قلعة النّبي

سهى رحّال قرأها 7
 

توقفت الحافلة في الطريق الضيق عند سفح القلعة العملاقة, وخرج منها الركاب المتعبون من القيظ وطول الرحلة. هرع الجميع كالأطفال الى دكان يبيع مثلجات محلية الصنع واشتروا منه قطع المثلجات بكميات مجنونة, لتتحول شفاه الجميع بعد لحظات الى ألوان صبغتِها الحمراء والصفراء .

- ألن تنزلي من الحافلة ؟

سألني صديق

- لا. لماذا توقفنا في هذه المدينة الخرقاء؟ الأفضل أن نكمل رحلتنا ..

ضحك صديقي وعرف من جوابي الأخرق أنني في حالة مزاج عصبي من شيء ما, فآثر الصمت.

- سنصعد الى القلعة! هيا انزلي.

قالت زوجة الخبير الأجنبي بحماسة شديدة, فهي لم تتوقف طوال الرحلة عن قراءة كتيب سياحي عن المنطقة وآثارها وقلاعها.

- لا. لا مزاج لدي  لرؤيتها.

واستدركتُ بكذبة:

- رأيتها وزرتها كثيراً فيما مضى.

كان قولي محاولة ساذجة لامتصاص اندهاشها من لا مبالاتي غير المنطقية بالنسبة لها. في حقيقة الأمر كنت متعبة و أشعر بحر شديد وكنت أرغب ان نتوقف في مكان ظليل هادئ للراحة ووددت لو غادرنا باسرع ما يمكن هذه المدينة العجيبة التي لم اعرف سبب توقفنا فيها سوى انها تقع على خارطة طريقنا.. _/هذه القلعة ذات الجدران الداكنة أخذت عقل الجميع!/.. حدثتُ نفسي.

لم اتمكن عبر نافذة الحافلة من رؤية أعلى جدار القلعة ولم اكلِّف نفسي عناء النزول من الحافلة لرؤيته .. _/قلعة عالية ما... و ماذا يهم!/.

كان الحر شديدا, بقيتُ في الحافلة ألتهم المثلجات التي تركها لي الزملاء, ربما أكلتُ ثلاث أو اأربع قطع لم أعد أذكر, واستمعت مجبرةً لحديث مفصَّل عن مرض ارتفاع الضغط المتزامن مع السكري من أحد الزملاء الذي حال تقدم عمره ومرضه دون تمكنه من مشاركة الآخرين الصعود الى القلعة. ولا أفهم حتى الأن أي صبر أيّوبي جعلني التصق بالحافلة ولا أغادرها، وأي قدر مضحك جعلني أبقى في هذه المدينة ساعتين كاملتين دون أن تطأها قدماي!

عاد الجمع من القلعة وركبوا الحافلة, وبدأتْ زوجة الخبير بلغتها -التي لا يتقنها سواي من سوء طالعي- تحدثني بحماسة ولهفة عن القلعة وعظمتها وتاريخها وعظمة وتاريخ هذه المدينة وكل التفاصيل والتواريخ التي قرأتها في الكتيب السياحي. كان حديثها المتواصل بدون توقف مع الحر الشديد داخل الحافلة والأغنية الصاخبة التي أصرَّ السائق أن يسمعنا اياها كل ذلك شكل نوعاً من التعذيب احتملته بابتسامة حيناً وكلمة تأييد حيناً لعظمة هذه المدينة وقلعتها, وبيني وبين نفسي كنت أشتم بأعلى صوت المدينة وقلعتها وتلك الصدفة التي جعلتنا نمرُّ بها...

مضت ست سنوات على هذا الشريط, لمع في الذاكرة كبقعة ضوء أبتْ أن تتلاشى. صدفة أخرى استدعت هذا الشريط من الذاكرة, وشعور بالندم على ذلك المرور اللامبالي في أحضان تلك المدينة, وأسئلة كثيرة: كيف لم أترجل من الحافلة؟ كيف لم أقف على ذلك التراب؟ كيف لم أفتح ذراعيَّ الى أقصاهما ولم أستنشق هواها؟!! كيف لم أتلمَّس جدران قلعتها الداكنة؟ كيف لم أدرك حينها... أن النَّبي كان هنا, قدَّس التراب والماء والهواء, وحمل قرآنه ورحل !!!!!!

suhsrahal@hotmail.com