الملياردير المكسيكي اللبناني الأصل كارلوس سليم يجمع أعمال جبران خليل جبران

نهاد طوباليان
 

الملياردير المكسيكي اللبناني الأصل كارلوس سليم يجمع أعمال جبران خليل جبران

نهاد طوباليان

في الذكرى السادسة والعشرين بعد المئة على ولادته، وبعد مرور ٧٨ عاماً على وفاته، يعود النابغة اللبناني جبران خليل جبران الى دائرة الضوء مجدداً، عبر مجموعة جديدة وفريدة من أعماله المؤلفة من مخطوطات ومراسلات وملاحظات وأعمال فنية من المرتقب ان تشكل عنواناً لمتحف قيد الإنشاء في العاصمة المكسيكية - مكسيكو - كتحية يؤديها رجل الأعمال المكسيكي من أصل لبناني كارلوس سليم لنابغة لبنان، عبر جمعه مؤخراً أعماله وكافة أوراقه وأغراضه التي حفظها فترة طويلة ابن شقيقة جبران خليل جبران في منزله في مدينة بوسطن الاميركية.

 Carlos%26Gibran-002.JPG

المجموعة التي قد تشارك في احتفالية بيروت عاصمة عالمية للكتاب مطلع العام المقبل، بمبادرة ومشاركة من السيد كارلوس سليم المهتم بالثقافة، كان جزءاً كبيراً منها حتى الأمس القريب مجهولاً، ولا يعرف بمحتواها وعناوينها إلا قلة من المقربين لنسيب جبران المباشر. وأهميتها، انها تكشف وللمرة الأولى وجها آخر لجبران، ألا وهو جبران النحّات، وان كانت أعماله النحتية معدودة وتقتصر موضوعاتها على بعض الأشكال الهندسية والوجوه الالهية المنحوتة بالمرمر... الى ما تكشفه هذه المجموعة من أوراق وملاحظات ومدوّنات ومراسلات قد تعيد قراءة سيرة جبران من جديد، بمقابل وقوف المؤرخين والمهتمين بأعماله انطلاقاً مما تحمله هذه المخطوطات والمدوّنات على الظروف التي أحاطت كتاباته، وايضاً الاطلاع على مسودات كتابات كثيرة ومقاربتها مع النصوص النهائية...

وأهمية هذه المجموعة انها وأخيراً خرجت الى دائرة الضوء بعد أعوام طويلة من بقائها بعيدة عن التداول، محفوظة لدى ابن شقيقته خليل جبران في بوسطن، بعد متحف "سميا" الذي سبق وافتتحه في العام ١٩٩٤، مطلقاً عليه اسم زوجته. وبذلك، فان العالم على موعد مطلع العام المقبل مع عالم جبران، وما يحمله إلينا من جديد، قد يكون مفاجأة للجميع.

هذه المجموعة الفريدة التي تخضع حالياً لعملية فرز وتوثيق وأرشفة وفق عناوينها وموضوعاتها، كمرحلة اولى قبل ان تشكل عنواناً لمعرضين اثنين: الأول في شمالي العاصمة المكسيكية مكسيكو، والثاني في لبنان، قبل ان تحطّ رحالها في متحف خاص في مكسيكو سيتي، هي مجموعة قد تكشف او تكمل بما تحوي سيرة النابغة اللبناني، او قد تضيف جديداً على ما يعرفه العالم عنه وعن أعماله الأدبية والفنية. وما يدفع الى هذا الكلام، ان هذه المجموعة، وانطلاقاً من لائحة الجرد العام التي وضعت من قبل مديرة متحف "سميا" وفريق عمل متخصص، تتضمن أوراقاً وملاحظات ومخطوطات لكتابات ومسودات أولية لعدد من مؤلفاته، من شأنها ربما بعد عرضها ان تسهم في تسليط الضوء أكثر فأكثر على عدد من المواضيع التي بقيت عالقة وغير مفهومة من قبل كثيرين انكبوا على دراسة جبران.

