رد على نزعة جبران خليل جبران التشاؤمية

 

هل الناس سطور كتبت، لكن بماء?!aaaaasdfghhhhhhhhhhhhfrfrfrf44.JPG


 

أجل، هل أخطأ جبران في قوله ان الناس سطور كتبت. لكن بماء?!

أليس هو سطر من هذه السطور?!


* * *


ان هذه النظرية، التشاؤمية، لا تتناقض وجبران المتمرد. الثائر ضد الإقطاعيتين المتحالفتين: السياسية والدينية وحسب، بل هي دليل على الاستخفاف بالمنطق. والتاريخ!

وحجتنا في الرد على نزعته التشاؤمية هذه، ان نعود دائماً الى سيرته المكافحة. وأدبه الثائر، الذي وضعه في مصاف الخالدين!..

فلو كان جبران سطراً كتب بماء، وهو واحد من الناس، لما كان هذا السطر المتألق في صفحات التاريخ... تاريخ الناس الذين يصنعون التاريخ!.

ولو كان جبران مصيباً في قوله، وحكمه القاطع لمحتْه الأيام منذ اللحظة الاولى التي فارق فيها الحياة، في مستشفى القديس (فان سانت) صبيحة العاشر من نيسان سنة 1931.


* * *


يقول عمر فاخوري، في الذكرى الاولى لوفاة جبران، سنة 1937 في بشرّي:

"لشوقي نصف الماضي، اما جبران فيكاد يكون بكليته في الآتي..."!.

هل ثمة حاجة للقول ان كلمة عمر هذه، هي أفضل رد منطقي. على الرغم بأن الناس سطور كتبت بماء?!


* * *


ويقول نعيمة في مقدمة كتبها لمؤلفات جبران العربية:

"وانك لتعجب لجبران الذي كان يؤلّه الانسان ويقول ان لا نهاية له... كيف يجري قلمه في يده فيخط: (ان الناس سطور كتبت لكن بماء)!..".


وتابع نعيمة قوله مشيراً الى ان جبران: "ثار مع نيتشه لا على الحكام والرهابين وحدهم بل على جميع الناس وتقاليدهم ومقاييسهم وموازينهم، وعلى الأسس الواهية التي اقاموا عليها صرح حياتهم...!".


وهكذا رأينا وبكثير من التعجب ان جبران أقدمَ، بدلاً من ان يطوّر تمرده في (الأرواح المتمردة) اندفع في ثورة غير ثورية. ضد كل الناس مستسلماً في كتاب (النبي)، أمام جبروت مشيئة تحالف الإقطاع الديني والسياسي في لبنان. وتحالف رأس المال الاحتكاري والكنائس التوراتية في الولايات المتحدة!..

هنا في ظل هذا التحالف كتب: انما الناس سطور كتبت لكن بماء!..

 

* * *


والآن، أراني أميل للعودة قليلاً الى ما كنت قد كتبتُه (في الروّاد في الحقيقة اللبنانية) (منشورات دار الباحث ودار النصر، سنة 1984). شغل جبران الناس وملأ الدنيا، وما زال يشغلهم ويشغل الأدباء معهم النقاد وغير النقاد، ويثير حماسة الطلاب وإعجاب المعلمين، على السواء).

وكان نعيمة قد نسي الأسباب والدوافع التي جعلت جبران يتشاءم ويدعو الى إلقاء سلاح النقد. والى الاستسلام فيقول في مقدمته التي ذكرنا:

"ثار جبران في بدء حياته الأدبية على الظلم الذي تجسد له في جود التقاليد والحكام وغطرسة رجال الدين في لبنان وانتهت ثورته تلك الى التصوّف والاستسلام"!

ونتساءل نحن: ولكن لماذا?..


يجيب نعيمة: ان "أقوى الناس شكيمة، وأبعدهم هدفاً، وأسماهم فكراً وأصلبهم إيماناً. تصدمهم حالات مادية وروحية صدمات عنيفة يميد لها كيانهم.. الا انه لا ينهار ...".


