الحافي

صلاح بن عيّاد قرأها 5
 

صلاح بن عيّاد *

حافٍ... مكتوف العينين

يمشي عبر عروقه إلى نُتف من بكاء

يتكدّس الطّين المعقّد في الاتّجاه الأماميّ يرتوي بشكل إناء أثريّ

يقبّل صورة الماء المعّلقة بالغيم القليل

حافٍ مرمّلٌ يحمل دمّل ذكرياته بحقيبة لحمه

يتسرّب من شباك بيته، هناكْ.

أراكْ إلهي تنفخ الخفّاف مخاليقَ لهذه المدينة

أراكْ وكنتُ أشحذ روحاً غير هذه

يتصاعد دخانٌ من كفّيها تحمل ما لا عليها.

حافٍ يتسلّق الشارع حبْواً نحو اسم عائد لأدراج الحروف

جاثمٌ على صدره يبحث في مكوّنات الشّارع عن هواء

عن الشّعر،

عن الرّغيف

أصابع الإشارة إليه تطعن كلماته

تتدلّى الحروف من ثوبه المزرقّ من فرط الوجع.

من الكفّة مالتْ.

قالتْ: "وداعا لاتّساخك أيها الشاعر الذي يعرّب الحمام

لا نملك أسماء التبدّل القمريّ

لا هجرة الاستفهام من ريش الحمام إلى حديد الخراطيش".

الرّمد على هويّة أضلاعه،

يدخل غوغاء المقاهي

لو كان كرسيّا على الرّصيف

لو توقّف عن الولادة المشوّهة

لو يمسح على وجه المدينة

لو يُيَمّمها من الدّوائر حافٍ... مشلولُ القُبلة

هناك على حافّة الفراش ترك حبيبته ساخرة.

سيتولّى هؤلاء الذين جاؤوا تقسيم شفتيْها كما شاؤوا.

هؤلاء الذين جاؤوا أبناء لأبي من صدفة

هؤلاء الذين جاؤوا كلمة قذفها الظلّ في بطون شجرنا

سيجدون برَحِم حبيبتي قصائدي، لمساتي..

سيعثرون على منديلي،

قمحي، رسائلي..

سيجدون بشفتيها ما اقترفتْ من أخطاء.

وما لم أقترف من قبلات

سيعثرون عليّ

هائماً بضفائرها

واقفاً بذاكرتها

راحلاً من أفكارها إلى حروفي.

حافٍ...

منذ ليلة ربطوا جُنُوح عينيْه

لم يقترف "أنتغون" لترافقه طريق لعنته حبيبته أمّ من لغته

جاء اسم عند الجسر

قاتلَه

ظنّت "طيبة" أنه الأسطوريّ الآتي من كُحل القدر.

زوّجوه أسوارها

وقلّعوا مسمار الغابات من قدميْه الحافتيْن.

لا يفهم التّداخل،

ولم يكن قد عدّ أصابعه لمّا هرب شارع من شارع من كلمة، من فمٍ. صاحوا: اقتلوه،

شدّوا خيوط طينه بدفتر قلبه.

حملوه إلى شرفة "طيبة"

يأتي أناس تأكّدوا تماماً من أسمائهم وألوان أعينهم في الظلّ

- ما اسمك؟

- لا اسم لي سادتي

نزعوه بالمفترق، لا يدخل هذه المدينة من يحمل اسماً غير مفهوم واسمي قديم... - ما سنّك؟

- لست أدري ...

أنا أولد كلّ حمام اهتزّت ضوْضاء لا يفهمها.

يطلّ من أعلى الشّرفة ملكٌ جديد:

"ستترك المدينة، وهاهنا في هذا الصّندوق ستترك يديك".

فككوا يديه وكانت بعشرة أصابع لا غير.

جاء راهبٌ وضع رأسه على صدره ينصت ما وراء صمته.

قال: عيناه قادرتان على خرق الاتجاهات، فشدّوهما بما ورثنا من ضفائر لعنته

أعادوا المسمار إلى قدميه

وضعوه على الطّريق:

حافياً

مكتوف العينين

يمشي عبر عروقه

إلى نُتف البكاء

يتكدّس الطّين المعقّد في الاتّجاه الأماميّ

يرتوي بشكل إناء أثريّ

يقبّل صورة الماء المعّلقة بالغيم القليل

شاعر من تونس - Rapace1000@yahoo.fr