موعظة البحر (ما قبلَ قبلَ عكّا)

تركي عامر قرأها 5
  

موعظة البحر (ما قبلَ قبلَ عكّا) *

     بعض قليل من أجيالنا "الصّاعدات"، لا تشبّهًا أو اشتباهًا، ربّما استطاع سبيلاً من هديل نبيل إلى قليل وصول أصيل لـ "كاحل" أعمالٍ خالدات، تركها لنا محترفون ناتئون، نفيء إلى ظلالهم الوارفات، في حياتنا والممات.  وبالمقابل، ثمّة مقترفون ناشئون، يبزّون، بإبداعات ليست قليلة، بعضًا ممّن سبقوهم إلى هذه "الخطيئة" الجميلة: معاقرة الحبر ومقارعة الورق.

     هذا "الجيل الصّاعد" (وما قبله وما قبل قبله)، باستثناء مواهب متميّزة، يكتب كلامًا كثيرًا ولا يقول شيئـًا مثيرًا. فضلاً عمّا يرتكب من جرائم في اللّغة فادحة وفاضحة ومفضوحة، قلّما يقدّم جديدًا جديرًا بقراءة عابرة، فكيف بدراسة سابرة؟! والأشلب، أنـّه يتمزعل على "الحركة" النـّقديّة لعدم احتفائها بخبطاته "الإبداعيّة".

     وبالمقابل، بعض "الجيل القاعد"، كان أنعم علينا بمكتوبات عاديّة رماديّة، ولم يجرؤ، يومًا أو حلمًا، على فلفشة مكبوتات حميميّة صميميّة. ربّما لإمساك (أو تمسّك) يحول دون الجنون، دون الخروج على الدّنيا شاهرًا ضوءًا يجيد أبجديّة النّفق. ربّما لإدمان ما أكل الدّهر على قلبه ديناصورًا متواطئًا مع الكولسترول، وما شرب على روحه نبيذًا رديئًا لا يفرّح قلب القصيدة. أو ربّما لأنّ أقلامهم تقبّعت بكوندوماتٍ واقية، فأيّة من أوراقهم الكريمات، عوانس وعذراوات، لم تحبل بأجنّة أحلام يطيب لها الخروج إلى النّور الطّلق.

     ومع ذلك، لا فرق بين مبدع ومبدع، إلاّ بما سيمكث في أرضنا (وأرض الجيران) ممّا يبدع. وجفاء الزّمن كفيل بالزّبد. ولكنّ، كيف تستطيع القصيدة (مثلاً وتمثيلاً)، ولو كانت رائعة مابعدبعدحداثيّة، الصّمود أمام فيديوكليبّات اهتزازيّة وتوكشوويّات فراغيّة؟! أمام مسابقات تافهات وجوائز باذخات، يسيل لها لعاب فقراء وفقيرات؟! أمام تسونامي مدبلجات حاسرات عن فواكه أحلام ممنوعة في فيافي أورام مقموعة.

     القصيدة، كالمرأة، تكون مثيرة أو لا تكون! فاستدراجًا لقارئ أدمنت عيناه مَضْغَ علكة تنتجها شاشات ليس في كريستالها رحمة، ودَفْعًا (لا منعًا) لالتقاء ساكنَـيْن مسكونَـيْن بوجع السّؤال، واتّقاء لاحتمالات الهبوط على سلَّم "ريتنغ" مفرط الهيبرأكتيفية، تلزمنا أعمال أوثنتيّة، لا تهاب شيئـًا ولا تغيِّب أشياء. تحرث أقاليم الأحلام حراثة تقنع السّماء بضرورة المطر. تعيث في الحقول المحرّمة عمليّات استشهاديّة حارقة للمألوف وخارقة لكلّ السّقوف، لا طمعًا بجائزة من البحر أو جنّة في السّماء. وألاّ يغيبنّ عن بالها هاجس أخلاقيّ، حبّذا كان قطبة مخفيّة، ترفّعًا عن تسطيح هنا أو استغباء هناك. ثمّة، في بعض مكتوباتنا، لا الشّبابيّة فحسب، غباء يقبّ له شَعر الرّأس. فنرى إلى النّاس يبتعدون عن الأدب، لا لنفاد حبر أو كساد ورق، بل لبشاعة أصوات المتأدّبين.

