مِن حياة الأثرياء

 

طرت إلى باريس بدعوةٍ من دار النشر. جلستْ إلى جواري مترجمتي ناستيا. ينادونها بالفرنسية أنستِسي. كانت روسية متزوجةً من فرنسي، تعيش حالياً في باريس وتشتاق إلى أهلها وصديقاتها في موسكو.
تجمَّع في موسكو الكثير من الأدباء الروس في السنوات الأخيرة بعد أن فتحت (البيريسترويكا) أمامهم طريقاً واسعة.
كانت ناستيا تأتي إلى موسكو باحثة بين أدبائها عن أفضلهم، كما لو كانت تبحث في صندوق بضاعةٍ. تلك هي الحقيقة. ولأن أغلب الأدباء من الرجال ومترجمتي امرأة في السابعة والثلاثين من عمرها، أي في فترة العاصفة الهرمونية، كان اختيارها يقع على المغامرين المرحين من الأدباء. كانت ناستيا تنهال عليَّ بالأسئلة كمحقق:
- هل إيفانوف متزوج؟ .. وسيدوروف! هل هو متزوج أيضاً؟ ..
وكان جوابي بالطبع:
- أجل إيفانوف متزوج وسيدروف أيضاً .. كل كتاب موسكو كانو، لسبب ما، متزوجين.
كانت أنستِسي المتزوجةً تبحث بوعيها الباطن عن الحب الدائم وعن الطموح. تحب المرأة الطموح وإن لم تكن بحاجةٍ إليه.
كانت أنستِسي جذَّابة بفضل شعرِها الكستنائي ووجهها الذي يفيض بالحيوية والحضور وعينيها المفتوحتين إلى أقصى اتساع الجفنين، وخصرها النحيل وصدرها المشرئب تحت ما ارتدته من ثيابٍ فاخرة منتقاة بعناية وذوق، رغم ما ظهر عليها من بقع مختلفة وفقدان بعض أزرارها. وربما لأنها طبعت سحرها بشيء من الفوضى والإهمال جُنَّ الرجال إعجاباً بها وانصاعوا لها، ولبُّوا رغباتها، فكان أن تحوَّل هذا الإعجاب والتجاوب إلى عنصر رئيسٍ من مقومات عملها. لقد ضمنت ناستيا بسهولة وبقليل من الكلفة علاقتها الإيجابية مع الكتاب الروس، وبدرورهم كانوا راضين مسرورين.
أقلعت الطائرة. رأيت كيف رسم الرجل الجالس أمامي بكفِّه إشارة الصليب على وجهه، ثم رفع يمناه أماماً وعالياً ووشم الطائرة بالصليب أيضاً. لا أعرف لماذا صرت حزينة، فالطائرة دوماً هي الحدود بين الحياة والموت. ألا يزيد من الحزن مقتلُ عدد من النَّاس معاً في وقت واحد عمَّا يحدثه موت فرد واحد؟ أم أن الحزن في الحالتين حزنٌ لا يقاس؟
- أنا أحب زوجي
عبثاً حاولت ناستيا إخفاء دلائل قلقها المفاجئ وهي تلصق ظهرها بمقعد الطائرة التي ارتفعت بركابها متجهة إلى باريس. في ذات الوقت، من مكان ما في سماء غرينلاند شب إعصارٌ أعطي له في ما بعد اسم "أوسكار"، متحرِّكاً باتجاه باريس أيضاً. الطائرة والإعصار يتجهان نحو فرنسا من طرفين مختلفين من العالم.
- أحبه بشغف
أضافت بصوت متهدِّج فنظرت إليها وقلت بلهجة فيها شيء من الاستغراب:
- إذنْ لماذا تسافرين كثيراً بعيداً عن المنزل؟
- لديه سكرتيرة اسمها بوليت .. لكن لا تقولي لأحد
- وكيف علمت بذلك؟
- إنهما يقضيان معاً في العمل ثماني ساعاتٍ يومياً
- وما ذا في الأمر؟ هذا هو عمله
- عندما يقضي الناس كلّ الوقت معاً يصبحون واحداً. إنه يأتي إلى البيت لينام فقط
- وهذا يكفي .. فليطر حيث يشاء طالما أنه سيحط في مطاره أخيراً
- لا أريد أن أكون مطاراً، بل سماء. أريده أن يطير داخلي لا أن يحط فحسب
- كم سنة مضت على زواجكما؟
- عشرون عاماً. إنه رجلي الأول، وأنا امرأته الأولى. ر بما يرغب في تجربة جنسية جديدة.
جاءت الجملة الأخيرة كتفسير لكل شيء وفهمت أن ناستيا تفكر بالفرنسية عندما تضطرب. لم أتوقع أن أجد عند أنستِسي جراحاً عميقة كهذه. ظننت كل شيء لديها أبسط من ذلك. سألتها:
- أنت تخافين أن يتركك؟
- كلا .. لا أخاف. إنه يحب ابنتنا
- إذن سيبقى معكِ!
- إنما سيفكر بأخرى
- فليفكر بمن يشاء ولكن ليبق في البيت
- إنهم الروس. هكذا يفكرون
- ولكنكِ روسية أيضاً. أنسيتِ ذلك؟
- إنه التمسك باللا شيء .. لكنه التمسك. والموت أفضل من حياة كهذه
- كلا .. أن نعيش هكذا أفضل من أن نموت

أجبتها وصمتُّ فذهبت بي الذاكرة إلى طفولتي إذ تربيت طيلة حياتي على تقدير أهمية الأسرة، فهي أغلى ما عند الإنسان، ويجب الحفاظ عليها بأي ثمن، حتى ولو بالتنازل. تذهب الأزمات وتبقى الأسرة.
يبدو أن أنستِسي اعتادت أن تعتبر نفسها الأفضل دوماً. ولا يمكنها أن تتصور زوجها وقد افتتنته امرأة أخرى .. فهذا يعني لها الموت في الحياة. كانت تنتفض فعلاً وقولاً إلا أن كل هذا لم يأتها بنتيجة.
- أحبه بشغف
عادت أنستِسي للتأكيد ثانية بعد برهة الصمت .. لحظات وتبدأ المفاجأة .. لقد التقت الطائرة بالإعصار (أوسكار) الذي احتضن الطائرة وكأنه أراد عصْرَها فارتجفت كسمكة ألقي بها خارج الماء.
انطفأت الأنوار. صرخ أحد ما .. تململتِ المترجمة في مكانها وأخذت تبحث في حقيبتها ثم سألتني:
- هل معكِ قلم؟
- ومالكِ به؟
- سأكتب لزوجي رسالة وداع كي لا يتزوج (بوليت) أبداً
- هي الأنانية بعينها
قلت متضايقة وشعرت بأن كبدي صعد إلى حلقي. فقدتْ الطائرة بعضاً من ارتفاعها فجأة.
أردت أن أسألها: ومن سيوصل رسالتك لزوجك إن تحطمت الطائرة. لكنني تذكرت أن الورقة غير قابلة للكسر، وقد توجد بين حطام الطائرة وقطع الأجساد.
صلّى اليابانيون بصمت .. أغلقت عينيَّ وصلَّيت أيضاً. لا أعرف أيَّة صلاة .. ببساطة طلبت من الله بطريقة إنسانية: "أيها اللطيف، من فضلك"، تماماً كما كانت تطلب مني ابنتي الصغيرة ألا آخذها إلى الحضانة كل يوم، واضعة كفيها أمام صدرها كمن يصلي.
صمَتَ اليابانيون، وعيونهم مغلقة وصرخ الأوروبيون الذين راحت عيونهم تراقب طاقم القيادة في قمرتهم عبر بابها المفتوح، عندما انتقل الكابتن بالطائرة فجأة إلى ممرٍّ هوائيٍّ آخر متخلِّصاً من أحضان أوسكار ومخرجاً إيَّاها من الإعصار بسلام ثم جفف عَرََقه وجرع كأساً ربما كان نوعاً من الكونياك.
وإذ هدأت الطائرة المرتجفة صفَّق اليابانيون للطيار الذي سمع التصفيق في قمرته ولم يستطع القيام على رجليه اللتين أصيبتا بما يشبه الشلل من شدة الخوف.
فوق المدينة التي كنا نعبر أجواءها استطعنا أن نرى دوران الإعصار مقتلعاً أسطح المنازل وبعض الأشجار من الأرض. لم تستطع الطائرة الاقتراب من مبنى المطار، نزلنا بواسطة المزلق الذي يستخدم في حالات الطوارىء إلى أرض المطار. كان على الأرض نسقٌ من رجال الإنقاذ بصدَّاراتهم الصفراء وخوّذهم ما لبثوا أن بدأوا بمساعدتنا على الانتقال عبرهم وصولاً إلى المكان الآمن. كان (أوسكار) يحاول كْنس الناس عن أرض المطار ولكن المنقذين كانوا يقفون بتراصٍّ على كل متر من أرض المطار. ألقى بي أحدهم إلى ذراعي آخر نقلني إلى ثالث كالكرة الطائرة وهكذا حتى وصلت بناء المطار.
في النهاية حُشرت في بناء المطار. لقد عبرتُ الأزمة ..
ضحكت، ولكن الدُّموع سالت من عينيَّ. مَن يحب أن يقذف كالكرة؟
اقترب أحد المنقذين وسألني:
- هل أنت متضايقة؟ أراك شاحبة
- كلا .. بل أنا بخير
أجبته واتجهت مع الركاب لاستلام أمتعتنا. أخذتْ أنستِسي حقيبتَها عن سوار الأمتعة المتحرك، كانت حقيبة كبيرة ذات دواليب. انتظرنا حقيبتي ولكن عبثاً.
وقفنا وانتظرنا. وللمرة الثالثة يدور السوار المتحرك فارغاً. لقد أصبحت حقيبتي أثراً بعد عين.
- قفي هنا
أمرتني ناستيا وهي ذاهبة للاستفهام ولم تعد إلا بعد نصف ساعة وبدأت بشرح ما توصَّلت إليه قبل أن تصل إليَّ تماماً مفيدة بأنه أجهزة الكومبيوتر تعطلت بسبب الإعصار وبأنَّ حقيبتي، على ما يبدو، سافرت إلى كندا.
- وما العمل؟
اضطربت، لقد كان في حقيبتي أفضل ما عندي. بل كلُّ ما أملك.
- قولي شكراً، إذ أن ما ضاع هو الحقيبة فقط
ماذا في وسعي غير قبول نصيحة ناستيا. أجبت باقتضاب:
- شكراً
غادرنا المكان. عند كاونتر المفقودات بدأت بملء استمارة خاصة تبيِّنُ مواصفات الحقيبة: لونها، حجمها، شكلها. كانت للموظفة الفرنسية التي تهتم بأمرنا وجه طويل متعَب وكانت بكليتها تشبه الحصان. مرَّة أخرى اجتاحني غثيان. يبدو أن جوفي لم يتخلص نهائياً من آثار الهزَّة رغم أنني حاولت نسيانها.
