يوميات محمود درويش - تموز 2006
|
البنت/ الصرخة على شاطئ البحر بنتٌ، وللبنت أهلٌ
المشهد هُوَ هُوَ. صَيْفٌ وَعَرَقٌ. وخيالٌ يعجز عن رؤية ما وراء الأفق. واليوم أفضلُ من الغد. لكنّ القتلى هم الذين يتجدّدون. يُولَدون كل يوم. وحين يحاولون النوم يأخذهم القَتْلُ من نعاسهم إلى نوم بلا أحلام. لا قيمة للعدد. ولا أحد منهم يطلب عوناً من أحد. أصوات تبحث عن كلمات في البرية، فيعود الصدى واضحاً جارحاً: لا أحد. لكنّ ثَمَّةَ مَنْ يقول: "من حقِّ القاتل أن يدافع عن غريزة القتل". أمَّا القتلى فيقولون متأخرين: "من حقِّ الضحية أن تدافع عن حقِّها في الصراخ". يعلو الأذانُ صاعداً من وقت الصلاة إلى جنازات متشابهة: توابيتُ مرفوعةٌ على عَجَلٍ، تُدْفَنُ على عجل... إذ لا وقت لإكمال الطقوس، فإن قتلى آخرين قادمون، مسرعين، من غارات أخرى. قادمون فرادى أو جماعات... أو عائلةً واحدةً لا تترك وراءها أيتاماً وثكالى. السماء رماديّةٌ رصاصيَّة. والبحر رماديٌّ أزرق. أمَّا لون الدم فقد حَجَبَتْهُ عن الكاميرا أسرابٌ من ذباب أخضر!.
صَيْفٌ خريفيٌّ على التلال كقصيدةٍ نثرية. النسيمُ إيقاعٌ خفيفٌ أُحسّ به ولا أسمعه في تواضع الشجيرات. والعشب المائل إلى الاصفرار صُوَرٌ تتقشَّف، وتُغْري البلاغةَ بالتشبُّه بأفعالها الماكرة. لا احتفاء على هذه الشعاب إلاَّ بالمتاح من نشاط الدُوريِّ، نشاط يراوح بين معنىً وعَبَث. والطبيعة جسد يتخفّف من البهرجة والزينة، ريثما ينضج التين والعنب والرُمَّان ونسيانُ شهواتٍ يوقظها المطر. "لولا حاجتي الغامضة إلى الشعر لما كُنْتُ في حاجة إلى شيء" يقول الشاعر الذي خفَّتْ حماستُهُ فقلَّتْ أخطاؤه. ويمشي، لأن الأطباء نصحوه بالمشي بلا هدف لتمرين القلب على لامبالاةٍ ما ضروريّةٍ للعافية. وإذا هَجَسَ، فليس بأكثرَ من خاطرةٍ مجانيّة. الصيف لا يصلح للإنشاد إلاّ فيما ندر. الصيف قصيدةٌ نثرية لا تكترث بالنسور المحلقة في الأعالي.
أجْلِسُ أمام التلفزيون، إذ ليس في وسعي أن أَفعل شيئاً آخر. هناك، أمام التلفزيون، أَعثر على عواطفي. وأرى ما يحدث بي ولي. الدخانُ يتصاعد مني، وأَمدُّ يدي المقطوعةَ لأمسك بأعضائي المبعثرة من جسوم عديدة، فلا أجدها ولا أهرب منها من فرط جاذبيّة الألم. أنا المحاصر من البرّ والجو والبحر واللغة. أقلعتْ آخرُ طائرةٍ من مطار بيروت، ووَضَعَتْني أمام التلفزيون، لأرى بقيَّة موتي مع ملايين المشاهدين. لا شيء يثبت أني موجود حين أفكّر مع ديكارت، بل حين ينهض مني القربانُ، الآن، في لبنان. أدخل في التلفزيون، أنا والوحش. أَعلم أن الوحش أقوى مني في صراع الطائرة مع الطائر. ولكني أَدْمَنْتُ، ربما أكثر مما ينبغي، بُطُولَةَ المجاز: التَهَمني الوحش ولم يهضمني. وخرجتُ سالماً أكثر من مرة. كانت روحي التي طارت شعاعاً مني ومن بطن الوحش تسكن جسداً آخر أَخفَّ وأَقوى. لكني لا أعرف أين أنا الآن: أمام التلفزيون، أم في التلفزيون. أما القلب فإني أراه يتدحرج، ككوز صنوبر، من جبل لبناني إلى غزة!.
كُنْتُ هناك قبل شهر. كُنْتُ هناك قبل سنة. وكنت هناك دائماً كأني لم أكن إلاّ هناك. وفي عام 82 من القرن الماضي حدث لنا شيء مما يحدث لنا الآن. حُوصِرْنا وقُتِلْنا وقاومنا ما يُعْرَضُ علينا من جهنم. القتلى/ الشهداء لا يتشابهون. لكلِّ واحدٍ منهم قوامٌ خاص، وملامحُ خاصة، وعينان واسمٌ وعُمْرٌ مختلف. لكن القتلة هم الذين يتشابهون. فهم واحد مُوَزَّع على أَجهزة معدنية. يضغط على أزرار الكترونية. يقتل ويختفي. يرانا ولا نراه، لا لأنه شَبَحٌ بل لأنه قناعٌ فولاذيٌّ لفكرة... لا ملامحَ له ولا عينان ولا عمر ولا اسم. هو... هو الذي اختار أن يكون له اسم وحيد: العَدُوّ. وماذا يدور في بال نيرون، وهو يتفرّج على حريق فلسطين؟ يبهجه أن يدرج اسمه في قائمة الأنبياء نبيّاً لم يؤمن به أحدٌ من قبل. نبيّاً للقتل كَلفَهُ اللهُ بتصحيح الأخطاء التي لا حصر لها في الكتب السماوية: "أنا أيضاً كليم الله"! وماذا يدور في بال نيرون وهو يتفرّج على حريق العالم؟ "أنا صاحب القيامة". ثم يطلب من الكاميرا وقف التصوير، لأنه لا يريد لأحد أن يرى النار المشتعلة في أصابعه في نهاية هذا الفيلم الأميركي الطويل!.
