عاصي قلب المدرسة الرحبانية النابض ...

الياس سحَّاب قرأها 6
 

من الثابت أننا اذا حددنا عمر الكلاسيكية المعاصرة في الموسيقا العربية بين نهضتي القرن التاسع عشر والقرن العشرين (1875-1975)، فإن لبنان كان الشريك الأكبر للقاهرة، قاعدة هذه النهضة، خاصة في الربع الثالث من القرن العشرين.

لقد قامت هذه النهضة التي قادتها بيروت باسم منطقة الشرق العربي قاطبة، واستقطاباً لكل ما فيها من ألوان موسيقية ومن مبدعين، على أعمدة أساسية من عباقرة الموسيقا العربية الذين أنجبهم لبنان، في ذروة ذلك العصر الذهبي، من هذه الأسماء التي حفرت خطوطاً موسيقية رئيسية في هذه النهضة اسم خالد أبو النصر وفيلمون وهبي، ثم زكي ناصيف وتوفيق الباشا والأخوين رحباني، إضافة الى اسم كبير آخر هو حليم الرومي، الذي بدأ مشواره الكبير في بلده الأإصلي فلسطين، ثم تابعه في بلده الثاني لبنان.

فإذا عدنا الى التجربة التي حملت اسم الأخوين رحباني، سنكتشف انها الأكثر اتساعاً ونشاطاً بين هذه الخطوط الموسيقية الأساسية، وانها تحولت الى مدرسة رحبانية متعاقبة الأجيال، أهم أعمدتها عاصي ومنصور وزياد كملحنين وشعراء أغنية، وفيروز، كصوت متميز حمل الى المستمع معظم الثمار الهامة لهذه المدرسة الموسيقية المهمة.

فإذا عدنا الى العمود الأساسي في المدرسة الموسيقية الرحبانية، سنكتشف انه كان يقوم على سلسلة من الثنائيات التي أغنت التجربة بلا حدود، وصبغتها بنكهتها المميزة في إطار النهضة الموسيقية اللبنانية خاصة، والنهضة الموسيقية العربية عموماً:

1- أعمال الرحبانية الكبار التي وضعها عاصي ومنصور رحباني، حملت كلها، حتى رحيل عاصي، اسم الأخوين رحباني. هذه هي الثنائية الأولى.

ومع ذلك، فمن المعروف، لمن عاشر هذا الثنائي الفني الكبير، او قرأ بعض ما كتبا عن نفسهما، ان منصور الرحباني كان ميالاً الى الألوان الموسيقية الغربية، وكان لا يتوق فقط للتأليف فيها، بل شد شقيقه عاصي الى أجوائها، لكن ميل عاصي العربيّ الهوى، موسيقياً، كان هو الغالب.

2- الثنائية الثانية، التي طبعت أعمال الرحابنة الكبار، هي ثنائية الشعر- الموسيقي.

فمع ان جماهيرية المدرسة الرحبانية ما زالت مرتبطة في ذهن الجماهير العربية عموماً، واللبنانية خصوصاً، بموهبتهم الموسيقية، فإن أي دراسة جادة ومعمقة لأسس نهضة الكلاسيكية اللبنانية في الموسيقا العربية المعاصرة، لا بد لها من التوقف مطولا عند التطوير الكبير الذي أدخله عاصي ومنصور الرحباني، على بيئة وآفاق الشعر الغنائي اللبناني والعربي.

لسنا هنا نبخس الفنان الكبير منصور الرحباني حقه في الجهد الهائل الذي بذله في إعلاء مداميك المدرسة الرحبانية، شعراً وموسيقا وتوزيعاً، لكن الملاحظة التي لا يمكن لأحد

انكارها، هي ان المقارنة بين نتاج المدرسة الرحبانية الكبيرة عند ما كان هذا النتاج يحمل اسم “الاخوين رحباني”، والنتاج الذي حمل اسم منصور (او الياس الرحباني) بعد رحيل عاصي، تجعل الكفة الأولى أرجح كثيراً. ويمكن ان نلاحظ بالتحديد (ودون تحيز) ان عاصي كان هو الروح النابض الذي يحرك الآلة الرحبانية في مرحلتها الأولى، سواء كان اللحن (او الشعر) له او لمنصور، او لالياس.

yyyyyyyyyyyyyyyyyyhhhhhhhzdrh.JPG