مرَّت الأمور، وأمامنا الآن أربعة أيام في باريس. لقاءٌ في التلفزيون وآخر مع صحفيين، تجوالٌ في باريس مع أنستِسي التي ستقوم بالدعاية اللازمة. أمامنا "نوتردام"، "برج إيفل" وجبة من شوربة البصل وزيارة "غاليري لا فاييت".
لقد عرفتُ فرنسا من الأفلام الفرنسية، من أغاني إيف مونتان، شارل أزنافور وطلعة كاترين دونيف الصدفية .. والآن هُيِّئ لي أن أقارن ما توقعته بما هو موجود حقاً.
تذكرتُ فجأة وقلتُ لناستيا:
- وأين سأعيش؟
- لدى موريسكا
- هل هو فندق؟
- بل هو اسم علم. موريسكا هو صديقي
لم يرق لي الأمر فسألت ببرودة:
- أليس من المفترض تأمين حجزٍ فندقيٍّ لي؟
لم تشعر ناستيا بأيِّ حرج على ما يبدو إذ قالت شارحةً الأمر:
- ذلك واجب .. إلا أن دار النشر تحاول الآن الاقتصاد
فهمت. كان من المفترض الإتفاق حول هذا الموضوع في موسكو. يتم الإتفاق على الشاطئ* أما الآن فقد انتهت القضية .. فأنا في باريس ولن أعود لسبب كهذا .. يبدو أنهم اعتمدوا على هذه الحقيقة. سأنام عند موريسكا هذا .. وعلى الكنبة!!. سألْت:
- وكم لموريسكا من العمر؟
- ستون عاماً
قالت ناستيا بتردُّدٍ ثم صحَّحتْ:
- ثلاثة وستون
لماذا يستقبل رجلٌ معمِّرٌ في بيته امرأةً غريبة؟ سألتُ وكأنني متأكدة:
- أهو عشيقك؟
لم تجب أنستِسي على سؤالي .. كان وجهها يشير إلى حالة من القلق. قالتْ:
- لقد تأخرتِ الطائرة ساعتين .. أخشى أن يكون قد غادر
لا وجود لموريسكا. لا فندق .. لا حقيبة! إنها باريس ..
عبرنا قاعة الجمارك ودخلنا قاعة الانتظار
كانت ناستيا تهز رأسها كعصفور. كان وجهها متشنِّجاً من التفكير بالمشاكل القادمة. كيف ستتدبر أمري؟ هل ستُسْكنني في الفندق؟ ثلاثمائة فرنك في الليلة الواحدة! أم أنها ستأخذني معها إلى بيتها .. إلى قلب الأسرة، حيث سأتحول من صديقة إلى عبء ثقيل!
- هو ذا ..
صرختْ ناستيا فجأة كمن يستغيثٌ بمنقذٍ وهو مساقٌ إلى الإعدام
- موريس .. موريس
ركضتْ باتجاه اليمين.
كان موريس طويل القامة يرتدي معطفاً طويلاً وقبعة صغيرة. توقف مستقبلاً .. تعانقا كعشيقين، أو كبطلي عشقٍ قديمين. لهذا بالطبع وافق موريس أن يستقبلني أربعة أيام، لقد فهم الموقف. لم أتفحَّصْه، لكنني رأيت كل شيء بسرعة. أفضل ما لديه طوله وثيابه، وكل ما تبقى لا يستحق شيئاً: عينان مدوَّرتان جامدتان. أنف ثقيلٌ وذقن أعوج. جلد فارغ تحت الذقن يجعله شبيهاً بديك الحبش. ديك مكتمل.
قامت أنستِسي بتعريفٍ كلٍّ منا للآخر. كرَّرتُ إسمي فمدَّ لي يداً ناشفةً كبيرة دافئة لا تشبه يد الدِّيَكة.
وإذ أبلغتْ ناستا موريس بفقْدِ حقيبتي توجَّه فوراً معها للاستفسار دون أيِّ إيحاء على وجهه. كان باستطاعته تجاهل الأمر. لكن حدسه كان متطوراً على ما يبدو. كان يستطيع فهم الآخر بسرعة.
ابتعد الإثنان قليلاً ثم عادا دون تأخُّر فقالت ناستيا:
- لن يجدوا حقيبتك اليوم .. لكنهم سيجدونها قبل رحيلك
فسألتُ بشيء من القلق:
- وماذا سأرتدي أثناء اللقاء التلفزيوني
غطت وجهي مسحة مأساوية. رأى موريس ذلك فسأل ناستيا: ما المشكلة؟
فهمت من إجابة ناستيا أن الحديث يدور عن فستان لي. وهمس موريس لناستيا ملوحاً بيديه بحركات فرنسية نموذجية فتوجَّهتْ ناستيا إليَّ قائلة:
- قال إنه سيشتري لك فستاناً من محلات "سونيا ريكيل"
و "سونيا ريكيل" أحد أهم محلات الأزياء في فرنسا. إن جميع نقودي لا تكفي لشراء جيبة واحدة من ذلك الفستان. قلت لناستيا بشيء من المرح:
- لا حاجة لشيء. سأضع على كتفي شالاً روسياً وسأظهر مثل الماتريوشكا*

بفضول طفولي نظر موريس إلى وجهينا وكأنه أبكم. لم يكن يفهم شيئاً يقال باللغة الروسية. في الغرب يتكلمون جميع اللغات إلا الروسية .. فهم لا يعتبرون الروسية لغة يجب تعلمها كاليابانية والسواحلية.
خرجنا من مبنى المطار. كانت أنستِسي تسير بخطىً طويلة حيوية وكأنها تقفز مسرورة إذ سارت الأمور على ما يرام: فالطائرة تخطَّت الإعصار وحطَّت بسلام وموريس التقيناه. سنذهب الآن للقاء في المطعم وسنشرب الكثير من النبيذ المز.
بالرغم من أن أنستِسي تعاني آلامَ غيرة حقيقية إلا أنها تعيش بوضوح وكمال. تسوح وتعمل بمهنة النشر والترجمة الأدبية، وهي تسطِّر مع موريسكا رواية غرام حقيقية وتستخدم شريكها كما تريد. وفي العمل تسير أمورها على ما يرام بما في ذلك الترجمة. كانت ناستيا موهوبة في كل شيء.
مشيتُ بجوارها كصديقة بشعة. كنت بشكل عام دائمة الرضى عن نفسي، ولم أكن لأريد شكلاً آخر لي. ولكن إلى جانب أنستِسي لا وجود لي. فمظهرها الخارجي، بالإضافة إلى ما وهبتْها إياه الطبيعة، كان من صنع صائغ ماهر، وهذا الصائغ هو حياتها. أما أنا فصائغي موسكو في فترة البيرويسترويكا. تستطيع أنستِسي أن تسمح لنفسها بصداقة كهلٍ شكله كديك الحبش، وشاب جميل، وصديقة شاذة لأنها مالكة نفسها. هي إنسانٌ حر. أما أنا فحبلى بأخلاق سوفكوفية* من مثال: "لا تعط قبلة دون حب" أو "القبلة دون حب هي الرذيلة". ولكن هناك غير الحب. هناك النزوة، الرغبة، الميل. إنها ما يملأ فراغ حياتنا وينير ظلامها كالألعاب النارية التي تنير السماء الداكنة ليلاً. وهذه السخافات، كالنزوة والرغبة، لم تدخل معجم أخلاقنا الشيوعية. وبرغم انهيار الآيديولوجيا السابقة إلا أن الأفكار السوفكوفية انغرستْ حتى العظم كما الغبار في رئتي عامل منجم.
كنت أسير بجانب أنستِسي مدركة ما يحدث حولي. هنا تكمن قوتي. أستطيع أن أقدِّر الوضع وأقدِّر مكاني في هذا الوضع .. بهذا أضمن ألا أظهر مرة بحالة مضحكة.
قادنا موريس إلى سيارة طويلة زرقاء من نوع "جاكوار".
- هل هذه سيارته؟
سألتُ باستغراب فأجابت ناستيا بشيء من التفاخر:
- لديه ثلاث سيارات
- وهل هو غني؟
تابعتُ مبديةً بعض الشكِّ فأضافتْ ناستيا:
- مليونير .. إنه يدخل في مجموعة "العشرة الأغنى" في فرنسا
دخلنا السيارة. جلستُ بجانب موريس وجلستْ أنستِسي خلفي في المكان الأكثر أماناً في السيارة.
تحركنا، لامستْ الأيدي القوية لموريس مقودَ السيارة. كنت أنظر إليه من الجانب. إذا أخذنا بوشكين بعيداً عن اسمه ما الذي نجده فيه؟.. جسدٌ نحيلٌ قصيرٌ ذو صدر ضيق، وجه صغيرٌ كحبة زيتون وشفتان ليلكيتا اللون .. قردٌ حقيقي. ولكن عندما تتيقن بأن هذا الشخص هو "بوشكين" فإنك لن ترى طوله ولا تقاطيع وجهه، بل ستركع أمام عبقريَّته .. وستحزن لكونه مات قبل أن تولد وتراه. حسنٌ لو عاش هذا الإنسان إلى الأبد. يجب أن تقدم الطبيعة استثناء لهؤلاء الناس.
لا ينطبق مثال بوشكين على موريس تماماً لكني أحسست شيئاً من هذا عندما نظرت إلى عينيه الجامدتين، فعيناه تنمَّان عن ذكاء ثاقب .. تستطيعان رؤية المشكلة من جميع جوانبها. ومن أعماقها بشكل خاص. والجلد الفارغ تحت ذقنه لا يضايق أحداً كان بإمكانه إجراء جراحة تجميلية ولكن لماذا؟ هو رجلٌ لا امرأة. وليس رجلاً وحسب بل إنه مليونير. مالك الحياة.
سحب موريس علبتي شوكولا من تحت مقعد السيارة. قدم واحدة لي وأخرى لناستيا. كنت جائعة فبدأت أقضم الشوكولاه الطيبة .. لاحظتْ أنستِسي انهماكي بالأكل فقالتْ بالروسية:
- يكفي التهام الشوكولاه فنحن ذاهبون إلى العشاء
- ماذا؟
سأل موريس الذي لم يفهم فأجابته ناستيا بالفرنسية:
- لا شيء
فهمتُ أنها لم ترغب بالإساءة إليَّ أمامه، ولم تشأ تحسين صورتها على حسابي.
أغلقتُ العلبة ورفعت نظري إلى السماء .. في تلك اللحظة رأيت كيف يطير في الهواء لوحٌ من التوتياء التي يغطون بها أسطحة المنازل .. كان اللوح يتأرجح باتجاهنا ومقترباً على مستوى عينيَّ. لقد اقتلع "أوسكار" قطعة من سطح أحد المباني القريبة .. لحظات ونلتقي معه في نقطة واحدة!!
اصطدم لوح المعدن في الزجاج الأمامي. صرختُ وغطَّيتُ وجهي بيديّ. دوى ضجيج عند اصطدام المعدن بالزجاج ثم عند انزلاق اللوح فوق سطح مقدمة السيارة.