كما وان هذه المجموعة الغنية بالعناصر، وفيما تكشف عن أعمال فنية سوف تظهر للمرة الأولى أمام الجمهور، تضم قائمة طويلة بالمراسلات المتبادلة بين جبران وماري هاسكل والعديد من أصدقائه من أعضاء الرابطة القلمية وأصدقاء آخرين من خارج الندوة الأدبية، وفي مقدمتهم من تربطه بهم أواصر القربى. كما وتخرج من هذه المجموعة الى عدد من أغراضه الشخصية، بطاقات وصور لعائلات جبران في بشرّي، وأخرى له في باريس حيث درس فيها الرسم والفنون. ولعلّ المفاجأة الكبرى في هذه المجموعة انبثاق وجه جبران النحّات. فجبران الذي تأثر بالنحّات الفرنسي اوغست رودان، يبدو من خلال لائحة الجرد هذه، انه كانت له محاولات في تحويل الخشب والحجر الى منحوتة فنية. وبذلك، اذا كان هدف رجل الأعمال كارلوس سليم من خلال مجموعة جبران إعادة إبرازه على الساحة الثقافية المكسيكية واللبنانية كاتباً معاصراً بهدف إيقاظ الذاكرة الجماعية التي أسقطته في المكسيك، وليذكِّر اللبنانيين بما سبق وقاله جبران ذات يوم: "ماذا يعني ان تكون لبنانياً وما هو لبنان"، فان ما تحمله هذه المجموعة من جديد مضاف ومكتشَف، جبرانُ النحّات.

وبانتظار ان تظهر هذه المجموعة الى دائرة الضوء معرضا منتظراً في لبنان قبل انتقالها الى موقعها في متحف جبران شمالي مدينة مكسيكو، فهي تضم انطلاقاً من لائحة الجرد العام، لائحة طويلة من المخطوطات والوثائق والبطاقات، صور فوتوغرافية، مراسلات، أغراض شخصية، والأهم تلك اللائحة بالأعمال الفنية لجبران الرسام. فماذا في تفاصيل هذه المجموعة انطلاقاً من اللائحة؟

مسودات ومخطوطات

تحت عنوان مخطوطات، تبرز لائحة طويلة وعلى امتداد صفحات عديدة، بعناوين هذه المخطوطات التي هي في الاساس وفق ما هو وارد في لائحة الجرد العام، انها مسودات كتابات جبران، بحيث نجد مثلاً:

·       مجموعة كبيرة من المخطوطات لكتبه: رمل وزبد، الهارب، المجنون، يسوع ابن الانسان، أرض الآلهة، الأعمى، اليعازار.

·       مجموعة مخطوطات لقصيدتين شعريتين، الاولى بعنوان اشتاق الى اختي والثانية هنا بين ذراعي باللغة العربية.

·       مجموعة أوراق تتضمن ملاحظاته الأصلية لكتابه يسوع ابن الانسان.

·       مخطوطات لمشاريع قصص.

·        أولى مخطوطات كتاب النبي باللغة الانكليزية، مصحّحة من قبل ماري هاسكل.

·       مخطوطات بعنوان دمعة وابتسامة، حدائق النبي، عين النبي، الأرواح المتمردة.

·       مخطوطات لكتابات من أيام معهد الحكمة - بيروت باللغتين العربية والفرنسية.

·       مخطوطات وأوراق تعود لزمن الدراسة عام ١٨٩٩.

اما بالنسبة الى الوثائق والبطاقات والمراسلات، فثمة كمٌّ هائل، منها ما هي عائدة لجبران، ومنها ما يخصّ شقيقته ماريانا. ومن بين هذه الوثائق والبطاقات – المراسلات:

·       بطاقات ومراسلات متبادلة بين جبران وكل من جرترود باري، فرد هولاند داي، مادلين ماسون، بارباتا يونغ، جورج عساف، روز معلوف، مخايل نعيمه، نسيب عريضه، جوزفين بريستون بيبودي، ماري هاسكل...