     أيّتها الموهبة النّاشئة، بعيدًا عن أيّ خبث أو غشاشة، تحملّيني واعظًا من وزن الرّيشة أو الفراشة:

     شُقِّي الطّريقَ، حبحبةً، إلى حيثُ الحُلُم! جِدي مساحةً من وقتٍ حَرام، بينَ سطور موتٍ حلال، حزِّزي عليها هامشًا من حرّيـّة، يزنـِّرُ الكرةَ الأرضيّة! خُذي شهيقًا عميقًا على ريقِ رئتَيْنِ نظيفتَيْن، وحبّةً من فرحِ الحياةِ مباشرةً على الهواء، وملعقةً من عصيرِ الشّمسِ قبلَ النـّوم! تسكَّعي في زقاقاتِ الرُّوح، جيئةً وذهابًا، إلى أن تدركي ينابيع الصّباح! واطفَقي إلى الشّمسِ نحلةً معطاء! تخيّري رحيقًا نقيًّا تقيًّا ينتج عسلاً بهيًّا شهيًّا! أعتذرُ عمَّا ينبعثُ، من وصفتي هذه، من رائحةٍ وعظـيّة! لكِ أن تُقْبـِلي على فيتاميناتِها التّقليديّة، ولكِ أن تشيِّعيها إلى مقبرةٍ للنّـفاياتِ الأدبيّة!

     أمّا إذا قبلتِ وأقبلتِ،

     فاخلعي ملابسك كاملة. لا تخافي، لن يكون أحد هناك. خذي حمّامًا فاترًا. لا بأس في أن تغمضي عينيك، اتّقاءً للصّابون. لا تمكثي طويلاً تحت الماء، ثمّة نار تنتظر. نشّفي كل المناطق. إلبسي ما قلّ ودلّ. تعطّري قليلاً. دعي الاكسسوار جانبًا. لست ذاهبة إلى زفاف. لن يكون هناك من تحبّين أن يمتن غيرة من فستانك الجديد. إجلسي حيثما ترتاحين. إفلشي ورقة بيضاء غير مسطّرة. أزيحي الشّرشف عن الطّاولة، فهذا لا يسعف في ارتكاب الجريمة. إسحبي القلم كمن يسحب مسدّسًا كاتمًا للصّمت. إرفعي الطّبّة عن رأسه إذا كان يعتمر طبّة. أو أطقسيه إذا كان من ذوات الطّقس البارد. أنظري عبر نافذة لا تطلّ إلاّ على الحلم. أطلقي النّار دونما تصويب، هكذا إلى لامكان. أشطبي الرّصاصة. أطلقي من جديد. وبعد أن تسرّحي شَعر القصيدة، أنزليها إلى الشّارع. سترين إلى مارّة يتحرّشون بها، لا سيّما إذا كانت تكشف عن بعض تضاريس. جيّد أنّك جعلتها تنتعل كعبًا عاليًا يعرف من أين تمعس أعقاب المجاملات غير السّلسة وعديمة النيكوتين الواشي بشيء من الصّدق.

     وأخيرًا:

     مِن شروطِ القصيدَهْ

     منذُ "دارةِ جلجلَ" في جنّة الجاهليَّهْ

     بعدَ أنْ تستحمَّ بنارٍ جديدَهْ

     أنْ تبدِّلَ كلَّ صباحٍ ملابسَها الدّاخليَّهْ.

     (*) النّصّ الكامل لمداخلة، شاركتُ بأقطوعة منها، على هامش تكريم للشّعراء الشّباب (سامي مهنا، منى ضاهر، نمر سعدي، خير فودي، مروان مخول)، أقامته (الأسوار) لمؤسّسها الكاتب يعقوب حجازي، بدعم من جمعيّة (تعاون)، في 13 تمّوز (يوليو) 2007، على متن (أميرة) عاثت جمالاً في بحر عكّا، أدارتها الشّاعرة أسماء عزايزة والفنّانة رشا حلوة. وكان الفنّان خضر شاما رافق القراءات الشّعريّة على العود.

منتديات ورقستان