لكن قول نعيمة، الذي نطق به، في عزلته الشخروبية الحلولية لا يفي بالغرض، ولا يفسر السبب ففي الواقع، الذي يدل على الغاية والدافع: "ان جبران وجد نفسه بعد جهاد وجهد، وحيداً في ارض المعركة، لا تشد أزره جماهير واعية، ولا يدعمه حزب طليعي. وهو أصلاً لم يتسلح بنظرية علمية يشحذ بها سلاح النقد.. بل رأى نفسه غريباً في عالم حائر.. وضائع في الدروب.. فانبرى يخاطب قلبه طالباً منه ان يسكت لان الأثير المثقل بالنواح والعويل لن يحمل أغانيه وأناشيده!..".


* * *

 

لقد مضى زمن حرّم الأكليروس، علينا قراءة كتب جبران!

ثم اتى زمن آخر تغيرت فيه الأحوال والأهواء والآراء فصار الذين حرموا كتبه، متهمين إياه بالهرطقة والزندقة!.. يعظون الناس في الكنائس. مستشهدين بما كتب في الكتب التي حرموها!.


هنا، لا بد من العودة الى محاضرة الخوري (طانوس منعم) في المجلس الثقافي للبنان الشمالي (سنة 1983، سنة جبران العالمية)، قال الاب الذي كان جبرانياً: "لماذا انحسرت موجة التحريم والتشهير بجبران وأدبه، فأصبح وجه لبنان المميز بعد ان كان شيطانه الرجيم?".


وتابع تساؤله: "ألأن الموت قطع لسانه وغلَّ قلمه فأصبح ككل أديب عظيم، في حياته دون ما يستحق وفي مماته فوق ما يستحق؟ ام لأن كتاب (النبي) في مواعظه أصبح إنجيلاً يتلى في الكنائس. فهو مسيح آخر، وافدا الى الغرب من الشرق وفود فكرة الله، التي هي اولى هدايا الشرق للغرب?".


وقال الأبونا الذي غرَّد خارج سربه، فطاله التحريم: "ان من ينكر على جبران مواقف سياسية.. يكون ذا غرض مريض.. فهل يمكن الاديب الانساني الاّ تكون له مواقف من الانسان. ومن السياسات اللاعبة بمصير الانسان في اي مكان من العالم?".


ثم ذكّر ببعض مواقف جبران السياسية المتقدمة والجريئة كموقفه من ثورة اكتوبر في روسيا سنة 1917.


اجل، لا بد من الاشارة بل التأكيد ان جبران في سيرته وفكره جمع التناقضات.. جمع الشيء وضده في آن واحد!..


فلقد دعا الى التمرد، ويعني به الثورة من اجل الاصلاح والتطور. وفي ذات الوقت كان داعية الى حل التناقضات بالمحبة بين ظالم ومظلوم... وساحق ومسحوق.. بين غني، لا يشبع ولا يرتوي وفقير صلّى كثيراً: أعطنا خبزنا كفاف يومنا.. لكنه لم يحصل على أمانيه لا من الخبز يشبعه... ولا من الماء يرويه!


لكننا، نرى لزاماً ان نؤكد بأن أخطاء جبران كانت أخطاء إنسان شريف.. حمل على منكبيه ثقل رسالة الاديب التي يمكن اختصارها برغبته في بناء مجتمع جديد... ينتفي فيه الظلم والتجويع ومعهما الرياء الاجتماعي والسياسي.


* * *

 

والآن... دعني، أصارحك، يا قارئي: ان الذي دفعني الى كتابة هذا المقال ليست الرغبة في نفي السطور التي كتبت بماء.. بمقدار ما كان المحرض... هو الحاجة الى مواجهة ما نشهد اليوم من رياء سياسي ونفاق اجتماعي واستشراء التعصب الطائفي.. والداء المذهبي بروح من ثلاثة:

التمرد الجبراني متطوراً.

والمنطق الايماني متقدماً.

والتفاؤل الفاخوري وفياً!..