الشاعر الراحل المبدع سميح صباغ.. وثقافتنا الغائبة
في هذا الشهر، حلت الذكرى السنوية الـ(15) لوفاة الشاعر سميح صباغ.. شاعر رحل قبل أوانه، مخلفّاً وراءه تراثاً شعرياً أصيلاً في مضمونه، ورائعاً في أصالته الفنية، وساحراً في صياغاته ورؤيته الشعرية، وبليغاً في لغته وحلمه الانساني. سميح صباغ لم يلفت أنظار نقاد أدبنا المحلي، فهو من "قبيلة قليلة العدد"، ولا يمت بصلة القرابة أو الصداقة أو الجيرة أو المصالح السياسية – الأدبية لأيٍّ من نقّادنا في زمن حياته القصيرة والثرية بالإبداع الشعري.
وما عدا مراجعة أو أثنتين، نُسي سميح، واندثرت ذكراه إلا من قلوب القليل القليل من محبيه شاعراً وانساناً، وأخصُّ بالذّكر الشاعر المبدع حسين مهنّا، ابن قرية الشعراء "البقيعة"، قرية سميح أيضاً... الذي نشر مقالة رائعة في "فصل المقال" بذكرى وفاة شاعر البقيعة وشاعر الوطن، وشاعر الهمّ الإنساني، شادي الريف سميح صباغ.
مقالة حسين مهنا لفتت انتباهي الى قصور ثقافتنا وغيابها، وحالة "اللهو الثقافي" التي أصبحت الصوت والصورة في واقع ثقافي لا نحسد عليه. كنت قد كتبت مراجعة ثقافية عن ديوان سميح صباغ الكامل الذي صدر بعد وفاته، نشرته وقتها بصحيفة "العين" النصراوية، وفي كتابي "الانطلاقة" الصادر عام 2002 عن دائرة الثقافة العربية في الناصرة، وأجزم أن ديوان سميح لم يلق أي التفاتة ثقافية أخرى. بأسىً شديد أقول ان تجاهل الشاعر سميح صباغ، هو معيار سلبي يعكس حالتنا الثقافية، حالة تردِّي المقاييس الثقافية، وغياب الذائقة الأدبية، حتى صارت حالتنا الثقافية اليوم، بمعظمها، أقرب لما جاء في أغنية جديدة للصبية الحلوة نانسي عجرم "شخبط شخابيط، لخبط لخابيط".
أرى اليوم ثرثرة كثيرة، وتمجيداً مخجلاً لمن لا يعرف من الشعر الا شكله، ولمن يفتقد للقدرة على جعل الشعر زاداً ثقافياً، ورؤية جمالية ابداعية آسرة للقلوب.. حتى ولو كانت القصيدة غارقة في المضامين السياسية. الشاعر الفنان يعرف كيف يجعل قضايا الساعة الحارقة، شعراً جماليا يعكس الهمّ الوطني من زواياه الانسانية. وانا أقول لكل من يدعي ان مرحلة الشعر المهرجاني، أو الشعر السياسي، أو القصائد الوطنية، تفتقد لجمالية الشعر، وانها بدايات، انتقلنا منها الى مرحلة الشعر الوجداني والهم الانساني والحداثة والرؤية الفلسفية للحياة.. ان هذا كلام غير دقيق، لأن شعراءنا لم يسموا بشعرهم "الحداثي" عن مرحلة الشعر النضالي المباشر، والنماذج.
أعزائي.. في متناول الجميع، ان لم يكن في الذاكرة.. كانت القصيدة تعيش على أفواه الناس ولا تنسى، وبعضها ما زال ماثلاً في ضمير شعبنا وذاكرته. وكانت القصيدة أهم من بيان سياسي، وأهم من خطاب ناري. كان المهرجان السياسي الذي لا يشارك فيه الشعراء، فاشل سلفا... كانت المظاهرة التي لا يدوي فيها رعد قصائد التحدي للسلطة الغاشمة ولقوانينها الجائرة، تنفضُّ قبل ان ينهي الخطباء كلامهم. لذا كان الشعر هو مسك الختام.. قولوا لي من يسمع وينفعل مع شعر اليوم ؟! بل من يستطيع ان يقرأ قصيدة كاملة من شعر الطلاسم، والتركيبات الغرائبية، وشعر الغيبيات والديباجة الفارغة من المضمون، وأحيانا من الانشاء البسيط ؟!
هل سرا أن أجمل شعرنا، هو الشعر الذي انطلق مدوّيا في معارك شعبنا الكفاحية ؟
هل كان خطابياً ولغواً سياسياً مباشراً ؟
إطلاقا لا... كان صرخة ابداعية تحمل من جمالية الشعر وبلاغة الصياغة ما يجعله في أرقى مراتب الابداع الشعري.