صرخ موريس "آخ" وأوقف السيارة ثم خرجمنها ونظر. رأى خدشاً بسيطاً على زجاج السيارة . وتجعداً على الرفراف الأيمن .. كان هذا كل شيء. يبدو أن زجاج الجاكوار يتمتع بصلابة المعادن. لو طارت قطعة معدن كهذه إلى زجاج سيارتي المسكوفية لأصبحتُ دون أنفٍ أو عينين. أما هنا فقد قُضيتْ بـ "آخٍ" خفيفة، ليست مني وإنما من موريس.
عاد موريس إلى السيارة وهمس في أذن أنستِسي. فسألتني:
- موريس يسأل: أية المطابخ تفضلين اليابانية، الصينية، الإيطالية أم الفرنسية؟ فكرت. في المطعم الياباني يجب أن أستعمل العيدان للأكل. لن أستطيع ذلك وسأضطر للأكل بيدي لأنهم لا يقدمون فيه الشوكة والسكين. قلتُ وأنا أنظر إلى ناستيا ملقية على عاتقها مسألة الاختيار:
- لا فرق لدي
فقالت ناستيا التي بدى أن لديهما مكاناً محبباً يفضلانه دون سواه:
- كالعادة
جلسنا في مطعم صيني صغير.
خرج صاحب المطعم إلى موريس. رجلٌ طويلٌ لا كالصينيين، ربما جاء حصيلة مزيج من دمين مختلفين صيني وفرنسي دون أن يلغي لون الشعر وشكل العينين الانتساب إلى العِرْق الأصفر. بدآ الحديث بالفرنسية. كنت ألتقط كلمة "بواسون" ما يعني سمكاً. يبدو أن موريس كان يستوضح من صاحب المطعم عن وقت وكيفية اصطياد السمكة .. بصنارة أو بشبكة؟ فمن المعلوم أن الصيد بالصنارة يعذب السمكة طويلاً فتصبح رائحتها كالطمي. أما بالشبكة فلا يحدث هذا، فالسمكة في الشبكة لا تدري شيئاً عن مصيرها وتظن أنها ماتزال سليمة، وستكون رائحتها نهراً وشمساً وسعادة سمكية.
أجرى الصيني الحوار بكل سرور دون أن ينظر إلينا أبداً. لم نكن لنثير اهتمامه فما يهمه إرضاء الزبون الدائم المليونير. سحبت أنستِسي المرآة لتتفحص مكياجها. لمعة شعرها الكستنائي تنمُّ عن صحة جيدة، وفستانها يعرِّي عميقاً صدرها مظهراً طريقاً نازلاً بين ثدييها، أما شفتاها فمشتعلتان كما لو فرغتا لتوِّهما من تقبيل طويل. كانت تنظر إلى الأمام بعينين جامدتين جاحظتين قليلاً.
كان موريس يضبط نفسه بهدوء. يداه الجميلتان تستلقيان على غطاء الطاولة الأبيض. أصابعه قوية ومستقيمة على مجمل مسارها. لن يستطيع أحد تخمين أفكاري التي راحت ترافق نظراتي وهي تتسلل تحت ملابس الرجل.
يظهر نادل قصير نحيل كالسهم، تتحرك يداه برسم جميل فوق الطاولة، دون أية حركة زائدة. كم من النقود يترك له موريس "بخشيشاً" .. يقال أن أبخل الناس أغناهم. لو كنتُ مليونيرة لقمت بأعمال جليلة لأن العطاء أكثر إثماراً من الأخذ. ولكن من أين لي أن أكون مليونيرة؟ فأنتَ لا تجمع من العمل الشريف ملايين. سألتُ ناستيا:
- ما هي مهنته؟
- المعادن الثقيلة
أجابت ناستيا دون أن تخفي استعدادها للإجابة على أسئلة أخرى فسألتُ:
- وما يفعل بها؟
- من يعلم؟ على كل حال إنه لا يحملها
كانت ناستيا، ولسبب أجهله، متحفزة غالباً بسبب جفاء موريس وعدم اكتراثه بنزواتها. أحضر النادل طبقاً كبيراً وُضعت فيه بطَّة بقوامها وزينتها وآخر من السلطة المتنوعة المكونات والمقطعة باليد لا بالسكين. وبدت البطة التي غطِّست بمرَق حلو على الطريقة الصينية و:أنها اكتست جلداً جديداً بدل جلدها الأصلي الذي انتزع مع الكتل الدهنية .. أمامنا الآن جسد بطة شهيُّ.
أخذتُ قطعة وأغمضتُ عينيَّ. ياللسعادة! جميل أن تأكل وأنت جائع.
ولأنني كنت راغبة في متابعة الحوار عدت إلى السؤال:
- ما درجة التحصيل العلمي لموريس؟
- إنه عصاميٌّ من عائلة فقيرة جداً لم تستطع تأمين تعليمه
نظرت ثانية إلى موريس. يدان ثقيلتان رجوليتان، وعينان رجوليتان أيضاً. وليكنْ فرنسياً .. إنه رجل. رجل صنع نفسه.
جلستُ بقربه وشعرتُ بالاستقرار وكأنني أتمسك بشيء ثابت قوي كما تتمسك بسور درج شديد الانحدار وأنت تنزله.
عادة أنزل وأصعد دونما سور. وهذه صفة حياتي. أصعد بلا سور وأنزل بلا سور.
ما الذي أتمسك به. هذه طاولتي التي أكتب عليها. وآلة الكتابة القديمة الأثرية تقريباً كومة من المخطوطات ونقطة تغني في أعماقي. نحن الثلاثة. أنا والنقطة المغنية والآلة الكاتبة. طرنا معاً إلى باريس. وها نحن نجلس في المطعم مع مليونير من العشرة الأوائل.
جلب النادل السمكة وبدأ يقسِّمها أمام عيوننا. انتزع عظامها. كان يعمل كمن يقدم فقرة استعراضية تليق بأن تقدَّم في السيرك أو في السهرات الاحتفالية.
كان موريس يعيش في منزل خاص به ضمن مجموعة من ستة منازل في شارع خاص به أيضاً. أنا شخصياً أملك منزلاً خاصاً خارج المدينة. صحيح أنه ليس كبيت موريس ولكنه منزل على كل حال. أما أن يكون لشخص شارع خاص؟ لم أر هذا في أي مكان. بل لم أتصور كيف يكون ذلك. اقترب موريس من الحاجز الذي يغلق الشارع وفتحه بمفتاح صغير كمفتاح السيارة. كان الحاجز خفيفاً، نظيفاً مضلعاً كاللعبة.
ارتفع الحاجز بسهولة ودخلت الجاكوار. خرج موريس وأغلق الحاجز خلفه كأنه بوابة صغيرة.
اقتربنا من البيت. كان مكوناً من ثلاث طبقات. في الأسفل مطبخ وغرفة طعام وصالة حجرية. لا أبواب ولا جدران بل انفتاح على فراغ واحد. كان الطابق الثاني للنوم والثالث للاستقبال. قالتْ ناستيا وقد راقبتْ نظراتي إاى أرجاء البيت:
- لقد استدعى مصمماً خاصاً ليصمم له المنزل لقاء مئة ألف دولار
- وهل عنده زوجة؟
سألتها فأجابتْ:
- مادلينكا .. هي في البيت الريفي
- أهي شابة؟
- خمسينية
- جميلة؟
- تشبه الجورجيات
الجورجيات متنوعات. منهن الجميلات الأنيقات ومنهن المهرِّجات ذوات الأنوف الكبيرة.
على طاولة أثرية صغيرة رأيت صورة فوتوغرافية. بإطار معدني ثقيل ذي بريق. إنه موريس الشاب. وامرأة شابة معه. ينظر أحدهما للآخر بعيون ثاقبة. سألتُ:
- أهذه هي؟
- هي
أكَّدت ناستيا بعصبية خفيفة فعدت بنظري إلى الصورة أتفحص وجه مادلين المضاء بالمشاعر. كان وجهاً ملهماً يشير إلى منشأ في بحبوحة عائلية. كان بالإمكان الإحساس بالتربية والتعلم الجيدين.
كان الشاب موريس يشبه ديك الحبش الشاب. وما به؟ والطاووس يشبه ديك الحبش أيضاً. وأنا أشبه الكلب. عدت للسؤال:
- هل لديهما أطفال؟
- ولد واحد، عمره أربعون عاماً
- وكيف ذلك. عمرها خمسون وعمر ابنها أربعون؟ لا أفهم ذلك
- الولد من زواج موريس الأول .. إنه مزّين مشهور للنساء. يضع المكياج على وجوه النجوم السينمائية وعارضات الأزياء
- أهو غني أيضاً؟
- غني وجميل. إنه شاذ
_ شيء طبيعي
لاحظت خلال حياتي أن جميع العارضين والناقدين السينمائيين شاذون أما النساء عارضات الأزياء مسطحات الصدور وضيقات الوركين كالصبيان، فلهنَّ جمال شاذ. الصدور الكبيرة والمؤخرات العريضة تعجب الشعب البسيط وكلما انحدرت الثقافة كبرت المؤخرات.
اقترح موريس أن أتفرَّج على غرفة الضيوف. صعدنا إلى الطابق الثالث. تتكون غرفة الضيوف من تخت عريض وقرب الباب مباشرة غرفة استحمام من الزجاج الشفاف. قرب النافذة طاولة كتابة. وأبعد قليلاً دراجة ثابتة. إنها غرفة نوم ومكتب وغرفة رياضة في آن واحد.
هذا يعني أنه بعد الاستيقاظ ورياضة الصباح. تأخذ دوشاً وتجلس إلى مكتبك للعمل. وخلف النافذة فرع من شجرة الكستناء تهزه الريح. إنه يتنفس.
هذا كل ما يحتاجه الإنسان حقاً. رياضة، عمل ووحدة .. ياللروعة!
إنها الحادية عشرة مساءً. أي الواحدة ليلاً في موسكو. تمنَّى لي موريس ليلة سعيدة وغادر.
أخذت حماماً واستلقيت في الفراش وصلتني أصوات تلاسن حاد. كان موريس وناستيا يناقشان علاقتهما دونما خجل من وجود شخص ثالث. إنهالت الكلمات كحبَّات البَرَد على السطح.
كان موريس يتكلم ضابطاً نفسه. التقطت عبارة أنت لا تريدين المغامرة.
يبدو أن موريس قد سبق وأقنع ناستيا بترك زوجها وبذا تكون قد قبلت المغامرة. لكنها لم تشأ الآن أن تتركه دونما اتفاق واضح. لو أن موريس لم يعرض عليها مغامرة بل يداً وقلباً لكان الأمر مختلفاً، ولكن لدى موريسكا مادلين، ولدى ناستيا زوجها. إن الابتعاد عن الشاطئ الذي اعتادت عليه أمرٌ مرعب. ربما غرقت. كانت ناستيا تدافع عن نفسها وتهاجم في نفس الوقت.
من المؤكد أنها كانت تعجب موريس، وإلا فلماذا أخذني إلى بيته، وفي غرفة ضيوفه. لقد كنتُ جزءاً من علاقتهما، من عملية حب، والآن ربما سيذهبان إلى السرير .. يتخاصمان قليلاً ثم يتصالحان ويملآن الغرفة بالحياة. سيشعر أنه شاب وهذا كل ما يحتاجه المليونير. إنه قبل كل شيء يريد ألا تميل شمسه نحو الغروب، فلتثبت مكانها على الحدود بين الشباب والكهولة ولو قليلاً. إن هذا أهم من النقود ولكن لا أعتقد ذلك فكل شيء مهم.
