حصان عمر الزعنّي
عندما كانت بيروت تمتلك شاعرها الشعبي، كان للحياة نكهة أخرى. كان عمر الزعني يحمل شيئاً من نبض الشارع، وكثيراً من السخرية، وزاداً لا ينضب من الموهبة. كان الشعر الشعبي اداة هجاء، ووسيلة لفشّ الخلق. إعرف ان هناك من سيعترض ويأتيني بحجج لا تردّ، منها ان هذا ليس شعراً، وهو على خطأ. كان عمر الزعني شاعراً شعبياً اصطبغ بألوان بيروت، وصار صوتها، في حين اننا نفتقد اليوم صوتاً مشابهاً. قد يقال ان التلفزيونات احتلت اليوم هذه المساحة، وهذا صحيح ربما، لكن لا شيء يقارَن بمزيج الجرأة وخِفَّة الدّم التي صاحبت أغنيات أدّاها من لم يكن مطرباً او مغنياً. ولا شيء يشبه قدرة الزعني على التقاط نبض بيروت، مما جعل أديب المدينة عمر فاخوري يلاحظ في أعمال الزعني ولغته بلاغة لا نجدها في أدب الأدباء، قائلاً عنه انه "أعظم الهجّائين بين شعرائنا لأنه استحدث الهجاء الاجتماعي".
تذكرت عمر الزعني لأني منذ أيام أستحضر رائعته: "لو كنت حصان"، أقلّب المقاطع، وأرى ذاكرة سباق الخيل. أرى أمامي دكّان إميل، قرب بيتنا العتيق في "الجبل الصغير"، حيث كان يجتمع "السبقجية" ويلعبون البارولي، ويراهنون على الأحصنة، ويخسرون حتى حين يربحون. كانوا فقراء لكنهم يتصرفون كالأغنياء، ينزلون الى ميدان السباق بالسّرفيس ويعودون مشياً على الأقدام، بعدما يكونون قد صرفوا آخر فرنك في جيوبهم. وتذكّرت منامات عمّي طانيوس، الذي كان يحلم بالخيل وبالحصان الذي سيفوز. يراهن جميع الأقرباء على الحصان نفسه، ولا يفوز. لكن مكانة منامات العم طانيوس لم تتزحزح، وبقي الناس ينتظرونها كي يخسروا، على امل ان يربحوا في يوم لم يأتِ.
لا يزال سباق الخيل في مكانه، ولا تزال سوق المراهنات رائجة، لكن أصدقائي يتبعون الموضة ولا يراهنون هناك، بل يحكّون البطاقات ويشترون اللوتو واليانصيب، وينتظرون ربحاً لن يأتي هو أيضاً. إميل مات، ودكّانه الصغير لم يعد موجوداً، وامتلأ الشارع الصغير بالمباني الشاهقة، وقطعت أشجار النخيل والإكيدنيا واللوز والزنزلخت، وصار الناس عبيد التلفزيون، ونسوا.
والانسان ينسى. لكن قصيدة الزعني عن الأحصنة لم تمت. رجل يتمنى ان يكون حصاناً، والخيل عند العرب أشرف الحيوانات. "أَعزُّ مكان في الدُّنى سَرْج سابحٍ"، كتب الشاعرالقديم، لكن شاعر بيروت لم يكن يحلم بأن يركب الحصان، بل تمنّى ان يكون حصاناً في اسْطبلات فرعون وسرسق في ميدان السباق، هكذا يعلو كعباً على الانسان الذي حطّمه الظلم الاجتماعي، لأن السلطة لا همّ لها سوى النهب.
"مْن القِنْطاري لْراس النَّبْع اشْتَغَل السَّفّ اشْتَغَل الْبَلْع".
يومذاك كان بشارة الخوري يعيش في القصر الجمهوري في القنطاري (يُستخدم القصر اليوم كاستديوهات لتلفزيون "المستقبل")! وكان رياض الصلح يعيش في رأس النبع، ولم يكن يملك ما تسمّيه لغة هذه الأيام دارة! (كلمة تشبه في سوئها كلمتَي مرجعية وبيوتات اللتين تسلَّلتا الى اللغة السياسية). اما الشاعر فوجد نفسه في حبس الرمل حيث أصيب بمرض السكري وبدأت صحته في التّدهور.
في تلك الايام طلع الزعني بقصيدة تمزج الهجاء بالسخرية، وتصف حال المواطن في هذه البلاد المنكوبة بالطوائف ومرجعياتها.
"لَو كِنْت حْصان شُو عَ بالي
ابو زيد خالي راسي عالي
مْنِ الْهَمّ خالي عايش سلطان
لو كنت حصان.
لو كنت حصان في بيت سِرْسُقْ
باكُلْ فسْتُق باكُلْ بنْدُق
ما كنت بسرق زي الزعران
لو كنت حصان
مِنْ سوء حظّي مخلوق إنسان
في جبل لبنان ذليل مُهان
جوعان هفيان حافي عريان
آه يا ريتني حصان".
أمنية عمر الزعني الساخرة لم تتحقق.
من الصعب ان تكون إنساناً، فكيف تطمح الى ان تكون حصاناً في البيوتات العريقة، التي كانت تمتد في تلك الأيام من القنطاري الى رأس النبع، وصارت اليوم على مساحات المرجعيات ومرجعياتها، التي تأخذ المواطن اللبناني شرقاً وغرباً، بحيث لم نعد نعرف في اي لغة يجب ان نحكي، ولا مع من، ولا كيف نرضي طموحات الأحصنة العرجاء التي تتراكض الى الخراب الرئاسي المنتظر.
عندما نقرأ الشعر، حتى ولو كان شعبياً، نشعر بسحر الاستعارة، وقدرة المجاز على الحوار مع لغة الكلام. لا شك ان أحد عقلاء هذه الأزمنة العبوسة سوف يستهجن كيف يتمنى الانسان ان يكون بهيمة وحيواناً أعجم. معهم حق. انا متأكد من ان عمر الزعني كان كاذباً، ولم يكن يتمنى ان يصير حصاناً، لكني أحمد الله انه مات قبل ان يقرأ المصير الذي آل اليه الحصان في رواية صديقنا محمد أبي سمرا "سكان الصور".
"أصْدقُ الشعر أكذبُه"، قالت العرب، وكذبة الحصان لا يساويها الا الشعور باللامعنى.
المسألة اننا انفلقنا، ولم يعد أمامنا سوى ان نهجو الزمن، ونتمنى شيئاً حتى وإن كان الفستق والبندق، كي لا نضطر الى قول الحقيقة مع قصيدة عمر الزعني عن بيروت:
"يا مَناظر عَ الشّاشِة
يا خدَّاعَة وْغَشاّشِة
يا عروس بْخِشْخاشِة
يا مَصْمُودي بالتَّابوتْ
يا ضيْعانِكْ يا بيروت".
النهار