لا أسْمَعُ صوتي في الغابةِ، حتى لو
بدقيقةٍ واحدة، تنتهي حياةُ بيت كاملة. البيت قتيلاً هو أيضاً قَتْلٌ جماعيٌّ حتى لو خلا من سكانه. مقبرةٌ جماعيَّةٌ للمواد الأولية المُعَدَّةِ لبناء مبنى للمعنى، أو قصيدةٍ غير ذاتِ شأْنٍ في زمن الحرب. البيت قتيلاً هو بَتْرُ الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء المشاعر، وحاجَةُ التراجيديا إلى تصويب البلاغة نحو التبصُّر في حياة الشيء. في كل شيء كائنٌ يتوجّع... ذكرى أصابع وذكرى رائحة وذكرى صورة. والبيوت تُقْتَلُ كما يقتل سكانها. وتُقْتَلُ ذاكرة الأشياء: الحجر والخشب والزجاج والحديد والاسمنت تتناثر أشلاء كالكائنات. والقطن والحرير والكتان والدفاتر والكتب تتمزق كالكلمات التي لم يتسنّ لأصحابها أن يقولوها. وتنكسر الصحون والملاعق والألعاب والأسطوانات والحنفيات والأنابيب ومقابض الأبواب والثلاَّجة والغسّالة والمزهريات ومرطبانات الزيتون والمخللات والمعلبات كما انكسر أصحابها. ويُسحق الأبيضان الملح والسكر والبهارات وعلب الكبريت وأقراص الدواء وحبوب منع الحمل/ والعقاقِير المنشطة وجدائل الثوم والبصل والبندورة والبامية المجففة والأَرُزُّ والعدس كما يحدث لأصحابها. وتتمزق عقود الإيجار ووثيقة الزواج وشهادة الميلاد وفاتورة الماء والكهرباء وبطاقات الهوية وجوازات السفر والرسائل الغرامية كما تتمزّق قلوب أصحابها. وتتطاير الصور وفُرَشُ الأسنان وأمشاط الشَعْر وأدوات الزينة والأحذية والثياب الداخلية والشراشف والمناشف كأسرار عائلية تُنْشَرُ على الملأ والخراب. كل هذه الأشياء ذاكرة الناس التي أفرغت من الأشياء، وذاكرة الأشياء التي أفرغت من الناس... تنتهي بدقيقة واحدة. إن أشياءنا تموت مثلنا، لكنها لا تدفن معنا!
مجازاً أقول: انتصرتُ
البعوضة بقية حياة إذا قيل لي: ستموتُ هنا في المساء
فجر اليوم، الثلاثين من تموز، حَقَّقت دولة إسرائيل تَفَوُّقَها العسكري الكاسح: انتصرت على الأطفال في قانا، وقطَّعتهم أشلاء. كان الأطفال نائمين حالمين بالعودة إلى أَسِرَّتهم الأصليّة سالمين، وربما حالمين بسلام صغير على هذه الأرض الصغيرة، يكبرون على مَهْلٍ على مهل، ويذهبون إلى المدرسة في أول الخريف، ويهربون منها لا خوفاً من الطائرات.. بل سأماً من درس الجغرافيا. لكنهم قُتلوا دون أن ينتبهوا، فيخافوا ويصرخوا. كانوا نائمين وظلوا نائمين.. أَيدي بعضهم على صدورهم، وأَيدي بعضهم مقطوعة. لم أَبْكِ منذ فترة طويلة، منذ أدركتُ أن دمعتي تُفرح من يُحبُّونني ميتاً. ولكن الذين يريدوننا ميتين فرحون اليوم مَزْهُوُّون بانتصارهم .. بانتصار غريزة الكراهية والقتل المجانيّ على فطرة حبّ الأطفال لأمهاتهم. لا، ليس الحليب أسود. الحليب دم سائل ومُجَفَّف. فلأبْكِ إذاً بلا حَرَجٍ وبلا خشية من شماتة. فالقتلة إيّاهم الخارجون من قانا الأولى يخافون علينا من النسيان، ويعيدون تمثيل المذبحة وارتكابها لئلا يحسب أحدٌ منا أن أحلام أطفالنا بالسلام ممكنة التحقّق. لم يعتذروا هذه المرة، لئلا يتهمهم أَحد منا بالرغبة في التكافؤ الأخلاقي بين القاتل والقتيل. لا، لا أستطيع الكلام مع أحد لئلا يسألني: ماذا تكتب؟ لا أَخلاق للوصف إذا نزعتْ اللغةُ إلى البلاغة، فليس من حق اللغة أن تشرح الصورة، الصورة التي تضيق بتناثر أشلاء الملائكة الصغار. كم من يسوع صغير تتسع له الأيقونة؟ من يستطيع أن يكتب شعراً اليوم وأن يرسم لوحة وأن يقرأ رواية وأن يستمع إلى موسيقى... فهو آثم. إنه عيد الدولة التي انتصرت على الملائكة، وذكَّرتْنا بأن الهدنة هي استراحتها القصيرة بين مذبحة ومذبحة! محمود درويش |