كنت أفاخر بحصانتي النسائية معتبرة إياها ميزة كبيرة. أما الآن فقد فهمت. لا أحد يعرض نفسه عليَّ، كما في النكتة عن "جو" الذي لا يُلتقط. هه .. إنه لا يُلتقط، إذ لا أحد يريد التقاطه. فضيلتي لا يحتاجها أحد، كقطعة جبن طيرتها الرياح. ومخطوطاتي على طاولتي ليست سوى كومة من النفايات.
ها أنذا في باريس مع نقطتي المغنية في أعماقي. مستلقية وحيدة كاليتيمة "خاسيا". الإستلقاء في وحدة لا يليق بالناس .. يذكِّر بالوحدة في القبر. أما في الحياة فيجب الاستلقاء معاً لنتألم من النعومة ونغفو على كتف رجولي صلب.
في الصباح صعد موريس إلى غرفتي حاملاً على صينية قهوةً وكعكة. يبدو أنهم يشربون القهوة في الفراش، وبعدها ينظفون أسنانهم. موريس بذاته وبيده جلب لي القهوة إلى السرير. لعله تصافى مع مترجمتي. تصالحا، اهتمت ناستيا بالأمر وأنا جنيت الثمار. وضع موريس الصينية على السرير.
- لا .. لا
قلت محتجَّة فأنا لا أعرف أن آكل في السرير.
ولم يفهم موريس لماذا "لا". رفع الصينية ووضعها على الطاولة. ولاحت على وجهه دلالات حيرة. في تلك اللحظة كان بالإمكان تخيله طفلاً. يتشرد حافياً دون مراقبة من والدته الفلاحة. ويغسل يديه في برميل من ماء المطر.
قال موريس إن لديه أعمالاً حتى الساعة الثانية عشرة. بعدها سنركب السيارة إلى البيت الريفي لعند زوجته. سألته:
- وناستيا؟
وفهمت من جوابه أنها ذهبت إلى البيت.
-متى؟
-البارحة
هذا يعني أنهما لم يتصالحا، وربما تصالحا سريعاً وأوصلها إلى بيتها. أو أنه لم يوصلها. كيف لنا أن نعلم؟ لم تغامر كما طلب منها موريس. لم يستمر طويلاً في بحث القضية معها.
أن يكون لديك زوجة وعشيقة فهذا يتطلب وقتاً حراً طويلاً وصحة جيدة. إن لدى موريس الوقت والنقود. أما السنوات الثلاث والستون فتفرض شروطها.
كنت أفهم كل ما يقوله موريس. كان الأهم من كل هذا طريقتنا بالتفاهم، فمع أنني لا أعرف الفرنسية كنت ألتقط كلمات موريس متقطعة، بانية العبارات في مخيلتي. كنت أسمعه سمعاً داخلياً. هكذا يتفاهم أشباه البشر. لا يعرفون لغة لكنهم يفهمون كل شيء. أعتقد أن الأفكار انعكاس للمادة واستقبالها مرتبط بإدراك مادة موضوعها .. ويكفي أن يكون اللاقط الداخلي لديك كمستمع مولَّفاً على نفس موجة المتكلِّم.
غادر موريس. جلست إلى درَّاجة التمارين الرياضية، بدأتُ تدوير دوَّاساتها. كان الكومبيوتر المربوط بها يشير إلى عدد دوراتها والنبض والزمن. بإمكاني مراقبة العدَّادات والنظر إلى النافذة في آن. خلف النافذة أيلولٌ مكفهر بأغصانه تتراقص بفعل الريح يتموَّج أخضرها المائل للاصفرار بأزرق السماء. الفروع مازالت قوية وفيها أوراق خضراء وذهبية، لكن هذا لن يستمر طويلاً. أنا أيضاً في زمني الأيلولي، أما مشاعري فنيسانية. "مأساة الإنسان ليست في هرمه .. بل في بقائه شاباً". من قال هذا؟ ما عدتُ أذكر. أنا "زولوتسكا*" التي لم تصل إلى السهرة الراقصة أبداً. كتبي هي أوعيتي. من يردني يجدني فيها. قدماي خفيفتان، مفاصلي متحركة، قلبي يدفع دمي ليركض تحت الضغط اللازم.
ظهرت الخادمة. كان شكلها مكسيكياً. وجهها أسمر ذو تقاطيع خشنة. كان مزاجها عالياً. تغني دون انقطاع.
نظرت المكسيكية إليَّ وسألتني:
- فودكا؟ .. كافيار؟
أدركت فوراً .. فالروس بالنسبة إليها هم فودكا وكافيار.
فتحتُ يدي مستغربة. ليس لديَّ هدايا. ليس لديَّ حقيبة. ولا ملابس لأستبدل بها ما سافرت به.
فهمتْ المكسيكية الموقف ولم يتعكَّر مزاجها. دخلتْ إلى الغرفة المجاورة وهي تغني عن الحب. التقطتُ من غنائها كلمة "القلب".
هل مزاجُ المكسيكية عالٍ بطبيعته أم أنَّ هذا بندٌ من شروط عملها. تترك الخادمة مشاكلها الشخصية أمام الباب كحذاء الشارع. أستطيع أن أحادثها ولكن بالروسية فقط. سألتها.
- مكسيكا؟ وأشرت بسبَّابتي إليها. فهمتُ أنها مكسيكية جاءت لتعمل في باريس بسبب عدم توفر عمل لها في المكسيك.


* * *


كانت الطريق رائعة كجميع طرقات أوروبا. جلستُ وموريس في الجاكوار البيضاء. يبدو أنه أرسل الزرقاء للإصلاح. قاد موريس السيارة القوية بحذق. هذا أمر سهل فالسيارة تطمْئِنك وتعطيك توازناً. كنا صامتَين. جمع الصمت والسرعة بيننا. فكرت: ما أروع أن تجلس إلى جوار مليونير وتسافر طويلاً دونما التفكير بشيء.
موريس إنسان جيد. وعلى أية حال ليس من واجبه أن يتحمَّل متاعبي. لكنه يحمل القهوة إلى السرير. يأخذني خارج المدينة. يعرِّفني على زوجته .. ما الذي يرغمه على فعل ذلك؟ أهي رغبة في تسلية زوجته بوجودي؟ على كل حال أنا كاتبة مهمة، وليس في محيطه القريب مثلي .. كل شيء موجود هنا أما مثلي !! فلا يوجد. موريس يشتري لزوجته الزهور، ويأخذني إليها. وها أنذا مرة أخرى في ورق لعبه ورقة صالحة لكل شيء.
ربما يكون كل شيء أبسط من ذلك. أنا أفهمه وهو مرتاح معي.
سألت:
- هل لديك أصدقاء؟
- اثنان .. أحدهما مات والآخر في أمريكا
- يعني لا أحد
- اثنان .. والذي مات يُحسب أيضاً
كل شيء مفهوم. إنه وحيد. إنه مليونيرٌ وحيد. لا صداقة تدعمه في حياته، ذاك في أمريكا بعيد جداً. والميت أبعد. موريس يبحث عن الدفء في الحب. سألته:
- هل تحب أنستِسي؟.
قال شيئاً ما، بسرعة حالت دون أن أستوعبه ثم كرَّر بعصبية: "اتيوبا" .. "اتيوبا" فأعدت السؤال
- ماذا؟
فتح موريس علبة السيارة وسحب صوراً ملونة كانت جميعها لفتاة سمراء تشبه صوفيا لورين في شبابها تماماً. فم عريض وأسنان بيضاء وعينان كعيني الفهد. نظر إليَّ وكرَّر:
- "اتيوبا"
- هل هذا اسم علم؟
- كلا .. إنها جغرافيا
فهمت ما أراد قوله. اتيوبا هذه فتاةٌ إثيوبيّة
نظرت بتفحص مرة أخرى. سمعت أن الإثيوبيين ساميون سود. جمال ساميُّ ساطع. سألته:
- وهل تعرف ناستيا ذلك؟
- كلا
ناستيا لا تعرف .. حتى لو عرفت فهي لن تستطيع فعل شيء. وأضاف موريس:
_ اتيوبا امرأة لي
لا دور لناستيا بعد الآن لهذا السبب وجدتُها متوتِّرةً. ولكن .. لماذا أخذني موريس إلى غرفة استقباله. أهكذا فحسب؟! موريس رجل طيب. طلبتْ منه ناستيا ذلك فوافق. تنهدت بتقطع. على كل حال. أنا صديقة لناستيا وليس لاتيوبا. التفتُّ إلى موريس وسألته:
- وأين التقيتما؟
- في السماء
أجاب موريس مبتسماً ثم تابع:
_ رأيتها في الطائرة، ثم ساعدتها برفع حقيبتها عن السوار المتحرك في المطار.

أخذني خيالي الأدبي إلى تصوُّر الحدث كالتالي: رفعَ موريس حقيبة المرأة، رافقها بسيارة إجرة إلى بيتها. ثم التقيا مساءً لقاءً غرامياً سعدا به. بعدها استأجر لها موريس شقة صغيرة يسمونها في باريس "ستوديو" واشتريا لها سريراً واسعاً، وربما فراشاً عريضاً من الجدار إلى الجدار، يمكن التدحرج عليه وإن سقطتَّ منه إلى الأرض لن تتألَّم. رحت بخيالي أبعد من ذلك .. دخلت معهما الغرفة والسرير والفراش الوثير .. وتسارعت الصور قبل أن يتوقف موريس أمام الإشارة الحمراء. سألته:
- ماذا تعمل اتيوبا؟
عارضة أزياء. "توب موديل"
هكذا إذاً .. لا يتوافق الجوع والجائحة في إثيوبيا مع ما يحدث هنا .. اتيوبا ترافق الأغنياء في رحلاتهم، والخلاسيَّات حالياً على الموضة يسمَّون "قهوة بحليب".
تخيلتها أيضاً شابة طبيعية مشغولة على الدوام. تحصل العارضات عاليات المستوى على نقود كثيرة، ولا حاجة بهن للملايين الغريبة. مع أن الملايين الغريبة تلزم أحياناً.
إنَّ عرض الأزياء الراقية عملٌ مرهق وخبزٌ صعب المنال. اتيوبا تتعب كالحصان وما حاجتها للستوديو؟ لديها الفيلا الخاصة بها. ولكن في هذه الحالة ما حاجتها لموريس، ذي الثلاثة والستين عاماً؟
ولكنني لا أعرف ما هو موريس؟ وكيف في كهولتنا هذه سنحب بطريقة أنعم وأكثر خيالاً. ربما كان بالنسبة لها مجرد أب وحبيب وحام، وهي هنا وحيدة وبعيدة عن الأهل. سألته مستعيدة صورتها:
- كم عمرها؟
- خمسة وعشرون
- وزوجتكَ؟
- خمسون
- هل تزوجتَ بعد حب؟
- نعم .. لقد كان حباً عظيماً .. مثل نياغارا
- وكيف نضبت تلك النياغارا
- لا أعلم
الحب ينضب. يختفي في مكان ما. إنها المأساة الثانية. سرعة مرور الحياة. ونضوب الحب وقد يكون هذا طبيعياً. الإنسان بطبيعته متعدد الأزواج. في عالم الحيوان تنفرد البجعة والذئب في تكوين العائلة المستقرة أما بقية الحيوانات فتمارس حريتها.
