صارت الرقابة على الفكر والإبداع منذ أمد بعيد، دليلاً على تخلّف أنظمة الحكم وسوء العلاقة بين الحكومة والمثقفين، كما أنها دليل قديم على ضعف الديمقراطية أو غيابها في بلداننا العربية.
هذه المشكلة تشغل المبدعين والمفكرين والباحثين وتقلقهم، وقد برز ذلك في الملف الذي فتحته جريدة (الأسبوع الأدبي) ونشرت منه حلقتين حتى الآن، وقد يكون هناك حلقة أخرى أو أكثر. لكن ما نشر كان كافياً لتأكيد رغبة الكتّاب في أن تطوى صفحة الرقابة طياً كاملاً، وأن تريح الجهات التي تقوم بها نفسَها والكتّابَ من هذا العبء الثقيل.
ولعلّ القائمين على الرقابة يدركون أن العالم ـ معظمه ـ قد تجاوز هذه المسألة من زمن بعيد، وأن ضمير الكاتب ووعيه كافيان بوصفهما رقيبين داخليين يميزان النافع من الضار، على ما في هذا الأمر من نسبية، فكثيراً ما يجد هذا الشخص فكرة ما ضارة، ويجدها آخر نافعة. وليس المراقبون أو الكاتب أو المفكر أو القارئ، أو المسؤولون عن الجهات الرقابية، إلا كالبشر الآخرين تتفاوت وجهات نظرهم كثيراً أو قليلاً، وقد يمنع رقيب معيّن نشر كتاب، ربما سمح بنشره رقيب آخر لو كلّف البتّ بأمره.
الرقابة على الفكر والإبداع هي سمة من سمات الأنظمة الشمولية، التي تستصغر شأن الديمقراطية ولا تقرّ بحق الإنسان في طرح أفكاره والتعبير عن آرائه بحرية، وإن تكن مخالفة لرأي الحكومة والمسؤولين. وقد بينت تجارب العقود الأخيرة أن الأنظمة الشمولية ليست صالحة للحياة لأنها تقوم على أحادية الرأي والموقف، وتنفي التنوع والتعدد، وتلغي المعارضة الفكرية والسياسية. ووجود الرقابة على الكتاب قبل إصداره وتوزيعه هو أسلوب قمعي إلغائي، يتضمن عدة دلالات، أهمها:
1. إنه يعني عدم الثقة بالمفكّرين والكتاب والمبدعين، فهم (برأي الرقيب) مهيّؤون لارتكاب الأخطاء واتخاذ المواقف الضارة، ولا يستطيعون التمييز بين ما يفيد وما يؤذي. وقد لا يكونون على درجة عالية من الإخلاص للوطن فيمرّرون في كتاباتهم ما ينافي مصالحه ويخدم أعداءه.
2. وهو يعني احتكار الحقيقة. فالحكومة وحدها تعرف الصواب والخطأ، وسياستها هي الوحيدة الصائبة. لذلك تجعل نفسها مقياساً لسلامة ما يكتبه المفكّرون والمبدعون، وتكلّف هيئات الرقابة بضبط كل ما يسمح بنشره على إيقاع سياسة الحكومة ومواقفها ورؤاها.
3. وهو يعني خوف الحكومة وأنظمة الحكم في دول الرقابة المسبقة، من الرأي الآخر المختلف، لذلك لا تسمح بنشره، بل تدفنه في مهده، خوفاً من انتشاره وتنامي تأثيره.
4. وهو يعني الاستعداد لمواجهة الرأي المخالف بالزجر والمنع لا بالرأي والحوار.
5. وهو ـ فوق ذلك كله ـ يعبر عن تخلف الجهات الرقابية عن ركب التطور، وتمسكها بالقديم الرث، فكل شخص يعرف اليوم أن الرقابة غدت بلا فاعلية، لأن ما تمنع نشره هنا، قد ينشر غداً في مكان آخر، ولا يكلف وصوله إلى مكان منعه أكثر من ساعات، وقد تصور منه آلاف النسخ، وقد يزداد الإقبال عليه، لأن كل محجوب مرغوب كما يقولون.
يستطيع القارئ في أيامنا أن يحصل على أي كتاب منع في بلاده وطبع خارجها ببساطة، ويستطيع كل كاتب أن ينشر ما منعته الرقابة في أي موقع من المواقع الإلكترونية، فيقرؤه الألوف، وقد يطبع ويصوّر ويروّج، دون علم الجهات الرقابية، أو دون أن تستطيع فعل شيء.
إن الرقابة هي من مخلّفات أساليب التحكم القديمة، وهي مناقضة لأي سعي تحديثي، كما أنها مناقضة للديمقراطية التي يزداد تعلّق الناس بها، وترديد مفرداتها على ألسنة الحكومات والمسؤولين.
قد يقول المدافعون عن بقاء الرقابة: إننا نخشى من أن ينشر ما يثير الحساسيات والفتن، أو ما يناقض القيم الأخلاقية العامة. ونقول لهم: هذه خشية في غير مكانها، فثمة قوانين تحاسب من يفعل ذلك، وثمة قضاء يبتّ بأمره إذا حدث. هذا أولاً، أما ثانياً، فإن كل ما تخشون نشره يمكن أن ينشر ـ كما ذكرنا ـ دون علمكم.
أما الحجة الأخرى التي يقدمها دعاة استمرارية الرقابة، فهي ضرورة المحافظة على مستوى فني ومعرفي جيد لما يُنشر.
لكن هذه الحجة تتهافت حين نعرف أن الرقيب لا يتحلّى بمثل هذا المستوى في كثير من الأحيان، وحين ننظر إلى الكتب التي تطبع وتنشر نجد بينها الكثير من الغث والضعيف.
فليترك للكتّاب حرية نشر ما يكتبون، والقارئ سيختار ما يراه مفيداً وجميلاً، أما الزبد فيذهب جفاء.
فليترك لضمير الكاتب أن يكون رقيباً عليه، وهذا يكفي، لأن مفكّري الأمة ومبدعيها هم ضميرها ووجدانها، ولا يجوز لجهة حاكمة أو مسؤولة أن تضع نفسها حكماً فكرياً أو سياسياً أو ثقافياً، فحقوق الناس في هذه الميادين ينبغي أن تكون متساوية، والحوار بين الآراء والأفكار سواء أكان حاملوها حاكمين أم محكومين، هو الطريق المأمون للوصول إلى ما هو أفضل.
أما ما يثير الفتن أو يزعزع المجتمع ويمزّق الوحدة الوطنية، فليترك أمره للقضاء المحايد النزيه. ولعل المجتمع يكون أكثر قوة ونهوضاً حين يراعي الحاكمون والسياسيون حقوق الناس، ولا سيما حق التعبير عن الرأي.