·       بطاقات ومراسلات شقيقته ماريانا الى اديل واتسون، وتير بينر ومخايل نعيمه.

·       مراسلات بين جبران ومؤلف غير معروف - يعتقد وفق الملاحظة انه كان عضواً في الارسالية اللبنانية المارونية في نيويورك، وتعد بالعشرات.

·       مجموعة شيكات مصرفية ملغاة، عقود، وصفات طبية، تليغرافات غالبها من مصدر واحد باسم الياس شمعون.

وتحت عنوان صور، تكرّ لائحة طويلة مرفقة بنماذج من هذه الصور، غالبها التقطتها عدسة فرد هولاند داي لجبران في مناسبات مختلفة. فإضافة الى صور جبران بورتريه ثمة مجموعة منها لجبران عازفاً على الكمان، وأخرى داخل محترفه النيويوركي وتعود في غالبها لسنة ١٩٢٠ ومن بين الصور هذه نجد صوراً لوالدته كميلة وشقيقته ماريانا، وجوزفين بريستون بيبودي - صور لجبران بعمر الخامسة عشرة، وصوراً له في بيروت وباريس معتمراً القبعة الفرنسية، إضافة الى صورة فريدة في مناسبة اجتماعية تجمع رابطة عائلات بشرّي في بوسطن. كما ويتضمن يوم جبران الخاص مجموعة صور لعدد من أصدقائه منهم: بيتر رحمه، جوليا أيزلوت فورد صديقة للرابطة القلمية الى صورة لجبران مع مارغريت كيروز، وأخرى مع أعضاء الرابطة القلمية وتضم الى جبران، مخائيل نعيمه، سلوم مكرزل ناشر الهدى النيويوركية، نسيب عريضة، رشيد أيوب، إيليا أبوماضي، عبد المسيح حداد ناشر السائح، أمين الريحاني، وديع بحوث، نضرة حداد ووليم كاستفليس.

وبموازاة هذه الصور وأخرى لمناسبة اجتماعية في فندق ماكمالاين النيويوركي، يضم الألبوم مجموعة صور لشقيقته ماريانا، وصور لعائلته في لبنان وفي إطارها: الجد خليل، والدته كميلة، وشقيقتيه ماريانا وسلطانة، مارون وعساف جرجس، تضاف اليها مجموعة صور لجرترود باري ووالدها التقطها - كما هو وارد - جبران بنفسه في منزل عائلة باري. كما توجد مجموعة بطاقات لوادي قاديشا، الأرز، أديرة لبنان، وصوراً لغابة الأرز، وأخرى لمدفن جبران في لبنان.

اما في مجال البطاقات العائدة لشقيقته ماريانا، فغالبها متبادلة بينها وبين كل من كورين روزفلت روبنسون، ناتالي سدويك. وهي تعود لمرحلة ما بعد وفاة جبران... كما وتضم المجموعة ايضاً لائحة ضخمة بمقالات ومقابلات صحفية مع جبران، وما كتب عنه بعد وفاته في الصحف الأميركية والفرنسية ولا سيما في لو جورنال دوديمانش، الاكسبرس، لوموند، لو بوان ومدام فيغارو.

حديقة جبران

وبالعودة الى المراسلات، فان اللائحة او المجموعة تضم كمّاً هائلاً من المراسلات بين جبران وماري هاسكل من الفترة الممتدة من العام ١٩٠٤ حتى تاريخ وفاته في العام ١٩٣١، يقابلها أوراق عائدة ليوميات ماري هاسكل وأرشيفها الخاص من العام ١٨٨٤ حتى العام ١٩٤٤، بما فيها مراسلات شارلوت تيللر الى ماري هاسكل من العام ١٩٠٦ حتى آذار ١٩١٩، وأخرى جرت بين ماري هاسكل وس. ج. أرمرسترونغ. وتحوي ايضاً المجموعة أرشيف جوزفين بريستون بيبودي ومراسلاتها المختلفة مع جبران. الى هذا، تضم المجموعة ايضاً الكتيبات التي وضعت لعرض أعمال جبران، وبطاقات دعوات لافتتاح حديقة جبران في نيويورك عام ١٩٧٧، وغيرها من النشاطات الاحتفالية المتتالية التي أعقبت وفاته، بما في ذلك الدراسات التي تناولت جبران في عدد من دول الشرق الأوسط.