استعرضت بذاكرتي نزوات موريس: الزوجة الأولى، الثانية، أنستِسي، اتيوبا. وهل هذا كثير لرجل ستيني. أربع مغامرات حب؟ كثير بالطبع ولكنه ممكن. إن لدى بعض معارفي في شهر واحد أكثر مما لدى موريس في ستين عاماً.
على الطريق واجهَنا أيلٌ كبير. قال موريس:
- لقد وصلنا
انعطفت السيارة نحو أرض البيت الريفي.
* * *
يقع البيت الريفي على قطعة أرض تساوي منطقة كالوجسكي. يبدو أن موريس اشترى هذه الأرض كطريقة لإدخار جزء من ماله. للبيت غابته ونهر وطاحون قديمة، لم يكن للأرض سياج .. كان بالإمكان الوصول إلى نهايتها عبر النهر سباحة أو على طوف.
كان البيت لطيفاً وبسيطاً .. بساطة الأثرياء .. دهن من الخارج بكلس أبيض. بُني على شكل مربَّع قائم الزاوية ضلعه يساوي ثلاثين متراً أما طرازه الريفي فيخبِّيء حنيناً مرتبطاً بالمنشأ.
خرج موريس من السيارة. ركض لاستقباله كلبٌ ضخم كالعجل، لونه أبيض مبرقعاً بالرمادي. رفع الكلب قائمتيه الأماميتين إلى كتفي موريس فراح موريس يدلِّك عنقه ويهمس بشيء ما. النظر إليهما ممتعٌ .. فبينهما حبٌّ مثاليٌّ نقيٌّ متبادل.
دخلنا المنزل. استقبلتنا زوجة موريس .. قصيرة رشيقة تبدو أصغر من سنها، لها وجهٌ حقود فيه شبهٌ بالجورجيات الأرستوقراطيات حقاً، بالرغم من لونها الكستنائي. مدت يدها، وعر َّفتني باسمها، وقمتُ بذلك أيضاً.
قالت مادلين بخشونة إنها قرأتْ كتابي الذي أهدته إليها أنستِسي، وقد أعجبها كثيراً وترك في نفسها أثراً لا ينسى، لذا رغبت أن نتعارف ونتحادث.
قالت مادلين رأيها في كتابي باحترام وكأننا في مقابلة صحفية. بدت وكأنها شاردة الذهن مما جعلني أستصعب تلمُّس معنى كلماتها ومع هذا فقد فهمت ما أرادت قوله. كان همُّها الرئيس موريس وعلاقته بالإثيوبية السوداء.
وقف موريس إلى جوار مادلين ولم تنظر إليه. أما هو فقد تظاهر بعدم الاكتراث. قادتني مادلين لتريني حديقتها في البيت الزجاجي حيث تستنبت الزهور. كان لديها ثلاثون نوعاً من القبس وعشرة أنواع من الزهور.
كان القبس لديها ليلكياً، برتقالياً، أبيض وأسود. مصقولاً وخشناً. مادلين تقف أمام كل زهرة كأنها أمام إنسان حي.
لستُ مولعة بالزهور، أحب الموسيقى والكتب، ولكني أفهم أنه لا يجوز إظهار لا مبالاتي هذه، لذا كنت أحملق بالزهور بإعجاب. ولكن عندما رأيت وردة سوداء، حملقت فعلاً بعينين واسعتين مشدوهتين. وردة سوداء!! رمز الحزن. لقد تجمد في هذه الوردة جمالٌ احتفاليٌّ مُريع. بعد معرض الزهور أرتني مادلين حوض السِّباحة. كان قعره مغطَّى ببلاط فيروزي بدت المياه فيه فيروزية كالزمرد. تصورت كيف تدخل مادلين صباحاً إلى الماء مشدودة القامة صغيرتها. تسبح وتسبح لتطرد بحركتها كآبة تملأ أعماقها. ثم تقطف وروداً عاجيَّة لتضعها في مزهرية أو في سطل فضي.
أنا أدفن كآبتي في الكتاب. ومادلين تدفنها في الزهور. جميل أن يكون لديك ما تدفن فيه شيئاً ما. وقد لا تكون بحاجة إلى الزهور أو الكتب إن كان لديك إخلاص البجعات . لو سألنا مادلين: ماذا تريدين. الغنى أم الحب؟
كان وجهها مقطباً. أظنها ستجيب: كلاهما .. الغنى والحب. أريد الخبز والزهور.
عدنا إلى البيت. أثناء غيابنا وصلت إلى البيت صديقة مادلين وزوجها شارليم.
جلس الجميع خلف الطاولة. لم ألحظ الخادمة. قد تكون ذهبت بعد أن حضَّرت كل شيء.
قُدِّمتْ أطباقٌ من طير الحجل الذي تم اصطياده صباحاً في غابتهم الخاصة.
لم تصطد مادلين الطيور طبعاً، لقد كان في عداد الخدم صيَّاد خاص بهذه المهمة. أذكر من أنواع الطعام الذي قُدم إلى جانب الطيور: السبانخ المهروس والكرَّات. يبدو أن ذلك مفيد للصحة.
أما كعكة التفاح فقد جلبتها فرانسواز صديقة مادلين.
وفرانسواز طبيبة نسائية تعمل في دار التوليد. لها عينان زرقاوان غامقتا اللون مع اصفرار خفيف في وسطهما كزهرة البنفسج، وجهها مستديرٌ يوحي بحب المرح والحضور وكأنها تتوقع دوماً أن تسمع عبارات التغزُّل بها مثل: "آه ما أروع عينيك". علمت فعلاً أن الجميع كانوا يقولون لها ذلك.
ظننت في السابق أن الثَّريَّات لا يصادقن سوى الثَّريَّات. واكتشفتُ الآن أنهن يصادقن من يردن. كان شارل أكثر من تحدَّث في هذا اللقاء. لم أفهم من حديثه شيئاً. حتى أنني لم أعرف الموضوع الذي تحدَّث عنه. يا للغرابة!! كنت أفهم كل حديث موريس ولم أفهم شيئاً من حديث شارل. هذا يعني أن خطوط التفاهم كانت تسير في اتجاهات مختلفة.
كانت فرانسواز تضحك كثيراً، لكنني لم ألحظ وجود علامات ذكاء على وجهها ولا حتى غيابها. باستطاعتها أن تظهر ذكية وغبية في وقت واحد .. مظهرها الخارجي يستطيع القيام بهذين الدورين أيضاً.
لم يتبادل موريس ومادلين النظر أو الحديث. لقد اكتشفت: لم يخفِ موريس حبَّه لأتيوبا كما أنه لا يريد التظاهر بذلك، إن لدى مادلين احتمالين: إما أن تقبل بواقعها لتحافظ على موقعها كزوجة مليونير، متظاهرة وكأن شيئاً لا يحدث حولها، أو أن تنتفض محتجَّة تطالب بشرح العلاقة وتقاتل دفاعاً عن كرامتها حتى النهاية.
اختارت مادلين احتمالاً ثالثاً: تركت الموقع المشترك وسافرت إلى البيت الريفي وبهدوء وتدرُّج نمتْ كراهيتها لموريس.
على الغداء، بين فينة وأخرى، كانت مادلين ترمي نظراتٍ حاقدة. قالت عبارة مغلَّفة بلؤم على ما يبدو ولم تكترث بتكشيرة موريس .. هو حرُّ بمشاعره وبحياته.
تناولنا الحلوى وتركنا المائدة إلى المدفأة الحجرية التي كانت مبنية من الحجر غير المصنع وكأنها محفورة في جبل.
قرب المدفأة باب صغير في الجدار كأنه خزانة. فتح موريس الباب المذكور فرأيت رفوفاً حديدية عالية صفت عليها قطع كبيرة من شجر البتولا. لم تكن القطع مصفوفة بشكل عشوائي بل شكلت لوحة لا شكَّ بأنها رُتِّبت بيدَي شخص ماهر جيء به لهذه المهمة.
نظرت إلى الجذوع المصفوفة بترتيب وانهمرت دموعي.
في هذا الوقت جلب موريس الحطب إلى المدفأة وأشعله. لفَّ اللهب سريعاً جذوع البتولا التي كانت يابسة. نظرت إلى النار. انهمرت دموعي دون إرادتي. ربما تذكّرت بحسرة حقيبتي أو أنني كنت أبكي حياتي .. حياة ساندريلا التي لم تصل إلى الحفل الراقص. كان موريس ومادلين يتشاجران .. إنهما يناقشان علاقتهما، وخلف الجدار تتابع الجذوع المصفوفة على شكل حرف M تجفافها. كانا يضيعان في هذه الأرض اللامتناهية، وذلك المسبح الفيروزي اللون، وتلك الورود العاجية، وطبق السبانخ المهروس.
بكيت بتواضع شديد. لكن دموعي استقبلت كوقاحة فظة. لقد استقبلوني وشرفوني بدعوتهم. أطعموني طعاماً متميزاً، وأنا أسمح لنفسي...؟ البكاء قلة احترام. إن كانت لديك مشكلة ما إذهب إلى الطبيب النفسي، إدفع له ثمانين دولاراً وليهتم بأمرك مقابل النقود.
لو أنني بكيت في منزل روسي لأحاط الجميع بي. وبدأوا يستفسرون عن سبب انزعاجي وشاركوني مشاعري وبدأوا بنصحي. كان سيسعدهم أنهم يشاركونني وكانوا سيحسون بجاهزيتهم للقضية وأن كلاً منهم سيحتاجه الآخر يوماً ما.
أما هنا فكل شيء مختلف. لقد قطب موريس حاجبيه واستدار نحو النار. ابتعدت مادلين وكأنما استدعاها التزامها الاهتمام بالضيوف. شارل وفرانسواز أبديا عدم اهتمام وكأن شيئاً لم يكن. بل أن شارل نطق ببعض الأفعال وأبدت فرانسواز استغراباً رافعة كفيها وسابحة بنظراتها البنفسجية. وأنا أيضاً بدَوْتَ وكأن شيئاً لم يحدث. لحست دموعي السفلى بلساني ومسحت الدموع العليا بكفي. ابتسمت للنار ولموريس. كنت جاهزة للجواب عن أي سؤال عن بلدي. نعم البيريسترويكا، الثورة التي تحدَّث عنها البلاشفة طويلاً قد انهارت. والآن سنمشي طريقاً آخر. سنحطم للنهاية عالم الاضطهاد وسنبني عالمنا، عالمنا الجديد. سيكون عندنا أثرياء خاصون بنا. مدافئ حجرية، وسننظر إلى النار الحية. ولكن عندما سيبكي أمامَنا أحدٌ ما لن نستدير عنه. بل سنلقي بأنفسنا نحو آلام الآخرين كما يلقي الفدائي نفسه على فوهة النار لينقذ رفاقه.
