هذا العام هو عام الذكرى السبعين لصدور جريدة "صوت الشعب" والذكرى الستين لإيقافها. و"صوت الشعب" جريدة أصدرها الحزب الشيوعي في سورية ولبنان حين خرج من العمل السري إلى العمل العلني.
ففي أوائل عام 1936 قررت السكرتارية القيادية للحزب إصدار جريدة علنية، فتقدم نقولا شاوي بطلب للحصول على امتياز جريدة يومية، وبعد مماطلة من السلطات دامت أكثر من عام، حصل على الترخيص، وصدر العدد الأول في 15 أيار 1937.. (صوت الشعب.. جريدة أسبوعية سياسية جامعة) صاحبها ورئيس تحريرها: نقولا إسكندر شاوي "1" وحملت الافتتاحية التي كتبها رئيس التحرير عنوان: "في سبيل الخبز والحرية" واختتمها بقوله: "وشعارنا الدائم سيبقى ويظل: اتحاد الشعب بكامله في جبهة شعبية وطنية منظمة للدفاع عن حريته وخبزه واستقلاله". "2" والجدير ذكره أن نقولا شاوي ظلَّ رئيس تحرير الجريدة حتى إيقافها.
تحولت الجريدة من أسبوعية إلى يومية، ثم عادت أسبوعية، وأوقفت بقرار من المفوض السامي الفرنسي لمدة أكثر من عامين (أواخر 1939- أوائل 1942)، ثم عادت إلى الصدور إلى أن أوقفتها السلطات في أواخر عام 1947. "3" كانت "صوت الشعب" خطوة أخرى في طريق الصحافة الشيوعية العلنية في سورية ولبنان. أما الخطوات التي سبقتها فهي: "الإنسانية"، التي أصدرها يوسف يزبك، 1925 و"صوت العمال" التي أصدرها فؤاد الشمالي1930، ثم مجلة "الدهور" 1934، التي أصدرها وترأس تحريرها سليم خياطة، فمجلة "الطليعة" التي صدرت عام 1935، واستمرت حتى عام 1939، وترأس تحريرها فؤاد الشايب.
استقطبت "صوت الشعب" عدداً كبيراً من الكتاب التقدميين، فكانت أسماؤهم تلوح في أعدادها على نحو شبه دائم، ومن أبرزهم: عمر فاخوري، ورئيف خوري، وإلياس أبو شبكة، وتوفيق يوسف عواد، ويوسف يزبك، ومارون عبود وسواهم. كان هذا دليلاً على أنها تابعت خط الانفتاح على الثقافة والمثقفين الذي برز خاصة في مجلتي "الدهور" و"الطليعة" اللتين فتحتا صفحاتهما لكتّاب من ألوان وتيارات متنوعة، تجمعها الوطنية والنزعة العدالية والتوجه العلماني.
ظهرت تلك المجلات والصحف، حين كانت بلادنا حديثة العهد في الصحافة، فالصحف والمجلات التي صدرت في بيروت ودمشق وغيرهما من مدن بلاد الشام في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، والربع الأول من القرن العشرين، كانت قليلة العدد، قصيرة العمر غالباً، وكثيراً ما كان صاحبها يحرِّر القسم الأكبر، أو قسماً كبيراً، من موادها. منذ أواسط العشرينيات إلى إغلاق جريدة "صوت الشعب" عام 1947، قامت الصحافة الشيوعية واليسارية في سورية ولبنان بمهمات كبيرة ومركبة. فقد أكدت التلاحم بين المثقفين والحركة الشعبية والسياسية اليسارية. فالكاتب الأديب يوسف يزبك، مؤسس جريدة "الإنسانية" هو أحد أبرز المبادرين إلى تأسيس الحزب الشيوعي، والعامل المثقف فؤاد الشمالي، الذي قام إلى جانب يزبك بالدور الأهم في التأسيس، أصدر جريدة عمالية لعلها الأولى من نوعها في بلاد الشام، هي "صوت العمال". وسليم خياطة الكاتب الأديب المثقف المناضل، كان على رأس مجلة "الدهور" وأحد المسهمين في إصدار "الطليعة" وواحداً من أهم كتّابها، كما كان واحداً من كتاب زمنه المرموقين. أما نقولا شاوي، مؤسس جريدة "صوت الشعب" ورئيس تحريرها، وغيره ممن أسهموا في تأسيسها وتحريرها، فكانوا قادة مناضلين وكتاباً موهوبين يتلمسون قضايا الفئات الشعبية ويجمعون بين الهم الوطني والهم الطبقي، ويقدمون للقراء نوعاً جديداً من الصحافة القريبة من قلوبهم، محتوىً وأسلوباً.
وبرغم اختلاف الظروف التي ظهرت فيها تلك الصحافة وعملت، فإن الحديث عنها واستذكار مآثرها واستلهام تجربتها، مفيد جداً لصحافتنا اليوم.
إن العودة إلى صحافة تلك الأيام، بأنواعها واتجاهاتها، تبين أن معظمها كان متسماً بالانفتاح الفكري والسياسي، وباتساع طيف الفئات التي يتوجه إليها، وبتأكيد دور الثقافة والمثقفين في الحركة السياسية والشعبية. وإذا كان ثمة ما تضيفه ظروفنا المعاصرة والأحداث التي شهدها العالم والحركة الشيوعية واليسارية والاشتراكية والقومية، فهو أهمية الديمقراطية في الصحافة، كما في السياسة، لأنها هي المناخ الملائم لتكوين الصحافة الفاعلة المتطورة.
إن عصرنا لم يعد يحتمل أي تضييق على حرية الرأي والتعبير، لأن التضييق يخنق الأفكار ويقتل الإبداع ويخفي الألوان المتنوعة التي تشكل لوحة السياسة والثقافة الزاهية.
لقد أغلقت "صوت الشعب" إغلاقاً قسرياً عام 1947، وأُغلقت "النور" بعد ذلك بأحد عشر عاماً، لأنها عبّرت عن مواقف نقدية في السياسة، جوهرها عدم الموافقة على فرض الرأي الواحد، والحركة الواحدة وإحلال إرادة السلطة محل إرادة الشعب. وكان الخاسر من ذلك الإغلاق ومن كل أشكال تضييق مجالات حرية الرأي والفكر والنشاط السياسي، هو الشعب، هو الحركة الوطنية، هو التطلعات القومية والتقدمية التي حملها متخذو قرارات المنع والتضييق أنفسهم.
إن حرية التفكير والتعبير عن الرأي، وتجلي ذلك بحرية الصحافة والنشر، هي شرط أساسي من شروط نهوض المجتمع، وهي من حقوق المواطن الطبيعية، وهي-في زمننا- أحد أهم مؤشرات التقدمية والوطنية لأي نظام أو حكومة، كما أن توفير هذه الحرية ذاتها، داخل كل حزب أو حركة، دليل على جديته وصدقية توجهاته.
هوامش
"1" من كتاب "طريقي إلى الحزب"، لنقولا شاوي، ص 335.
"2" افتتاحية العدد الأول من "صوت الشعب"، راجع مجلد "صوت الشعب أقوى"، صفحات من الصحافة الشيوعية والعمالية والديمقراطية في 50 عاماً.