فارس الخوري ومحنة ميّ زيادة

بشار منافيخي قرأها 7
 

بشار منافيخي *etghsergetg544444444szregzsrtgs4.JPG

مي زيادة .. اسم أشهر من أن يطوى.. وأعظم من أن ينسى.. عبر كوننا الأدبي كشهاب بارق نثر وميضه حروفا ً من ذهب ثم هوى غارقا ً في بحر من الدموع السخية...

 من منا لا يعرف فضلها على النهضة النسائية وقد كانت من رائدات الحركة النسائية العربية، تلك العبقرية النادرة وصاحبة الأفكار النيرة التي دعت دائماً إلى مناصرة قضايا المرأة العربية، وخاصة قضية تعليمها، وتألقت مي زيادة كأديبة من خلال مؤلفاتها ومقالاتها وخطبها وحواراتها في (صالونها الأدبي) الذي أنشأته في القاهرة، وبرهنت على دور المرأة ومساهمتها مع الرجل في نهضة البلاد، وكما قالت عنها المستشرقة الألمانية (آنتي ريغلر): "مي زيادة عبَّدت الطريق لنساء الشرق". حياتها ودراستها ولدت ماري زيادة في بلدة (الناصرة) بفلسطين عام 1886 حيث كان والدها إلياس زيادة يمارس مهنة التدريس، في السادسة من عمرها التحقت مي زيادة بمدرسة (الراهبات اليوسفيات) بالناصرة وتلقت تعليمها الأولي فيها، ثم أرسلها والدها إلى لبنان لمتابعة دراستها الثانوية فانتسبت إلى (مدرسة عينطورة)، والتحقت بعدها بمدرسة (الراهبات العازاريات) ببيروت،‏‏ ثم عادت بعدها إلى الناصرة عام 1905 وهناك بدأت مطالعاتها بالآداب الغربية. jjjjjjjjstdhsxetdhsxerhtxerghszerthhgzsryhszertgsze.JPG

وفي عام 1907 قرر والدها الهجرة إلى مصر والإقامة فيها نهائياً، فانتقلت معه (ماري)، وشرعت تنشر مقالاتها الأولى بأسماء مستعارة إلى أن استقرت على اسم (مي)، وبدأت صلتها بالأديب جبران خليل جبران في عام1911 وأخذت تراسله، ودامت مراسلاتهما عشرين عاماً، وفي العام التالي أسست (مي) صالونها الأدبي في القاهرة، وضم مجلسها كبار الأدباء والشعراء من مصر أمثال العقاد والمازني والرافعي وطه حسين، وفي عام 1914 انتسبت (مي) إلى جامعة القاهرة لدراسة الأدب العربي، وأثناء دراستها تعرفت على (هدى الشعراوي) زعيمة النهضة النسائية في مصر التي كانت تنظم محاضرات للسيدات في الجامعة، فانضمت (مي) إلى صفوف حركة تحرير المرأة العربية.

زيارتها لدمشق

قامت مي زيادة بزيارة إلى دمشق بتاريخ 4 تشرين الأول من عام 1922، وتداعت أندية دمشق لاستقبالها وخاصة النادي الأدبي النسائي الذي أقام احتفالاً كبيراً يوم الثلاثاء 10 تشرين الأول على أرض مسرح (قصر البللور) في حي باب توما، وقد دُعي إلى هذا الاحتفال كبار رجال العلم والأدب والسياسة ومن بينهم المرحوم فارس الخوري، وفي نهاية الحفل ألقى الشاعر خليل مردم بك رئيس الرابطة الأدبية قصيدة بعنوان (تحية مي) ثم قامت مي زيادة وألقت كلمة شكرت فيها القائمين على الحفل والمدعوين والحضور.