هل سرا أن اجمل شعرنا هو ما أبكانا على مآسينا ؟ فهل كان شعراً بكائياً ذليلاً متوسلاً الرحمة، ام شعراً زرع في نفوسنا الايمان بعدالة قضيتنا وفولَذَ إصرارنا على تحقيق حلمنا الوطني؟
هل سرَّاً ان أجمل شعرنا هو ما غنَّى للشعوب المناضلة والمنتصرة في معارك التحرر والتقدم، وزرع في نفوسنا الحلم بأن شعبنا أيضا ليس بعاقر؟
هل سرا ان أجمل شعرنا هو ما حفظ مقاطعَ طويلة منه عمالُنا وفلاحونا وطلابنا وأشبالنا منذ سمعوه لأول مرة في مهرجاناتنا السياسية والشعرية؟ وهل سرا ان أجمل شعرنا هو ما كان الدرس الثقافي الوطني والانساني الأول الذي حفظته الأجيال الناشئة وردّدته في رحلاتها ومدارسها ونواديها؟!
لدي الكثير من النماذج.. ربما أعود بمسحٍ واسع اذا استمرت المهزلة الشعرية. ولكني اليوم أكتب عن ذكرى شاعر مبدع أصيل، قد يكون رحيله عنا محزناً لمن عرفه شخصياً، ولكن مأساة ثقافتنا انها غرقت بالدّجل، فافتقدت للمصداقية، والمصداقية هي شرعية الأديب وقوته، المصداقية هي شرعية الحياة الثقافية، أنظرُ حولي فأرى دجلاً مخْجِلاً.
أرى تبجيلا يتجاوز حدود الإدراك البسيط. وأرى تجاهلاً مؤلماً ومنهجياً للمبدعين من الشعراء والأدباء الذين أعطونا تراثاً شعرياً وادبياً جعلنا على خارطة الأدب العربي والعالمي... فهل يتوهَّم أحد أن الثقافة تنتصب قامتها وتشمخ بلا مصداقية أدبية؟!
تقولون لي تطوَّرنا.. هذا التطور قضى على رونق ثقافتنا العربية الفلسطينية داخل اسرائيل. وحسب مقولة انجلز ( زميل كارل ماركس ) التطور شكلان، واحد الى الأمام والثاني الى الخلف.. ونحن نشد الخطى الى الخلف، بإصرار..
سميح صباغ مات قبل أوانه.. حقاً لم يكتب في سنواته الأخيرة الشعر.. ربما حالته الصحية الصعبة انتصرت على الشاعر وأصمتتْه. وهوالذي عاش حياته متحدياً رافضاً الذلَّ، فكان منذ بداياته على وعي سياسي ووطني أصيل، كانت فترة نشوئه هي فترة سيطرة الحكم العسكري على جهاز التعليم، وعلى كل تفاصيل حياتنا. وكان حلم سميح ان يكون معلما للغة العربية، وان يزرع حب اللغة واستعمالها الصحيح في نفوس طلابه.. لذا لم يكن بامكانه المجاهرة باسمه، فاختار لنفسه اسم " شادي الريف".. وما أجمل ما شدا.. ولكن الحكم العسكري بأزلامة القذرين، عرفوا من هو طالب دار المعلمين العرب المتخفِّي وراء اسم "شادي الريف".. وكانت الصفعة الاولى رفض قبوله في سلك التعليم...
الضربه الثانية اصابته بمرض صعب في كبده، عانى من مرضه طويلاً، وقد يكون مرضه المؤلم والصعب، والعلاجات الطويلة التي أُخضع لها، السبب وراء توقفه في السنوات الخير ة عن كتابة الشعر. ومع ذلك لا يقاس الشعر بالكمّ، ولا يقاس الأدب بوزن الورق، ولا يقيّم الأديب بـ"عدد أفراد قبيلته"..
يروق لي أن أعطي نموذجا شعرياً واحداً لشاعرنا الراحل عنا والباقي في روح ثقافتنا، قصيدة نشرها في (1967 – 07 – 06) ووقّعها باسم "شادي الريف" وهي منشورة في ديوانه الكامل (ص 84 – 85)، اذ كان ما يزال يحلم بحمل رسالة التعليم، الرسالة التي حرم منها.. وحرمت شعبنا من عاشق للغة العربية، يعرف أسرارها ويعرف كيف يغرز حبَّها في نفوس الطلاب..
