مستقبل سورية وحرية البحث

عطية مسوح قرأها 7
  

أصدرت مديرية الثقافة في الرقة كتاباً يحمل عنوان: (مستقبل سورية في عيون المثقفين)، وهو يتضمن خمسة عشر بحثاً قدمها باحثون من سورية ودول عربية أخرى في ندوة تحمل العنوان ذاته في أيار المنصرم. وكانت جريدة "النور" قد غطت وقائع تلك الندوة في تقرير صحفي أعده الزميل بشير عاني، كما نشرت حواراً مع كل من د. هشام غصيب ود. أيوب أبو دية، وهما باحثان أردنيان شاركا في الندوة، وتنشر في هذا العدد حواراً مع د. طيب تيزيني يستعرض فيه الأفكار التي طرحها في محاضرته.

لقد اكتسبت تلك الندوة أهميتها من موضوعها أولاً، فاستعراض الرؤى المتنوعة والمتباينة للمثقفين العرب والسوريين حول واقع بلادنا ومستقبلها أمر مهم ومفيد بحد ذاته، كما اكتسبت أهميتها من الجو الذي ساد جلساتها ومحتوى الأبحاث المقدمة فيها ثانياً. فقد قدم الباحثون أفكارهم بحرية تامة، ولم يطلب أحد الاطلاع على أبحاثهم أو أهم ما ستتضمنه قبل إلقائها، وكان الحديث والنقاش في كل محاضرة على درجة كبيرة من الشجاعة والوضوح. شهد بذلك كل من حضروا فعاليات الندوة التي عقدت جلساتها في الرقة والثورة وتل أبيض، وسيلمسه قراء الكتاب المذكور، بدءاً من مقدمته التي كتبها مدير الثقافة في الرقة الأستاذ حمود الموسى، مؤكداً أهمية النظرة النقدية للواقع، وكشف العيوب، ومواجهة الحقائق، وهذا ما برز في الأبحاث التي نشرت كما هي، دون حذف أو تعديل.

ومن أهم المسائل التي أكدها الباحثون ضرورة استمرار الحوار حول واقع سورية ومستقبلها، وقد جاء في مقدمة الكتاب: (ومن الممكن حصر النتائج التي توصل إليها الباحثون في هذه الندوة بالدعوة إلى تعميق الحوار بين الدولة والمجتمع، وبين شتى الفئات الاجتماعية التي يتكون منها المجتمع السوري. وبهذا المعنى فقد نُظر إلى الحوار ـ الذي ينبغي ألا يستثني أحداً ـ على أنه أسلوب ومنهج حضاري في حلّ المشكلات، كما حُدِّد الحوار بأنه حوار حول كل شيء وبين جميع أبناء المجتمع، وخاصة بين الدولة والمجتمع، وبذلك لا بد أن يكون الحوار ثقافياً واجتماعياً وأخلاقياً واقتصادياً وسياسياً).

لقد بيّنت وقائع الندوة أن المثقفين قادرون على قراءة واقع المجتمع بمسؤولية كبيرة ووضع اليد على نقاط الضعف فيه، واقتراح الحلول التي يمكن أن تكون متنوعة ومتباينة، لا يقود إلى الأفضل بينها إلا الحوار الحر والبنّاء.

ولعلّ هذا الشعور بالمسؤولية والشجاعة في طرح الآراء، يدلاّن على أن المفكرين والباحثين والمثقفين هم أهل للثقة، وأن وضع أية قيود على نشاطهم البحثي والحواري والثقافي هو أمر ضارٌ، لأنه منافٍ لحقوقهم من جهة، ولأنه يحرم المجتمع من إبداعاتهم الضرورية للنهوض بالوطن من جهة ثانية.

إن التفاعل بين الحركة الفكرية والثقافية، والحركة السياسية، والشعب بمختلف فئاته هو طريق النهضة والتقدم، ومن شروط هذا التفاعل أن يقوم على الحرية، حرية التفكير والتعبير عن الرأي واتخاذ المواقف التي يراها أصحابها صحيحة وبنّاءة.

ولعل الندوة التي نتحدث عنها وغيرها، تؤكد أهمية هذه الحرية وفائدتها، وتطمئن المسؤولين في الدولة والأحزاب إلى أن حرية الباحثين والمفكرين والناس لن تؤدي إلا إلى النافع والمفيد، وأن الزبد الذي قد يظهر هنا أو هناك، يذهب وحده جفاء، ويتلاشى دون أثر يذكر.

في هذه الندوة، وبعد أن قدّمت بحثي، وهو بعنوان: (الواقع وضرورة الإصلاح الديمقراطي)، مازحني بعض الزملاء بالقول: إن حزبك سيتبرأ منك. قلت لهم: يبدو أن في حزبي مجالاً للتعبير عن الرأي الخاص المختلف عن الرأي الرسمي ليس موجوداً في الأحزاب الأخرى.

قد يكون جوابي صحيحاً، وقد تكون صحته نسبية على أيّ حال، لكنني مقتنع بأن حرية البحث والباحث، حرية المفكرين وأصحاب الرأي، ينبغي أن تكون مصونة في الأحزاب، ولا يجوز أن تطلب القيادات منهم التقيّد بالسياسات الرسمية والأمور المحسومة، لأن هذه السياسات والأمور ذاتها قد تكون موضع بحث وتحليل ونقد في أبحاثهم وفي نشاطهم الفكري، وهذا هو طريق الوصول إلى الأصوب والأدق.

قد يقول من يعترض على هذا الكلام، إن عضو الحزب، وإن كان باحثاً، ملزم بسياساته ومواقفه وثوابته، لكن ما تثبته الحياة، أن عضو الحزب بعامة، والباحث بخاصة، ملزم كذلك بوضع تلك السياسات والمواقف الثابتة على محك الواقع واختبارها في ضوء الحياة اليومية، ومن خلال الحوار مع الناس، كما أنه ملزم بقول رأيه في ذلك كله، بصوت مسموع، كي يشاركه الآخرون في الحوار، وكي يشجّع غيره على أن يكون ذا رأي وفاعلية. وبقدر ما تضمن الأحزاب لأعضائها وللباحثين والمفكرين مثل هذه الأجواء الديمقراطية، تكون قادرة على الفعل في حياة المجتمع والتأثير في عقول الناس.

إنني إذ أتذكر ما مازحني به بعض الزملاء، أدعوهم، وأدعو كل باحث منتم إلى حزب أو حركة، إلى عدم جعل قرارات الأحزاب ومواقفها قيوداً على البحث والتفكير.

ولعل هذا هو أحد الاستنتاجات الممكنة من ندوة الرقة، وسأكون سعيداً إذا شاركني قارئ الكتاب الذي يتضمن أبحاثها مثل هذا الاستنتاج.