مرضها

كان لوفاة والد مي عام 1929، ثم وفاة حبيبها الروحي جبران خليل جبران عام1931، وأخيراً وفاة والدتها عام 1932 أثرٌ في تردي صحتها النفسية والجسدية، فاعتزلت الناس، وتوقفت عن الكتابة، وقد تفاقمت أحوالها إلى أن انهارت نفسياً وجسدياً، وخلال صيف عام 1932 قررت السفر إلى أوربا من أجل الترويح عن النفس ولكنها رجعت إلى مصر دون أن تظفر بطائل، فأرسلت رسالة إلى أقاربها في لبنان تبدي فيها رغبتها بالرجوع إلى وطنها الأم، وفي مطلع عام 1936 حضر ابن عمها (د. جوزيف زيادة) إلى القاهرة ووجدها هزيلة الجسم، ومنعزلة عن الناس، وأقنعها بالذهاب إلى لبنان بعد أن أخذ منها توكيلاً عامَّاً لإدارة ممتلكاتها، ووصلت بيروت في شهر آذار1936، وطمع أبناء عمومتها في ممتلكات ابنة عمهم (مي)، ومن أجل الحصول على ثروتها الكبيرة، قرروا اتهامها بالجنون وإدخالها مشفى الأمراض العقلية المعروف بـ(العصفورية) القريبة من بيروت، وفي هذا المشفى تعرضت ماري لشتى أنواع العذاب والحرمان، فقررت الإضراب عن الطعام إذا لم تُنقل إلى مشفى طبي آخر، واعتلت صحتها وأصبح وزنها حوالي 28 كغ، فرضخ الأطباء المسؤولون عندها وقرروا نقلها إلى مستشفى د. نقولا ربيز في آذار 1937 في بيروت، وهناك عولجت من قبل الأطباء فتحسنت صحتها، وأثناء وجودها في تلك المشفى جيء بمريضة من (آل الجزائري) من دمشق وبعد إجراء عملية جراحية لها وضعت في غرفة ملاصقة لغرفة مي، وأثناء الليل سمعت (مي) أصوات أنين وصراخ فانسلّت إلى غرفة جارتها الدمشقية، فواستها وخففت عنها، وأصبحت رفيقة دائمة لتلك المريضة، وبعد شفائها شكرتها، وأرادت المريضة الاستفسار عن حالة (مي)  فقصّت عليها (مي) ماعانته في مشفى العصفورية، وما صدر من أقربائها، فحزنت عليها السيدة (الجزائري) وقررت مساعدتها.

فارس الخوري ومحنة مي زيادة

وقبل أن نتحدث عن مساعدة فارس الخوري لمي زيادة لتتخطى محنتها نستعرض فيما يلي نبذة مختصرة لسيرته: فهو فارس بن يعقوب الخوري (1877-1962) من رجال السياسة والأدب والقانون والاقتصاد، ومن أبرز رجال الحركة الوطنية السورية، بدأ حياته العملية مدرسا ً للرياضيات في لبنان ودمشق، وعمل مترجماً لدى القنصلية الانكليزية بدمشق، ودرس القانون بمفرده، ثم انتخب نائباً في مجلس (المبعوثان)، وعند تشكيل الحكومة العربية بزعامة الأمير فيصل عين وزيرا ً للمالية، وبعد احتلال الفرنسيين لدمشق عاد لمزاولة مهنة المحاماة وأسس أول نقابة للمحامين وانتخب رئيساً لها، ثم عين أستاذاً في معهد الحقوق، وشارك في الانتخابات النيابية عام 1936وفاز بمقعد نيابي ثم انتخبه الأعضاء رئيسا لمجلس النواب، وقد كلف الخوري بتشكيل الوزارة أربع مرات (1944-1955)، ومثّل سورية في المحافل الدولية، وفي عام 1955 اعتزل الحياة السياسية، ثم أقعده المرض حتى وفاته عام 1962.

ما إن علم الناس بمحنة مي زيادة حتى توافدوا إليها يواسونها ويعرضون عليها مساعدتهم، وخاصة معارفها آل الجزائري والأيوبي من دمشق ومن رجال الأدب والفكر والسياسة، وكان منهم فارس الخوري (رئيس المجلس النيابي السوري) آنذاك وزوجته أسماء عيد الخوري، وبعد زيارة قام بها فارس الخوري للأديبة مي زيادة حضر مندوب أكبر صحيفة يومية لبنانية ونقل تصريحاً لفارس الخوري يصف فيه حالة (مي) ومما جاء فيه:

