|
هذه الكلمة من وحي صورة نشرتها وسائل الإعلام في الأسبوع الثالث لبدء الحرب في لبنان، لأطفال مَرِحين تسلقوا متن دبابة "ميركافا" إسرائيلية محمّلة بالصواريخ، وراحوا يكتبون عليها بأقلام ملونة رسائلهم الى أطفال لبنان.
أتأمَّل الصورة ولا أصدِّق ما تبصره عيناي، وألى أيِّ حدٍّ وصلتْ وقاحةُ العسكر: نادوا الأطفال وقالوا: "دعوهم يأتون إليّ"... إلى متن دبابة "الميركافا" أصعدوهم وأمروا: "أكتبوا رسائل إلى أولاد الجيران.
هناك، خلف خط الحدود الشمالية يقيمون.
ولا تنسوا عنوانهم: لبنان". *** أطاع الصغارُ أوامرَ العسكر، تسلَّقوا مَتْن الدَّبَّابة، متسلِّحين بأقلامٍ من صُنع أميركا، بأقلامٍ تَكتبُ كلَّ اللُّغاتِ زوَّدوهم،
كي يحرِّروا رسائلَ إلى أطفال لبنان، وعلى صفحات الصواريخ "الذكية". *** بفرحٍ واعتزازٍ أطاع الأطفالُ أوامرَ جيشِهم، دخلوا حلبة السِّباق، وراحوا يحررون الرسائل إلى أولاد الجيران. كانت الصَّواريخُ أعلى من قامات الصِّغار، لكنهم بلغوها، مرفوعين فوق سواعدِ العسكر، كي يطالوا قِمماً تبلِّغ الرسائلَ بسرعة البرق.  فتياتٍ وفتياناً من الجنسين كانوا، وراحوا يكتبون الرَّسائل: "نحن أطفالُ الجيران
منذ ستة عقود نزل أهلُنا هذه الدِّيار، ولم تزورونا،
فقرَّرنا أن نرسلَ إليكم أشواقَنا في كلمات". أطفالٌ من الجنسين، في عُمرِ البراعم. وزوّدوهم أقلاماً تكتب كلَّ اللُّغات. *** أتأمَّلُ الصورةَ ولا أصدِّق ما تبصره عيناي: وجوهُ أطفالِ إسرائيلَ تشبه وجوه أطفالَ لبنان، بالمرح، بالحيوية وحبِّ الحياة، والتَّوق إلى التَّواصُلِ مع أطفال الجيران. *** وصلَتِ الرسائلُ. بسرعة البرق صارتْ تنهالُ من الفضاء، في الليل وصلتْ، مع طلوع الفجر،
وقبل أن يصيح ديكُ الحيِّ كانتِ الصَّواريخ تؤدِّي المهمَّة، فتبلِّغ الرسائلَ، محمّلةً بالشَّوق، من أولاد الجيران. *** جاء في رسالةٍ:
"إسمي مريم، هل عندكم مَن تحملُ هذا الإسم"؟
وفي رسالةٍ أخرى: "أنا يوسف، وأختي هاجر ومعنا صديقتنا سارة. ننتظرُ جوابَكم". وفي رسالة ثالثة: "يا أطفال الجوار، في بنت جبيل وصُور ومارون الراس
وفي بعلبك والضاحية وسائر قرى لبنان، نحن من مُستوطناتِ كِرْيات شْمونة، نهارِيا وكَفْر جلْعاد. أخونا إيهود لا يزال صغيراً، ولا يقوى على صعود "الميركافا" لكن الجنديَّ اللَّطيفَ "بنْعال" رفعه فوق ساعديه بحنان، وقال: "أكتب رسالةً إلى طفل، مثلك، من أطفال لبنان". *** عند منتصف الليل تبلَّغ عليٌّ الرسالة، وتبلغتْها زينبُ أختُه. كانا نائمَين في الملجأ، في أحضانِ الوالدَين أمُّهما تضمُّ الأختَ الصُّغرى "وعْد" .. إبنة الأسبوعين. قالت الأمُّ فاطمة وهي تضمُّ أطفالَها:
"ليس في الملجأ نورُ شمعةٍ، ولا قنديلُ كازْ، وأولادي يخافون الظلام. وكان الوقت منتصفَ الليل". ***
وصلتِ الرسائلُ، محمَّلةً بأحرِّ الأشواق، و"راحتْ قاماتُ الصِّغار تتناثرُ في كلِّ الجهات" هكذا روى صوتُ أمِّ عليٍّ لعدساتِ المصوِّرين،
وهي تلتقطُ المشهدَ الأخير لأطفالٍ
كانوا ملءَ القلب والعين، يطْلعون مع إطلالة كلِّ فجْر، وكما تشرق الكواكب والشُّموس كانوا يُشْرقون. هكذا روى صوتُ أمُّ عليّ
قبل أن يتناثروا .. وتتلاشى أشلاؤهم كالدخان. *** يا سكَّانَ هذا الكوكب الذي ينوء بأثقاله والأحزان: هذا بعضُ ما حملته رسائلُ الصغار، حين رفعوهم فوق دبابة "الميركافا" وأمروهم: - "إبعثوا رسائلكم إلى أولاد الجيران". |