الذكرى الثمانون لصدور مجلة "الحديث"

عطية مسوح قرأها 7
  

صدرت مجلة "الحديث" عام 1927، أصدرها في حلب المفكر التنويري الكبير سامي الكيّالي الذي كان الممثل الفعلي للجناح السوري في تيارالفكر الليبرالي العربي.

في ذلك العام كانت مشكلة كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين في ذروة احتدامها. وانقسم مفكرو مصر والعالم العربي إلى مؤيدين لحرية التفكير وإطلاق العقل من القيود، ومعارضين لها.

التفّ أنصار حرية العقل والتفكير والتعبير حول طه حسين، الذي حاصره المحافظون ومنعوا كتابه المذكور، لأنه يدعو إلى تطبيق منهج الشك في دراسة الأدب والتراث، وتبنّى الدفاع عن قضيته كثير من المفكرين العرب، وكان سامي الكيالي أبرزهم في سورية.

وحين نقرأ رواية الكيالي لنشوء فكرة إصدار المجلة لديه، والهدف الذي يتوخّاه منها، ندرك صلة ذلك بمعركة طه حسين ونلمس الصلة الكفاحية بين جناحي التيار الليبرالي في الفكر العربي الحديث في كل من مصر وبلاد الشام. يقول الكيّالي في كتابه "من خيوط الحياة":

"والتفت العالم العربي إلى طه حسين حين أصدر كتابه في الشعر الجاهلي، فقامت عليه تلك الضجة الكبرى، وكنت الوحيد في سورية الذي انتصر لفكرته ونهجه، فثار عليّ المعمّمون. وفي هذه الفترة ولدت عندي فكرة إصدار مجلة تعبر عن النزعات الحرة وتدافع عن حرية الفكر. فأصدرت "الحديث" في بدء سنة 1927، وكان الدكتور طه أول من فكّرت به وكتبت إليه وطلبت مؤازرته، فكان من طليعة المفكرين المصريين الذين آزروا "الحديث" أجمل مؤازرة، وكانت أولى مقالاته دراسة طويلة عنوانها "بين العلم والدين" ردّ فيها على حملة الشتائم والمطاعن التي أثارها عليه خصومه ببحث علمي رصين هادئ، فنشرت المجلة هذا البحث في كثير من الجرأة.

استمرت مجلة "الحديث" ثلاثة وثلاثين عاماً، وكانت من أهم المنابر الثقافية في سورية، إذ كانت منبراً للتجديد الفكري والأدبي والتصدي للجمود الفكري، واستقطبت خيرة الأقلام في زمنها، وكانت عربية الطيف كتاباً وقراء، لاحت على صفحاتها أسماء طه حسين وسلامة موسى ومحمد حسين هيكل وإبراهيم ناجي وإلياس إبي شبكة وعصام حفني ناصف.. وسواهم.

لم يهبط مستوى أعدادها منذ صدورها حتى توقفها، وإذا استعرضنا أي عدد فسنجده دسماً مهماً، وها أنذا أستلُّ عدداً منها استلالاً عشوائياً، فإذا به عدد شباط،1929  وإذا فيه الموضوعات التالية: الانقلاب الاجتماعي في تركيا. الأدب قديمه وجديده وحظ العربية منهما، مقالة عن جبران خليل جبران، الاشتراكية من الوجهة العلمية، عرض لكتاب حوليات مصر السياسية، قصائد لإلياس أبي شبكة وعمر يحيى وعلي الناصر وسواهم.

هكذا "الحديث"، مستوى أدبي وفكري رفيع، دخول في صميم معارك الفكر والأدب، ولاسيما صراع القديم والجديد، رعاية للمواهب الشابة، شجاعة في طرح الرأي ومواجهة التزمُّت والجمود. وحين نقول: شجاعة، فنحن لا نعني التهوُّر والاندفاع. كان الكيّالي حريصاً على ألا يظهر بمظهر المتطرف في تبنيه للجديد، وكان يسعى إلى تهدئة خواطر المعتدلين في المعركة بين القديم والجديد. ففي افتتاحية العدد الأول، وبعد أن يعلن تبنيه للجديد في كل مجالات الحياة وسعيه إلى هزّ النظم القديمة من جذورها، يقول: "مجلة الحديث ستنهج نهجاً وسطاً بحيث لا تحبّذ الهدم على علاته دون أن تفكر بالبناء".

لقد حملت صفحات المجلة صورة التنوع داخل التيار الفكري العريض لأنصار التحرر والانفتاح العقلي والعلمانية، وهذه مزيّة كبيرة من مزايا الفكر العربي في عصر النهضة. إنها كثرة الألوان وديمقراطية العلاقة بينها في معظم الأحيان. ولم يقتصر التنوع على وجود تيارات مختلفة، بل ظهر ذلك داخل أنصار التيار الواحد، وإذا أخذنا التيار الليبرالي مثلاً، فإنا نجد فيه من يطرح حرية العقل والفكر وحرية الإنسان، ويؤسِّس فكرياً لنظام سياسي ديمقراطي. كما نجد من يجمع بين الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، كما عند طه حسين وسلامة موسى. ومن يجمع بين قيم الليبرالية والتطلعات القومية، كما عند ساطع الحصري وسامي الكيّالي وغيرهما.

كان ذلك التنوع، والعلاقة الديمقراطية بين المتنوعين عامل نضجٍ وغنىً في فكر النهضة العربية، ولعل الارتداد على هذه المزيّة كان أحد عوامل التراجع على مستوى الحرية والديمقراطية في المجتمع العربي، وأحد نتائج انقطاع مسيرة النهضة منذ خمسينيات القرن العشرين.

حين نتذكر مجلة "الحديث" وصاحبها سامي الكيّالي، يجدر بنا أن نحثَّ على العودة إلى تلك الميزة الكبيرة: الإقرار بالتنوع في الفكر والسياسة، وبالتنوع داخل التيار الواحد، واتّباع الحوار أسلوباً في تنظيم العلاقة بين المتنوعين. هذا ما سعت إليه مجلة "الحديث"، وما سبقها أو تبعها من مجلات حملت لواء التجديد والحداثة على مستوى الفكر والثقافة والسياسة.