بدأ موريس ينظر إلى الساعة. إلى أتيوبا .. أتيوبا.. كان يشده الجسد ذو العشرين عاماً، وصراخ الشهوة وهمسها. إلى جانب مادلين كانت تقبع ثلاثون عاماً من الحياة الزوجية في حين أن أتيوبا بداية جديدة وكأنه قدم إلى هذه الحياة منذ يومين فقط.
لقد انتقل إليّ أيضاً عدم تحمل موريس لهذا الجو. أردت أن أذهب من هنا حيث تحوم فوق الرؤوس الإساءة المتعمَّدة، ووجه مادلين المتكبر الحقود.
جلسنا في الجاكوار وها هي ذا الطريق ثانية. صمت مشترك. نحن نصمت تقريباً عن الموضوع نفسه. قلت:
- مادلين جيدة
- كثيراً
- هل تأسف لها؟
- آسف كثيراً. ولكنني آسفٌ لنفسي
- ألا يجوز الاثنتان؟
- ليس لدي الوقت الكافي لحياتين. أنا أعمل طوال الوقت. أنت تسألين من هو صديقي؟ .. إنه العمل.
فكرت. ما العمل بالنسبة لي؟ عملياً أنا متزوجة من مهنتي. فهي تطعمني، تهدئني، تؤمن أسفاري، تعطيني الناس والعلاقات الاجتماعية، ومن بينهم موريس أيضاً. أنا من دون عملي؟ عمَّة متقدمة في السن. ولكن ها أنذا أنقضُّ على ورقة بيضاء ولا أحد يستطيع أن يكون مثلي. سألته:
- ولو قبلت أنستِسي المغامرة. هل كانت ستدخل حياتك؟
لاحظ موريس صيغة سؤالي وكلمة انستسي. صمتَ قليلاً ثم قال:
- ممكن. كنت سأتحمل مسؤوليتها
من لا يغامر لا يربح. بقيت أنستسي مع ذويها. أما موريس فقد عبر جانباً كمطر مائل. مع أنه من الأصح القول: هي التي عبرت. إن علاقتها بالرجال ما هي إلا انتقام من سكرتيرة زوجها. مترجمتي مطعونة، إنها إنسان جريح، تفكر دوماً بزوجها، فعندهما ابنة يافعة. كان زوجها دائماً عشيقاً لها. ولكنه أصبح أخيراً مصدراً للنقود. وأحد الأقارب فقط. يبدو أنه فقد حبها كامرأة، لكنه بقي يحبها كإنسان. لكن هذا لم يكن يكفيها، لذا كانت تخونه لتثبت ذاتها. شحذت مخالبها كالقطة ولكن الخطر لم يحصر. والجرح لم يلتئم. لم تستطع تغيير شيء في حياتها، لا شيء أبداً من الممكن ترك الزوج والبقاء في سباحة حرة. لكنها حالياً في سباحة حرة أيضاً. المخرج الوحيد هو أن تحب. هكذا بالضبط لكنها لم تستطع لأنها تحب زوجها.
وضع مادلين شبيه بذلك. لكن مادلين نفسها مختلفة، فهي لا تقفز بين أحضان الرجال. مادلين ارستقراطية .. ولكن ماذا يغير هذا؟ "فالليدي المرموقة" و "جودي" أو "غريدي"، متساويتان في كل ما تبقى .


* * *


وصلنا باريس.
أوقف موريس السيارة وفتح الباب الخلفي. غطَست أتيوبا في الجاكوار كفراشة سوداء. من الواضح أنهما اتفقا على موعد. قالت:
- صوفي
ومدّت يداً سوداء من الخارج زهرية من الداخل.
ذكرتُ لها اسمي.
تحركتْ بنا السيارة قليلاً ثم دخلنا إلى منطقة محطة القطارات. صعدنا إلى الطابق الثاني. جلسنا في مقهى صغير، حيث كان بإمكاننا احتساء بعض النبيذ، أو الويسكي مع الكعك المالح.
لم أفهم في البداية سبب اختيار موريس لهذه الخمارة وفي هذه المحطة. أخبروني لاحقاً . موريس متزوج وله مكانته في المجتمع ولا يستطيع الظهور مع عشيقة سوداء في المطاعم الفخمة. هذا تحدٍّ صارم. ولكنه لو كان غنياً مثل روتشيلد لكان باستطاعته أن يبصق على المجتمع وآرائه ويسمح لنفسه بكل شيء. النقود أعلى من الأخلاق. والأصح القول. النقود هي الأخلاق الأساسية. ولكن يجب أن تكون نقوداً كثيرة جداً.
كانت صوفي بالفعل تشبه صوفيا لورين، إلا أنها أصغر قليلاً وأنعم. المرأة الجميلة لا وطن لها، ولكن المرأة الأوروبية تعرف ما تريد وتذهب للمواجهة بعنف، فتحمَّل إذن يا "موريسكا".
حدَّثتني صوفي عرضاً، فهي مشغولة بموريس. تمسَّكت ببيده. ولم ترفع عنه بؤبؤين حذقين محاطَين بهالة صفراء.
في أذنيها الصغيرتين السوداوين التصقت - كنقطتي ندى - حبتان من اللؤلؤ "هدية من موريس" .. هكذا ظننت.
كانت "صوفي" تغطي كتفيها برداء من فرو الثعالب الفضية، المشغول بأناقة فنية عبر شرائح من الجلد الفاخر، كان الفرو الفضي يتموَّج مع حركة الكتفين كأنه صدر أرنب يتنفس بنعومة .. جمال حتى الجنون. هكذا تلبس عشقيات الأثرياء.
أبلغ موريس صوفي بأنني أضعت حقيبتي وأنني سأظهر غداً على التلفزيون ولا بدَّ لي من انتقاء فستان لائق قبل الساعة الحادية عشرة.
التقطت كلمات تلفزيون، حقيبة، فستان .. كانت هذه الكلمات كافية. أوشكت أن أتدخل لأوقفه عن هذا، واستدركت إذ تذكرت حاجته للقيام بفعل شيء إثباتاً لعمق الصداقة. أحد أصدقائه مات، والآخر في أمريكا، وأنا إلى جواره. ليكن الصديق جديداً وغير ناضج إلا أنه صديق. لقد أدخلني حياته. لقد فهمته .. ما بيننا علاقة صمت متبادل.
نظرت بامتنان إلى موريس أحسستُ فجأة أن نظرتي شرحت صدره. ولعلي نظرت إليه بعيني صوفي. فمشاعر الحب تظهرها نظرات العيون.
وصلتْ إليَّ صوفي صباحاً بسيارة صغيرة حمراء، وأخذتني إلى صالون مشهور للأزياء. كان الصالون أشبه بورشة الخياطة، وأغلب الخياطين من النساء، يخيطون شيئاً ما في هذا المكان. وقرب الجدار علقت فساتين كثيرة على مشاجب.
بين لحظة وأخرى رأيت الخياطات تتوجهن إليَّ بنظراتٍ محمَّلة بشيء من الفضول لرؤية امرأة روسية. خجلتُ قليلاً بسبب عدم تلاؤم ألوان تنورتي السوداء وسترتي الحمراء. الأسود مع الأحمر .. علقتُ على نفسي.
- إنه يعني الموت للشيوعي
لم تفهم صاحبة الصالون مزاحي. قالت:
- كل شيء حسن .. أنتِ يعني أنتِ .. وهذه شخصيتُكِ
دردشت صاحبة المكان مع صوفي عن شيء ما لم أفهمه ولم أهتم ذلك. لا أقول أن أتيوبا لم تعجبني ولكنها كانت مختلفة وكأنها وصلت لتوِّها من القمر، وكنت بالنسبة لها شيئاً غريباً غير معروف وغير قابل للأكل. نحن مختلفتان بأهم الأشياء، بالنسبة لكل منا .. أما أنا فالأهم عندي هو المجد. المجد هو أن تشدَّ انتباه الناس إليك وإعجابهم بك. أما بالنسبة لأتيوبا فهذا الأمر لا يعنيها في شيء! يكفيها اهتمام شخص واحد بها وانتباهه إليها وهيمنتها عليه وعلى نقوده. المجد يعبُر سريعاً، اليوم موجود وغداً لا. أما النقود فتتعلق بها ولن تسقط أبداً.
بدت أتيوبا في ضوء النهار أكثر غرابة. كاللعبة. كان غريباً أن تتحدث بلغة البشر. قالت صاحبة الصالون:
- اختاروا ما يعجبكم ...
بمحاذاة الجدار عُلِّقت أنواع الملابس على المشاجب.
وقع نظري على فستان يشبه المريول، بدون أزرار. حريري فاتح اللون كذيل الطاووس. كان سيبدو جميلاً جداً لو ارتدته أتيوبا. جميلة نحيلة سوداء مرشوشة بالحرير الفاتح الألوان. بلا أزرار بل بزنار فقط وكلما خطت خطوة برزت ساق شابة سوداء نحيلة بمجملها، وأنا.. كمن خرجت من الحمام. قلت لصاحبة الصالون:
- شكراً .. لا أريد شيئاً. أنا امرأة عملية.
بدت كلماتي وأنا أقول إنني امرأة عملية كما لو أنني أقول: لست امرأة.
ابتسمت صاحبة الصالون ببساطة شديدة وكأنّ شفتيها الشاحبتين ارتجفتا قليلاً، لقد قدَّرتْ تواضعي. سمعتْ تعقيداتي. ولكن المهم أنها قدَّرتْ تواضعي. لقد كانت حالة نادرة في حياتها العملية حين يقترح على أحد ما أن ينتقي ما يشاء من مجموعة الملابس فيرفض قائلاً: لا حاجة لذلك. اقتربتْ صاحبة الصالون إلى المشجب وسحبتْ فستاناً أسود بسيطاً جداً مزيناً بـ "بروش" مصنوع من كرات صغيرة من البلور الصخري تشكل اسمها. له من بعيد بريق الألماس. قالت صاحبة الصالون:
- سيبدو لطيفاً
وأنا لاحظت ذلك أيضاً فقلتْ:
- سيبدو لطيفاً فعلاً
وبالفعل بدا الفستان لطيفاً. المهم أنه كان مناسباً لقياسي. ليس فيه شيء زائد عن اللزوم .. جميل أن لا يكون هناك شيء زائد عن اللزوم.
جلستْ على الطاولة. أنزلتْ ساقيها، ونظرت بعينين خضراوين من تحت غرَّة كثيفة شقراء: سيدة في العقد السابع دونما زينة تلبس سترة سوداء مشدودة على جسمها. أعتقد أن الإنسان الموهوب لا يشيخ أبداً. لم تكن صاحبة الصالون عجوزاً، إنما هي متقدِّمة في السنّ.
قدِمَ المراسلون التلفزيونيون في الوقت المقرر. اتفقتْ انستِسي معهم مسبقاً. سيصورون في بيت موريس ثم في شوارع باريس.
