أنه أحاط بكل أوضاعه الإقتصادية والسياسية والأسباب التي أدت إلى انهياره. ويتذكر في إحدى زياراته أن مقالاً نشر في إحدى الصحف السوفياتية باسم مستعار، كان مليئاً بالنقد للبيريسترويكا ولغورباتشيوف، أثار اضطراباً في الدولة وفي المجتمع، واستدعى من غورباتشيوف قطع زيارة كان يقوم بها إلى أحد البلدان، وكان ذلك دليلاً قاطعاً على مدى هشاشة الوضع وخطورته في الإتحاد السوفياتي.
ذكر كريم مروة في الصفحتين 380 – 381 ما يأتي: "عندما كنت أعمل في اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي، واجهتنا صعوبات في دعمنا للثورة الجزائرية، من جراء ما كان يقوم به جزائريون، بقرار فردي، أو بقرار من جبهة التحرير الجزائرية، بالإعتداء على مدنيين فرنسيين، ضرباً وقتلاً، بمن فيهم عمال ومزارعون ومثقفون، وبينهم من كانت منظماتهم وأحزابهم تتضامن مع الثورة الجزائرية، إذ كان الجزائريون، في شكل عام، يعتبرون كل فرنسي بالولادة عدواً للجزائر، وعدواً لثورة شعبها المطالبة بالإستقلال. كنا نشجب تلك العمليات، لأنها كانت تسيء إلى القضية الجزائرية، ولكننا كنا، مع ذلك، نحاول تفسيرها، إنطلاقاً من تراكم أحقاد عميقة تكونت عبر تاريخ طويل من الإضطهاد، الذي مارسه المستعمرون وأعوانهم من المستوطنين ضد الشعب الجزائري، وضد مناضلي الحركة الوطنية الجزائرية".
حدث ذلك قبل خمسين عاماً، أما اليوم فإن الأمور اختلفت. والمفترض أن الوعي عند الشعوب، وعند الحركات الوطنية وعند قياداتها، أصبح أكثر تقدماً. ولذلك فمن غير المعقول أن نعتبر كل من هو في الموقع الآخر من المدنيين، حتّى أكثرهم تخلفاً في الوعي، هم أعداء، ينسحب عليهم تحمل تبعات العمل المسلح الذي تمارسه حكومتهم ضد الشعب الذي يناضل من أجل حريته، إذ أن من شأن ذلك أن يعطي العدو الذي نقاتله الحق في أن يقتل المدنيين في صفوفنا، ويجد في العالم من يتعاطف معه، حتى لو كان ظالماً ومعتدياً".
في إجابة كريم مروة عن سؤال صقر أبو فخر: هل كانت الحرب اللبنانية حتمية؟، أكد أن الظروف كانت مهيأة في الأفكار والمواقف والمشاريع، وفي النفوس، قبل موعد الإنفجار بزمن بعيد. لذلك، فإن ما اعتبره الشيوعيون جهداً كبيراً في السياسة تحت شعار التغيير الديموقراطي، الذي أطلقه المؤتمر الثالث لإبعاد الخطر، لم يكن يتطابق مع تلك الظروف.
ويأسف كريم مروة لكون الكارثة التي نتجت من تلك الحرب لم تدفع اللبنانيين حتى الآن أفراداً ومجموعات وأحزاباً وسلطات متعاقبة، إلى بذل الجهد، ولو في حدوده الدنيا، للتوقف عند جذور هذه الخلافات والنزاعات في ما بينهم، وعند نتائجها الكارثية، بل إنهم، بخلاف ذلك، تابعوا، بعد الحرب، منطق الحرب ذاته، من دون قتال، وبالطبع هناك استثناءات وإن قليلة.
اعتبر كريم مروة أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الحزب الشيوعي اللبناني، ومجمل الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية، تكمن في الصراع بين اتجاهين أساسيين، من ضمن إتجاهات أخرى مختلفة: الإتجاه الأول يعتبر نفسه الوارث الشرعي لماركس وإنجلز ولينين ولأفكارهم، وينصب نفسه مدافعاً عنهم وعنها وعن النقاء الثوري، متجاهلاً كل التطورات والتحولات والتغييرات التي شهدها ويشهدها عصرنا. ويتناقض أصحاب هذا الإتجاه، من دون أن يدروا، مع فكر ماركس ذاته، ومع منهجه العلمي الجدلي. الاتجاه الثاني يعبر عن الرغبة في التجديد، مستعجلاً في بعض الأحيان، بما يتجاوز تراث الفكر الماركسي وتراث الاشتراكية. ويكاد يذهب البعض من أنصار هذا الإتجاه إلى إعتبار أن الحياة تبدأ من اللحظة التي بدأت تحصل فيها التغييرات والتحولات، خلافاً لما تقول به جدلية الحياة ووقائعها، من أن كل جديد إنما يولد من رحم القديم، حتى وهو يتجاوز هذا القديم. إلا أن المرونة في مواجهة المستقبل إنما تقضي باحترام هذه الإتجاهات، وتشريع عملية التفاعل الحقيقي بينها من دون تعسف، ومن دون قرارات إدارية.