اقرأوا معي هذه القصيدة الرائعة:
إني بغير كرامتيلن أشبعا
نغمٌ يضجُّ بجانبيَّ ملوَّعا
يحكي شكاياتي
فيقطر أدمعا
أرنو الى الماضي الكئيبمفجّعا
فيكاد قلبي ان يشقّ الأضلعا
وتهزُّني أصداؤه
فيذيبني نغماً
على لهب الحروف موقَّعا
سنتان من عمري
وليس بهيّنٍ عهد الشباب يمر
أقتم موجَعا
حبسوا القصيد ولم يزل في مهدهرياّن يدفق بالمشاعر طيّعا
*******
يا لقمةً
حبستْ نشيدي حقبةً
أيظل لحني خلفها متقنِّعا؟!
قدرٌ
يعذبني ويدمي خاطري..
فينزُّ من دميَ النشيدُ
ملوّعا
دربان في قلبي الجريح
تصارعا
فوقعتُ بينهما
أخاف المصرعا..!
قيد الطغاة بأضلعي متربعٌ
ونداء حرفي لم يزلمتوجِّعا
يا لقمة
وقع الفؤاد بقيدها
اني.. بغير كرامتي..
لن أشبعا
سأخطُّ درباً لي،
جديداً نيّراً
في موكب العمال
زاهٍ مطلَعا
ولسوف أحكي للطغاة مصيرَهم بقصائدي..
والشعب يصنعمصرعا
لا أظن ان القصيدة تحتاج الى تفسير.. وفهم ما يقصده الشاعر، خاصة بعد ان أوضحت الخلفية التاريخية السياسية التي كتبت فيها القصيدة. الشعر الذي يحتاج لمن يفسره ليس شعراً ولا يمت لأي أشكال الأدب بصلة. وبالطبع ليس كل ما هو واضح جيد ومقبول.
لو لم يكتب سميح صباغ الا هذه القصيدة، لاستحق أن نسميه شاعراً كبيراً. ولكنه كتب عشرات القصائد التي لا تقل شاعرية وجمالا عنها.
أقول بدون وجل أو تردد، اني أفتقد اليوم في شعرنا المحلي،الى قصائد بمثل هذا المستوى الشعري. أفتقد اليوم هذه المصداقية الأدبية والانسانية التي خرجت هذه القصيدة من رحمها، أفتقد للموقف الانساني المستقيم الذي لم يتردّد في دفع أغلى ثمن يملكه الانسان، ثمن لقمة العيش في سبيل المصداقية الشخصية والأدبية.
ان تجاهل هذا الشاعر الأصيل الرائع والمبدع والجريء سياسياً، في فترة سوداء وبالغة الصعوبة من تاريخنا السياسي والثقافي.. هو أمر مخجل لنا ثقافياً، ومخجل أكثر حين نقرأ عن مهرجانات التبجيل والتتويج لشعراء بلا لغة وبلا ثقافة وبلا أبسط رؤية أدبية وفكرية، ولندوات شعرية بلا شعر، حتى لو عقدت في عرض البحر... ومخجل لثقافتنا تجاهل الشاعر الأصيل سميح صباغ ونسيانه، ولولا الأصيل الشاعر حسين مهنا لغابت ذكرى سميح بلا اشارة. بينما "أدبنا" المسكين مليء بصياغات انشائية تافهة في صياغة بلا روح وبلا إحساس لغوي وكتابات مدائحية تدعي النقد، وتفتقد حتى للحسّ الثقافي البسيط... تبجل باندلاق لغوي يثير الاشمئزاز كل التافهين الفارغين من أي مضمون جمالي او ما يمت للشعر بصلة، وما أكثرهم اليوم... ومخجل أكثر، ومؤلم للغاية.. مشاركة أدباء ونقّاد جادين في مهازل التهريج الثقافي.
ومخجل مائة مرة هذا التجاهل لشاعر أصيل ولشعر رائع. أستصعب اليوم ان أجد من يكتب شعراً بمستواه وبروعته في أدبنا العربي الفلسطيني داخل اسرائيل، وربما بما هو أوسع من المساحة العربية الضيقة داخل اسرائيل.
حقا لدينا شعراء مبدعون.. ولكنهم يعدون على أصابع اليد الواحدة.. وتبقى أصابع أخرى بلا استعمال... رغم ان ما ينشر عندنا يكاد يضاهي بكميته ما ينشر في العالم العربي.
15 عاما مرت.. وما زال التوهج الشعري في قصائد سميح صباغ متّقداً، وأختصر كل الكلام في هذا الموقف المؤلم لأقرباء وأحبّاء شادي الريف – سميح صباغ، وللغيورين على ثقافتنا، وأقول : انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
كاتب ناقد واعلامي – الناصرة nabiloudeh@gmail.com