اقترب مني ابن موريس. رجلٌ في الأربعين .. نسخة أصلية عن والده، لكنه جميل. له العيون الغائرة نفسها والأنف الكبير. ذقن نحيلة. يشبه إيف مونتان لكنه أفضل.
نظر إلي بانتباه، سحب من بين أغراضه أحمر شفاه، اقترب مني كثيراً، رفع وجهي ورسم شفاهي. نظرت إلى أنستسي وسألت:
- والعيون؟
فأجاب "إيف مونتان" وهو يبحلق في وجهي ويهزُّ رأسه بهدوء مؤكداً قوله:
- على الوجه إما شفاهٌ أو عيون .. شيء واحد!. عندها قالت تاستيا:
- أنا أيضاً أريد شفاهاً
وقف إيف مونتان بين ركبتيها وبدأ يدهن وجهها بالمساحيق أغلقت عينيها. بدت جفونها بيضاء. ثمَّ مسح شفتيها بيده فبدت على وجه أنستِسي الحيرة وسألت:
- لماذا؟
- أريد أن تكوني باهتة قمرية كما لو أنك تظهرين عبر الدخان
جلسنا متجاورَين. بهندامي الأسود .. فمي الأحمر جعلني أبدو كماصة الدماء. وأنستسي بكليَّتها مغطاة بالشحوب كأنها غير واضحة الجنس. مع أن كل شيء كان عكس ذلك.
كان مقدم البرنامج لبقاً ناعماً كحصاة صقلتها المياه على شاطئ البحر. أعطاني الأسئلة. تماماً كالأسئلة التي يعتمدها الصحفيون الروس والغربيون. السؤال الأول عن الأدب النسائي، وكأن هناك أيضاً أدب رجالي!
إن لدى "بونين*" أبياتاً تقول: "تشابه المرأة الناس وتعيش قريباً من الناس". وهكذا فالآداب النسائية تشبه آداب البشر وتعيش إلى جانب آداب البشر. أما أنا فاعتبر أن قيمة الآداب لا بجنسها بل بإبداعها وصراحتها.
ما هي الصراحة؟ .. هذا مفهوم .. أما ما هو الإبدع؟ .. ربما لا أعرف ولكنني أتخيل. إنه ذلك الشعور العارم بالطاقة المشعَّة السعيدة، الذي يجتاحك وقت الكتابة، ثم تنتقل هذه الطاقة إلى الآخرين حينما يقرؤون عملك. أما إذا كان الكاتب غيرَ مبدعٍ وإنما يكتب من أجل الكتابة فقط فلن تنتقل هذه الطاقة من صفحاته إلى الآخرين .. إنه صداعٌ لا أكثر.
أمرُّ أحياناً بفترات خاصة أكون فيها حسَنَة المزاج. أترك طاولتي حينها وأمشي هائمة، سعيدة بفراغ يلفُّني كما لو بعد حالة من الحب .. من نوعٍ لا ينتقل لشخص آخر.
لا يجوز لي الابتعاد عن السؤال. أنا جاهزة لأقول: نعم. توجد آداب نسائية يتوجه الرجل في إبداعاته إلى الله. أما المرأة فتتوجه إلى الرجل. وتصعد المرأة إلى الله عبر الرجل. عبر الحب. ولكن بوجه عام فإن موضوع الحب لا يكون مثالياً فعندها تتألم المرأة وتكتب عن ذلك. الموضوع الرئيسي لإبداع المرأة هو الحنين إلى المثال. ولكن لن تقول هذا للفرنسييين.
السؤال الثاني عن المساواة بين الرجل والمرأة. انشغل الجميع في الغرب بهذا الموضوع. وفكرة المساواة هي: إن المرأة إنسان أيضاً. وبالنسبة لي فهذا واضح منذ زمن بعيد.
يجب أن تشارك المرأة في الحكومة فلتشارك إن هي أرادت. يجب على الرجل أن يقوم بنصف أعمال المنزل. أما زوجي فينفذ ثلاثة أرباع أعمال المنزل منذ زمن بعيد. لا أرى في ذلك مشكلة.
إن المدافعات المتطرفات عن حقوق المرأة يصبحن سحاقيَّات، ويعتبرن أن لا حاجة للرجل. لأي شيء كان. ولماذا خلقه الله إذن؟ لسبب ما ربما.. أردت مراراً أن أسأل المتطرفات، لماذا يجب أن تمارسن الحبَّ مع النساء. إن الرجل يستطيع القيام بالعمل نفسه إضافة إلى ذكوريته. ولكن ليس بالإمكان طرح مثل هذا السؤال على المتطرفات لأنهن سريعات التأثر كجميع المتعصبين. سألت ناستيا:
- ماذا أقول؟
فأجابت ناستيا وكأنها تنبِّهني:
- المهم أن لا تكوني سوفييتية
- لكنني سوفييتية!
فذكَّرتني ناستيا بطريقة مرحة:
- أنت في باريس.. مهمٌ أن تكوني على الموضة .. أن تبهري المشاهد. قولي مثلاً أنك لاتكترثين بالحب. تصادقين النساء والرجال وتحبين الكلاب. بشكل عام تستطيعين طرح فكرة الأسرة المحافظة. إن جائحة الإيدز يجب أن تدفع الجميع للعودة إلى الأسرة.
تذكرت النساء المحيطات بموريس. تنهدتُ وقلتُ:
- لا شيء يزيح الإنسان عن غريزته الرئيسية، والحب لن يجلب التعاسة أبداً. على أية حال لا أريد مناقشة هذا الموضوع
- قولي لمُحاورِكِ أن يسألك عن البيريسترويكا
- أصبح موضوع البيريسترويكا مملاً .. الروس أيضاً صاروا مملين .. والوقت قصير جداً. لدينا خمس دقائق فقط. لكل شيء وعن كل شيء.
التفت ناستيا إلى ورقة الأسئلة .. السؤال الثالث: الصفة المميزة للفرنسي كما بدت لك؟
فكَّرتُ. لا يقول الفرنسيون "كلا" أبداً. وهذا ما يميزهم عن الألمان. عند الألماني كل شيء دقيق: نعم أو لا. أما الفرنسي فيجيبك: "ممكن" .. لماذا ياترى؟ ربما لأن في هذا راحة أكثر. إن قلت لا ستكون سلبياً بالنسبة لمحدثك، وهذا يجعله غاضباً ويفرز الكثير من الأدرينالين في جسمه*، وستسبح أنت في غيمة أدرينالينية، وتتنفس منها، وهذا ضار وغير ممتع. الأهم هو تجنب التوتر وتوتير الآخرين. في المجتمع الرأسمالي كل شيء مبرمج باسم الإنسان ولمصلحته.
اقترب المُحاور وقال:
- انتباه
لحست المترجمة شفتيها كقطة أصابها الحر.
بدأ التصوير ..
في اليوم التالي. قدمت مادلين من البيت الريفي لتهتم بي وتودعني. بالمناسبة، كان باستطاعتها أن لا تأتي، ولكن للمهذبين عاداتهم. وممكن أن يكون موريس قد استدعاها إذ ليس لديه الوقت الكافي للاهتمام بي.
دفعت لصاحبة الصالون نصف ثمن الفستان فقط، "كهدية لتواضعي". طيبتك تفيدك أحياناًً، وليس هذا قانوناً ثابتاً. بقي معي بعض النقود ورافقتني مادلين إلى "غاليري لافاييت".
تمشينا هنا وهناك. اخترنا بعض الملابس لنقيسها. ضرب الملل مادلين لأنها لم تعتد الدخول إلى أماكن رخيصة كهذه. أنا أيضاً لا أحب الأشياء الرخيصة ودائماً اشتري شيئاً واحداً بكل نقودي، ولكن هذا الشيء الذي أريده سبَّب ضجر مادلين .. استطعتُ قراءة ضجرها على وجهها.
دخلنا غرفة القياس. جلستْ مادلين القرفصاء منتظرة كما يجلس الشرقيون عندنا في روسيا. إنهم يرتاحون بوضعية القرفصاء ملقية ذقنها على راحتيها. كانت ذقنها صغيرة وراحتاها ضيقتين. نظرت إليهاا بحنان أثار في داخلي مشاعر دافئة نحوها. وددتُ لو استطعت حمايتها .. جسدها نحيلٌ وقد ترتمي أرضاً لمجرَّد دفعة من أحد المارَّة. خرجت بسرعة وقلت:
- فلنذهب إلى البيت
عدنا إلى بيت موريس. بالأحرى إلى بيتهما المشترك. في الطريق عرضتْ عليَّ مادلين أن نتغدى بالمطعم. كان هذا جزءاً من برنامج النهار ولكنني لم أرد الضغط عليها. اقترحت أن نأكل في المنزل.
فتحت مادلين البراد وأخرجت شيئاً ما وبدأت تفتحه. كان قطعة رقيقة من اللحم صُرَّت بورق من نوع خاص. وفي مقلاة على نار هادئة أخذت مادلين تقلِّب الشريحة من جانب إلى آخر. استغرقتْ عملية التحضير هذه خمس دقائق. بعدها جلسنا إلى المائدة. وبدأت بالحديث قبل البدء بالطعام:
- كنتُ في هذا الصباح عند الطبيب
أدركت أنها أتت لزيارة الطبيب. همهمتُ بنعَم فأردفتْ بلهجة المطمئن:
- كل شيء على ما يرام
ودون أن أتأكد من لباقة تدخلي سألتُ:
- وما بك؟
- إنه السرطان .. خفيف
أنزلت عينيَّ سريعاً نحو صحني محاولة تجاوز تدخلي. السرطان حكم بالموت. وحكم الموت لا يكون خفيفاً. إنه حكم بالموت لكنه ممطوط على مدار زمن معين. عدت إلى السؤال إنما بشيء من الحذر:
- هل أُجريتْ لك جراحة؟
- لا داعي لذلك .. درجته قريبة من الصفر، إنه خفيفٌ جداً
الأثرياء يهتمون بصحتهم ويأتيهم الموت متدرِّجاً .. بخطوات يكتشفون أولها عندما تكون قريبة من الصفر. أما الآخرون فيصطدمون بموتهم وجهاً لوجه، كما نصطدم بشاحنة حين يكون الوقت متأخراً. لقد ابتلع السرطان نصف سكان الأرض ومنهم ميتران. مسكينة مادلين، واجهتْ خيانة مزدوجة .. النفس والجسد. ألم يهرب موريس من درجة الصفر هذه إلى حالة رعبٍ انتقامي؟
رفعتُ عينيَّ نحوها .. أردت أن أقول لها شيئاً طيباً.
- تبدين شابة كما لو انكِ ابنة موريس كيف تحافظين على شَكلكِ؟
بدتْ على وجه مادلين علامات حزن. وأدركتُ من عبارتها أنها تقنِّن في كمية الأكل:
- بالانتباه والحرص الشديد
وفجأة نظرت في وجهي وأضافت بشيء من الحدة الممزوجة بالحزن:
- لديه أخرى .. امرأة أخرى!!