"يمكنني أن أقول بكل صراحة إنني تحدثت إلى أناس كثيرين في بيروت فلم أرَ فيهم مَن هو أعقل من الآنسة (مي) وأزيد على ذلك أنني سمعت من بعضهم أخطاءً لم تفه (مي) بواحدة منها، فهي بحالة عقلية تامة، ولكن صحتها الجسدية ضعيفة جداً. ومما قالته لي والألم ينبعث من عينيها: "تصوَّر مي زيادة على بعد عشرين دقيقة من بيروت، قلب الشرق العربي وعاصمة لبنان الجميل الخالد ومهد الحضارة والنور وأم الجامعات والمؤسسات العلمية ودار الجمعيات الأدبية والخيرية ومركز جمعية النهضة النسائية، أجل تصوَّر (مي) سجينة على بعد عشرين دقيقة من البلد الذي ذكرت".

 وأثناء تلك الزيارة تلتفت مي زيادة إلى زوجة فارس الخوري لتقول لها: "أهذا ما كنت أنتظره يا سيدتي؟ أهذه هي المكافأة التي أعدتها لي المرأة الشرقية بعد جهاد طويل؟ أهذا ما تلقاه الأديبة في الشرق؟".

فارس الخوري يعرض حالة مي أمام المجلس

لم يكتف فارس الخوري بالإدلاء بتصريحات إلى الصحافة اللبنانية، بل ذهب إلى ندوة المجلس النيابي اللبناني، واجتمع بعدد من أعضاء المجلس المذكور، تحدث فارس الخوري عن زيارته لمي زيادة، وعن معاناتها نتيجة اتهامها بالجنون والجور الذي حاق بها من أقرب الناس إليها، ومعاملتهم السيئة لها، وقد نشرت جريدة بيروت في عددها الصادر بتاريخ 12 شباط 1938 حديث فارس الخوري أمام أعضاء المجلس ومما جاء فيه: "كيف لا تهتمون بهذه النابغة اللبنانية؟ وكيف تسجن (مي) بين جدران مستشفى المجانين ولا يثور الرأي العام اللبناني ويظل هذا الخبر سراً مكتوماً؟ لقد كان حديثها لي حلواً لا إبهام فيه ولا تعقيد، لقد وجدت فيها (مي) الكاتبة الشاعرة التي عرفناها في الماضي، فكيف دُبّرت هذه المؤامرة الدنيئة على نابغة النابغات؟ أنقذوا مي وابذلوا جهدكم في الترفيه عنها، وحرام أن تعامل الأنوثة التامة والنبوغ والعبقرية هذه المعاملة التي عوملت بها - مي –".

كان للتصريحات التي أدلى بها الزعيم فارس الخوري للصحافة اللبنانية ومقابلته لبعض أعضاء المجلس النيابي صدى لدى الرأي العام اللبناني، فسارع عدد كبير من الزعماء السياسيين والأدباء للدفاع عنها، كان منهم: انطون سعادة وأمين الريحاني، وقد تطوع الوزير السابق المحامي حبيب أبي شهلا للدفاع عنها أمام المحاكم اللبنانية، واستطاع إعادة حقوق مي زيادة المغتصبة، وقد شُكلت هيئة طبية قررت بأن حالة (مي) جيدة، وأنها بحاجة إلى راحة جسدية.

عودتها إلى مصر ووفاتها

عادت مي زيادة إلى مصر متعبة ومهيضة الجناح ومعتلة الصحة، وفي ليلة السبت 18 تشرين الأول أكتوبر أصيبت بخفقان وضيق في التنفس، وتوفيت في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي الأحد 19 تشرين الأول سنة 1941، ولم يعرف خبر وفاتها إلا قلة من معارفها، ولم يمش في جنازتها إلا أفراد قلائل، منهم خليل مطران وأنطون جميل وأحمد لطفي السيد، وبعد التشييع دفنت إلى جانب قبر والديها، وهكذا ذبلت تلك الوردة التي انتشر أريجها كنسمة الربيع في سماء الأدب العربي ومكثت ذكرى حياتها الحزينة مأساة يرتاع لها الضمير ويلتاع بها القلب.

الملحق ثقافي لصحيفة الثورة