هل الحداثة.. إبداع نص أم إشكالية زمن؟

فائز حداد قرأها 6
 

في خضم إشكالية المنجز الشعري الحداثوي وما أصابه من غموم يلتحق في مفهوم الحداثة كمصطلح بشكل عام، ظهرت آراء وتعريفات كثيرة منها آراء "مالكوم برادبري وجيمس ماكفارن" في كتاب "الحداثة" ترجمة مؤيد حسن فوزي، الذي أكد أن الحداثة الزمنية بـ"الهزات" الثلاث "البسيطة والواسعة والكاسحة"، وما تلاه من آراء عبرت عن مفهوم الحداثة الشعرية، التي نعنيها تحديداً بـ"حداثة النص".

النص الذي يتجاوز بقدراته على الإشعاع جميع شروط الزمن والمكان. ووفق هذا التصور أجد أن أدق تعبير عن النص الحديث هو "أنه النص الإنساني المثالي في التعبير عن الحرية"، في تجاوزه "زمكانيته" وكل القيود المحددة له. بعيداً عن الآراء التي تناولته "كشكل ومظهر"، والأخرى التي تناولته "كمتن ومضمون". وبظلهما راح الكثير يتأرجح بين فلسفات مختلفة وآراء أكثر اختلافاً فيما يتعلق بمصدرية الحداثة وقصيدة النثر تحديداً، وما أثير حولهما بين التيارات الوافدة في التغريب وبين المحافظة على "القواعد والأصول". فأين مكمن الخلل في القصيدة العربية كإرث أم التبعية للتغريب؟.

فإذا كان الالتباس في هيئة الشكل، فإن أول من تخارج عليه هم الأندلسيون في "مقلوبات الأوزان"، وما أوجدوه بظله من أشكال جديدة. وإذا كان في المضمون الشعري، فالنثر الشعري سبق الشعر في الاستعارة والترميز وفي الإيحاء والإشارة. ولنا في "سجع الكهّان" و"النثر الصوفي" دلائل قاطعة. والأهم من كل ذلك أن نتساءل: هل النص الحديث هو شعر التفعيلة أم قصيدة النثر؟ آخذين بالحسبان أن قصيدة التفعيلة تبقى جزءاً من قصيدة العمود، وإن خرجته على نظام الوزن الواحد، وما نقصده بالنص الحديث كشكل ينحصر تحديداً ودون ملابسات بقصيدة النثر، وما طرأ على سواها، إنما هي إكسسوارات وعمليات تجميل لم تصب الهدف تماماً. فلماذا لم تنل قصيدة النثر حقها لا في النشر ولا في الانتشار؟ أعتقد أن السبب يكمن في الأدب بشكل عام، والتجنيس بشكل خاص، بعد انتشار الدراسات الأكاديمية المتخصصة التي خلقت من الجنس أجناساً ومن الشكل أشكالاً، بحيث تداخل ما هو شعري مع ما ليس شعراً، دون أسس تؤكد مقدار الشعرية بعيداً عن وهم التنظير والافتراض الذي يجهل أبوية الشعر لبقية الأجناس. وراحت قصيدة النثر راوح في اتهامها بين الخاطرة والتهويم والغنوصية والمعميات وما إلى ذلك. بعد أن أسقطنا عنها تهمة التبعية والتغريب!

وما يندرج في سلفية "المحافظة" على أنها هروب معرفي عروضي ولغوي، وهلمّ جرا فيما انساقت إليه النقدية، ما اصطلح عليها بـ"الرياضية" التي تأخذ بإسقاطات الضعيف من النصوص لغرض التعميم والتقييم، أو تلك الأخرى التي تستهدف الأنموذج كمعيار للتذرُّع بأسماء المشاهير والأعلام، وتهدر المواهب الشابة بتعسفية قانطة. إذن أين مكامن الوهن والرأي الراجح، ذلك الذي يرى في النَّفَس الشعري الحي قدرة حداثوية هائلة تفوق التنظير والتنقيد على حد سواء؟

إنني أرى الخلل يتجاوز الشاعر إلى الناقد والقارئ معاً، إذا آمنا بـ"إعادة إنتاج النص"، ورهنّا قيمته بالقراءة المنتجة التي تعمل على تفعيله وإحيائه. فبالنسبة للشاعر لا ننكر وجود نماذج سيئة لقصيدة النثر التي كتب فيها غير شعرائها، استسهالاً أو فشلاً في أجناس كتابية أخرى. وهذا ما أسميه بالوافد الطارئ، ولنا في مجاميع شعرية عديدة رؤيته خير مثال، تصلح لأن تكون سبباً للتندر والاتهام، مقابل النماذج الباهرة التي من المفروض أن تكون المعيار في الدلالة والمقارنة بالنسبة للناقد المنصف بمنأى عن مزاجيات الميل والحب والعلاقات الاجتماعية الخاصة. وهناك دراسات نقدية مهمة جداً، كالتي كتبها الناقد العراقي د. حسين سرمك حسن، والناقد السوري د. خليل موسى وغيرهم. وتبقى إشكالية القراءة هي المعضلة الكبرى في استقبال قصيدة النثر، ذلك لأنها تتعلق بالوعي القرائي والمعرفي لفهم تضاعيفها، فلا مراهنة على قارئ كسول واستهلاكي يجهل المضامين الفكرية والتاريخية والحضارية، وهذه ما تتبناها قصيدة النثر في المضمون والجمال وفي البناء والترميز. وسنأتي على نماذج منها في موضوع لاحق.

النور