لكن المجموعة الأبرز لجبران، فهي تلك المتعلقة بجبران الرسام، وهي كثيرة وتتوزع بين لوحات زيتية وأخرى بقلم الرصاص والفحم، بمقابل كمٍّ هائل من الخربشات والرسومات التي تعتبر محاولات او سكيتشات. وهذه الأعمال الفنية التي يعود تاريخ رسمها الى مراحل متفاوتة، بعضها تحمل في مضمونها بورتريه شخصي له، وبعضها الآخر لأصدقاء من بينها بورتريه لاديل واتسون، اليس رفايل ايكستين، ايندهيويت، مارغريت لي كروفتي، هنرياتا ساكس، ليونورا سبيير، مارون جورج، أمين الريحاني، ماري هاسكل، شارل اليوت نورتن.

الى هذه اللوحات الشخصية ذات طابع البورتريه، مجموعة أخرى تنضوي على مواضيع ذات بعد روحي مستوحى ربما من كتاباته، من بينها مثلا لوحات بعنوان "مناداة الروح"، "النرجسية"، "عصر المرأة"، "الروح بكافة أشكاله ونبضاته"، "الشيطان"، "علاقة الأم بابنها" وغيرها... الى شجرة عائلته، عائلة جبران... فيما قسم كبير من هذه اللوحات الزيتية ما خصّص لأجساد المرأة والرجل في بعدها الروحي المتعالي عن العري، في وضعيات متقاربة ومتلاصقة، وأخرى متباعدة.

اما اللوحات المرسومة بالقلم والفحم، فهي ايضاً كثيرة، وجميعها تتمحور حول خطوط الجسد في تعرجات، ووجوه انسانية وروحية، منها ما هو غير مكتمل الملامح... لكن جميعها الى جانب اللوحات الزيتية تشكل امتداداً لما سبق ونعرف من أعمال جبران هذه، فيما الجديد الذي تكشف المجموعة النقاب عنه هو المنحوتات. جبران النحات، وان كانت وفق ما تضمنته لائحة الجرد العام من نماذج صور معدودة، فن هذه المنحوتات، برغم صغر حجمها تشير الى أن جبران الذي تأثر بالنحّات الفرنسي أوغست رودان ترك أيضاً مجموعة من الأعمال النحتية: وجوه منحوتة في المرمر، أشكال هندسية ذات زخرفات ومنمنمات.

اما بالنسبة الى أغراضه الشخصية، فتضم المجموعة الى ثياب نومه، والعبايا، وعدد من القمصان وربطات العنق، والقبعات وكفوف للاحتماء من البرد، تضم مجموعة كبيرة من الولاعات، دخان السيغار، مرايا، طاولة، صندوق خشبي، كرسي، صوفا، مسبحة، لمبادير. لكن المميز في أغراضه الشخصيّة كوز صنوبر من أرز لبنان وناياً قد يجوز انه الذي أوحى له برائعته الشهيرة "أعطني الناي وغنِّ".

هذا باختصار ما تحويه مجموعة جبران النادرة والفريدة التي بقيت طويلاً محفوظة لدى إبن شقيقته خليل جبران الذي قبيل وفاته قبل سنة تقريباً، وافق على انتقالها الى رجل الأعمال المكسيكي من أصل لبناني كارلوس سليم إضافة الى مجموعة قيمة من الصور المقدسة، والأهم أعمال النحات الفرنسي رودان بحيث تعتبر المجموعة التي يملك سليم هي الثانية بعد فرنسا.

 Alanwar02.jpg