الثقافة العامة والتخصص

عطية مسوح قرأها 6
  

من أبرز المسائل التي يواجهها العاملون في الحقول الثقافية والتعليمية مسألة العلاقة بين العلوم التخصصية والثقافة العامة. برزت هذه المسألة منذ أن استقلّت تلك العلوم عن الفلسفة وغدت حقولاً معرفية قائمة بذاتها، لها متخصصوها والعاملون فيها. واتّسعت المسألة وتعقّدت مع تقدم كل علم وحدوث التخصُّصات في داخله.

وصل الأمر إلى درجة استهتار الكثير من العاملين في الحقول التخصصية ـ وقد يكونون على درجة عالية من المعرفة فيها ـ بالثقافة العامة، فصار السؤال عن دور المعرفة التخصّصية في إضعاف الثقافة العامة وانتشارها سؤالاً مشروعاً.

المراقب المدقِّق يلمس ذلك الدور في كثير من الأحيان، فكلما غاص المتخصص في بحر تخصصه ابتعد عن الثقافة العامة، وكلما توسع علم من العلوم ازدادت فيه مجالات التخصص، فضاقت حدود الثقافة العامة لدى العاملين فيه، حتى أصبحنا نجد مبدعين مرموقين في المجالات التقنية يفتقرون إلى الثقافة العامة والمعرفة العميقة في أمور الحياة والعلاقات الاجتماعية.

خلق ذلك تعقيدات جديدة في إشكالية الثقافة والعلوم، وكاد السؤال القديم الجديد: من هو المثقف؟ يصبح بلا جواب جديد، بعد أن حاول أجدادنا الإجابة عنه بقولهم: (المثقف هو من يعرف شيئاً عن كلِّ شيء وكلَّ شيء عن شيء)، بل كاد هذا التعريف القديم للمثقف يعثر على مسوّغات جديدة في ظلِّ ضعف انتشار الثقافة العامة.

لكن كل ما ذكرناه يدور حول جانب واحد من جوانب الثقافة، وهو (المعرفة). والثقافة ليست مجرد معرفة، وذهن الإنسان ليس خزَّان معلومات ضيقاً أو واسعاً. الثقافة ثلاثة جوانب متكاملة، لأن الأول منها هو أساس للثاني، وشرط له، والثاني أساس للثالث وشرط له أيضاً، والثالث هو الغاية التي لا يمكن أن نسمّي المرء مثقفاً إلا بالوصول إليها.

هذه الجوانب المتكاملة هي:

1.                المعلومات: وهي الأساس والمادة الأولية. وكلما كانت أغزر وأوسع كانت الثقافة أعمق وأوفر.

2.      إدخال المعلومات في نسيج معرفي متماسك، كيلا تبقى مبعثرة مفككة، وكي تكون أساساً للجانب الثالث الذي هو الغاية.

3.      القدرة على استخدام المعلومات والمعارف في السلوك اليومي وإبرازها في المواقف العملية والاستفادة منها في خدمة الثقافة من جديد، أي في استيلاد معارف جديدة.

بهذا يكون للثقافة غرض سلوكي، وتكون هي المكوّن الأهم للشخصية، إذ إن الشخصية هي معرفة وسلوك، ومن هنا يأتي الطابع الإنساني للثقافة والمثقف الحقيقي. فالثقافة التي لا تتحلّى بالنزعة الإنسانية ليست ثقافة، والمثقف الذي لا تتحدّد مواقفه على أساس هذه النزعة، ليس مثقفاً.

وليس هذا الكلام بدعة، أو افتراضاً. فالعودة إلى كلمة ثقافة في لغتنا تبين أنها تعني فيما تعنيه الاستقامة والتهذيب، ويسمى الرمح مثقفاً لأن قناته مستقيمة ومهذّبة لا اعوجاج فيها.

إن النزعة الإنسانية ليست سمة من سمات الثقافة فقط، بل هي سمتها الأهم، هي التي تحدّد كونها ثقافة أو مجرد معلومات ومعارف.

من هنا، نقول إن المعرفة التخصصية، على أهميتها وضرورتها، لا تكفي، لأنها ليست العنصر الأهم، ولا بد من امتلاك الثقافة العامة كي نتحدث عن مثقف وثقافة.