يبدو أن شعوراً وديّاً كان يشدُّها إليَّ، وإلا فلماذا صارحتني بكل هذا. ربما جاءت جرأتها من علمها بأنني سأسافر غداً وآخذ سرَّها معي وينتهي الأمر.
- لا .. هل هذا معقول؟ لن أصدق ذلك
حملقتُ في وجه مادلين كما فعلتُ عندما رأيت زهر القبس في حديقتها فصرخت وكأنها تطلق ناراً
- بلى .. عمرها خمسة وعشرون عاماً
فهمت أن الحديث عن أتيوبا، وكمن يقدم مونولوجاً تمتمت مادلين بلهجة حاقدة، فهمت منه كلمة ونصف: "لن أتسامح". وأدركت أنها لن تتسامح أبداً مع موريس .. سمعتها حتى النهاية وقلت :
- حماقةٌ .. أنت تتخيلين كل شيء، إنه يحبكِ، يعبدكِ. رأيت هذا بأم عينيَّ.
لم تفهم مادلين. نظرت إليَّ مستفهمة وقالت:
- ماذا رأيت؟
- رأيتُ كيف ينظر إليك .. إنه يحبكِ.
اقتربتْ مني بنظرها متسمِّرة فكرَّرْتُ:
– أجل إنه يحبكِ ..
لم يكلِّفني أحد أن أكذب لأنقذها، ولكنني في تلك اللحظة كنت، وبإخلاص، مؤمنة بما أقول. لذا لم أكن أكذب. نظرتْ مادلين بانتباه حاد. أحسست بأنَّ قناعتي هذه اخترقت رأسها. هكذا ينظر مريض السرطان إلى الطبيب الذي يعده بحياةٍ أبدية.
في المساء كان عشاءٌ وِداعيٌّ .. جلسنا في المطعم الذي كنا فيه في المرة الأولى. كنا ثلاثة، أنا وموريس وأنستِسي أما مادلين فقد ذهبت إلى البيت الريفي .. كانت قلقة على زهورها الليلكية.
جلسنا ثلاثة كما في المرة الأولى، ولكن كل شيء كان مختلفاً. أنا مصاصةُ الدماء، موريس إيف فونتان الشيخ، وأنستِسي قنبلة الحب الموقوتة، تكاد تنفجر غيظاً كمن أصابه داء الكلب. سألتني بهدوء تآمري:
- هل رأيتها؟
نظرتْ إليها مدَّعية عدم فهم ما تقصده
- من؟
- تعرفين من .. سونيا
صمتُّ لأزيد الموضوع إثارة
- كيف وجدتِها؟
- أنتِ أفضل، هذا رأيي
- بماذا؟
- اعتادتكِ العين
- هل هي شابة؟
تذكرت أصابع مادلين المتباعدة وقلت:
- خمسةٌ وعشرون عاماً
في الخامسة والعشرين تكون الشمس في سمْتها وتنير قمة الرأس، سيضم موريس أتيوبا ويشدها إلى صدره وسيكونان معاً تحت نورها.
- فطرٌ أسود
همست ناستيا بلهجة حاقدة جعلتني أحسُّ بأن الغيرة تأكلها. لم تشأ أن تستأثر بموريس، لكنها لم تشأ أن تعطيه لأحد. أرادت ناستيا فقط أن تلوِّح بالسَّوط كما تفعل مروِّضةُ الأُسُود. وليجلس جميع الأُسُود على الطاولات واضحين. كلٌّ على طاولته. لقد قفز موريس عن طاولته. طاولته فارغة. تتصور ناستيا أن هذه الطاولة هي الأهم، والأصح أن هذا الأسد الواقف عليها هو الأهم. سألت ناستيا:
- هل أستطيع البقاء عندكِ للنوم؟.
لا بدَّ أنها أرادت الانتقام. لقد دخلتْ في معركةٍ مع أثيوبا.
صمتَ موريس. هذا يعني أن وقت أنستسي قد انتهى.
اقترب النادل، وبدأ يدير يديه فوق المائدة. سألتني ناستيا وهي ترمقني بنظرة من عينين غائرتين:
- متى موعد طائرتكِ؟
فتدخَّل موريس:
- سأوصلها إلى المطار
قامت أنستِسي بعصبية واقتربت من مشلح الملابس.
لحق موريس بها، كان يعتبر نفسه ملزَماً بأن يلبسها معطفها. ثم عاد. ساد الصمت كما بين مقطعين في أغنية، الوداع وموت صغير. مات قليلاً .. مات لديه ذلك الجزء الذي يدعى "أنستسي".
سكب النادل خمراً، شربنا صامتين.
- أريد أن أغيِّر المصير، قال موريس، أريد أن أعيش حياة ثانية ولكن بيني وبين صوفي فرق كبير في العمر
- لا فرق بينكما، أجبت سريعاً
نظر موريس إليَّ كمن يريد امتصاصي. قلت:
- أنا أكبرها بأربعين عاماً تقريباً. أصبحت عجوزاً
- لستِ عجوزاً
- هل تظنين ذلك حقاً؟
- لا أظن بل إنها الحقيقة .. هل يكون عجوزاً من يكون عاشقاً؟ يكون عجوزاً من لا يريد شيئاً.
نقَّل موريس ناظريه بيننا وقال:
- وأنا أحس هكذا أيضاً، لذا أريد أن أسمح لنفسي. لم يفتني القطار أليس كذلك؟!
فقلت:
- بالفعل .. سابقاً كان ذلك مبكراً، سابقاً لم تكن تُقدَّر ذلك
لمعت عيناموريس وكأنه صاحب حقِّ حصل عليه
عدتُبذهني إلى سبب مجيئي إلى باريس! هل أتيت لأقول لموريس أنه شابٌ ولمادلين أنها محبوبةٌ؟! لقد قلت ذلك، والآن أصبح بإمكاني العودة، تركنا المطعم ومشينا ببطء. وحولنا من الجهات الأربع تمدَّدت باريس. كان برج إيفل مناراً، خفيفاً وشفافاً كالسراب .. تدافع الباريسيُّون متجهين إلى مكانٍ ما بسرور ودونما اهتمام، دونما نعم أو لا، بل مع "ربما". إلى جانبي سار موريس خُيّل إليَّ أنني أعرفه منذ زمن طويل. لقد حمَّلني أسراره وكأنه ألقى بها في مستنقع.
نتكلم بلغاتٍ مختلفة ونصمت بلغة واحدة ونفهم كل شيء.
سألني فجأة:
- لماذا لم أتعرّف على شبيهةٍ لكِ؟
- ما عادت هماك شبيهاتٍ لي.
في اليوم التالي رافقني موريس إلى المطار بالجكوار الزرقاء. لم يعثروا على حقيبتي بعد، لكنهم وعدوا أنهم سيجدونها بالتأكيد .. ألفتُ ضياعَها. وعلى أيَّة حال ها أنا حصلت على فستانٍ جديدٍ ووجهٍ جديدٍ كوجه مصاص الدماء. ألا يساوي ذلك حقيبةً واحدة؟!
ذهبت إلى المنطقة الحدودية، بقي موريس ناظراً إليَّ بحزن. التفتُّ .. تلاقتْ عيوننا وفكرت: إن عجوزاً مؤمناً من قريةٍ روسيةٍ في سروالٍ دافئ، يعيش بتناغمٍ مع نفسه ومع العالم أكثر من موريسكا بمعطفهِ الطويل وقبعته ذات المربعات، لأنك حتى لقاء مالٍ كثير، لن تحصل على ما لا يُحصل عليه.
- إلى اللقاء يا موريسكا. كن سعيداً إن كنت تعرف كيف… سأنساك كإعصار أوسكار. لا .. لن أنساكَ أبداً
مرت شهوراً أربعة. وأخيراً عُثر على حقيبتي، التي زارت خلال هذه الفترة وارسو وبومبي، جلبتها لي أنستِسي تحمَّلت عبئها .. مسكينة.
في مساء يومٍ لطيفٍ رأيتها مرتديةً معطفاً من الفرو مع كابشون كان المعطف قصيراً إلى مستوى الركبتين، وممزقاً بمساحةٍِ تعادل صمتاً صغيراً. سألتها مشيرة إلى المعطف الممزَّق:
- ما هذا؟
- نهشه بوبكا
- بوبكا، أهو عشيقكِ؟
- بل جرو، كان جائعاً
- ومن أين حصلت عليه؟
- على الدرج
التقطت أنستِسي الجرو على الدرج ونسيت أن تطعمه، فأكل من فرو معطفها. كانت أنستسي طائشةً. فقلت مقترحة:
- اخلعي معطفكِ .. سأطعمُكِ.
كانت تسبح في شقتي روائح اللحم المطهو في الفرن، وينتشر ضجيج العائلة: مقاطع من حديثٍ هاتفي، وصوت الماء في الحمام.
- لا .. لا أستطيع
رفضت أنستِسي وأضافت:
- تنتظرني السيارة في الشارع، مررت لدقيقة
لم تشدَّ مترجمتي روائح وضجيج عائلةٍ غريبة. لديها طموحاتها ومشاغلها الخاصة. سألتها:
- كيف هو موريس؟
- موريسكا تبع سونكا بعد أن جردته مادلينكا من جميع ممتلكاته، من رأسه حتى قدميه .. يدفع المذنب حسابه.
تذكرتْ أنستِسي شيئاً ما. مدَّت يدَها إلى محفظتها ذات الحمالة الطويلة وبدا عليها الاضطراب
- مصيبة .. لقد نسيت مفكرتي
- وماذا الآن؟
- الآن لا أعرف رقم هاتف أحد
- أنا أتكلم عن موريس
تنبَّهت أنستِسي وأجابتْ:
- نعم. لقد عاد مجدداً إلى مادلينكا
- أمِن أجل النقود؟
- من أجل كل شيء، فهم أنه لن يستطيع تكرار كل شيء، بعبث وريفٍ ورأس مالٍ .. الصحة لا تساعد
- هذا يعني أنه عاد من أجل المال!
- كلاّ بالتأكيد، لن يستطيع بدء كلُّ شيء من جديد… يخيَّل إلينا فقط…
- وأنتِ من أين تعرفين؟
- يعني .. إنني أعرف ما أقول
أوقفتْ أنستِسي البحث في محفظتها .. نظرت إليَّ وقالت:
- يجب أن نحب القديم حتى النهاية، أن نحب ما وُهبنا لا أن نعود كلَّ مرَّة إلى البداية
أردت أن أسألها عن زوجها لكنها بدت وكأنها لا تريد الاستمرار في الحديث .. قالت:
- هل أستطيع استخدام هاتفكِ؟
جلبت لها الهاتف، بدأت تطلب رقماً بعد آخر، سائلةً إن كانت قد نسيتْ مفكرتَها لديهم. مفكرةً كبيرةً سوداء مغلفَّة بالجلد.
تخيلت موريس ومادلين على المائدة يأكلان ويتشاجران بصوت منخفض، ويسْبحان بصمت نحو غروبهما، ممسكَين كلٌّ بيد الآخر ويتساندان. والنجمة السوداء صوفي تطير إلى مكان ما وشخصٌ ما يسحب لها حقيبتها عن سوار الأمتعة المتحرك.


* * *