جبران بين نعيمه والحويِّك

المحامي ميخائيل عون
  

في تاريخ، أكثر الشعوب، أدباء يفرضون أنفسهم على شعوبهم.. فيحيون ذكراهم بأنفسهم، ويجددون ذواتهم في تاريخ شعوبهم.. وشعوبهم تجد ذاتها في تراثهم. كمن يكتشف قانون البقاء!.. من هؤلاء الأدباء الروَّاد: الريحاني، جبران خليل جبران، عمرg5y6jh6879089098909087654.JPG فاخوري، وميخائيل نعيمة!.. ولسنا نغالي، اذا ما أعلنا، ولو تكراراً، ان لكل من هؤلاء الرواد، سرَّه الخاص!.. الذي هو في أساس خلوده!.. ان لجبران سراً من أسرار الخلود.. وانه ما زال، رغم مرور خمسة وسبعين سنة على وفاته، مالئ الدنيا وشاغل الكتَّاب من عرب وعجم.. وشاغل النقاد والقراء في الشرق.. والغرب!.. ولا بد لنا، أمانةً للحقيقة، ووفاءً للتاريخ، ان نشير الى ان بعضاً مما كتب جبران، لو كُتب في أيامنا هذه، لمرَّ في تاريخ الفكر والفن، مرور من لا حظَّ له في تاريخ الفكر والخالدين.. ومع ذلك فما زال يلقى في أيامنا ترحيباً وتقديراً!...

* * *

بالأمس، وبعد مرور خمسة وسبعين سنة على وفاة القائل: (لكم لبنانكم ولي لبناني). قرأتُ كتابين مختلفين في موضوع واحد. الكتاب الاول، (جبران خليل جبران) وقد قرأته اكثر من مرة!.. والثاني: (جبران والحويك في باريس!)... وقد عثرت عليه، فوق عربة خضار!.. كأنه (أثر) في متحف...

* * *

عندما أصدر نعيمة، كتابه: (جبران خليل جبران) سنة 1937، اي بعد مرور ست سنوات على وفاة صديقه ورفيق عمره، اثارfwfwqrfwefwf34345t435gtw5r.JPG الكتاب ضجة صاخبة، فمضى على أثرها الكثير من الكتاب ينتقدون الكاتب والكتاب. وكان الريحاني في طليعة الناقدين لكنه لم يكن آخر المستنكرين لفعلة نعيمة الذي أتخذ من وفاة جبران مادة لبناء شهرته!..

يقول الدكتور طنسي زكَّا في أطروحته: (بين نعيمة وجبران): "ولكن، نريد ان نتساءل هل الذي كتبه نعيمة قد كتبه وفاء للحقيقة والتاريخ - كما يدَّعي، ام ان جبران بالنسبة له موضوع دسم لرواية فنية؟!"..

ويتابع الدكتور فيطرح السؤال الذي يفرض ذاته على القراء والكتَّاب على السواء: "هذا أولاً، ونريد ان نعرف ثانياً هل الذي كتبه نعيمة قد كتبه ليبين صراع جبران.. مع نفسه لينقّيها من كل شائبة، كما يقول؟"؟

سأترك الدكتور، يصارع من أجل الوصول بقارئه الى الحقيقة، الى حيث ينشط للتعليق على فصل: (خيالات بوسطن) في كتاب: (جبران خليل جبران) فيقول: "ان خيالات بوسطن هي ضرب من الخيالات"...

أولاً، ليس ثمة فتاة اسمها ميشلين، فهذا الأسم، يقول الدكتور: "هو تحوير لاسم ميسلين التي كانت امبراطورة رومانية وميشلين التي اخترعها خيال نعيمة، فهي شخصية خيالية أراد بها نعيمة ان يعيد الى الأذهان (مرتا البانية) ويعيد معها صورة ذلك الصياد الذي خدعها ونال مأربه منها وتسبب في سقوطها، وتعاستها وتعاسة ابنها منه. وكأننا به أراد ان يقول هذا هو جبران الحقيقي، الذي يعظ الناس ولا يتعظ".!..

ويؤكد الدكتور زكَّا في ما يرى حول كتاب (ذكرياتي مع جبران): بأنه يتعارض مع كتاب نعيمة ويلتقي مع (بربارة يونغ) في تمجيد روح جبران وعبقريته مما دفع عيسى الناعوري الى القول: "ان في كتاب الحويك كثيراً من الإنصاف لجبران"!..

ثم اضاف قائلاً: "وهناك كثيرون كالريحاني وفيلكس فارس يجدون في كتاب نعيمة ما يؤلم النفس ويدل على أنانية مؤلفه الذي أراد ان يبني شهرته الخاصة على أنقاض، وسمعة صديقه ورفيق دربه وعمره!".

ويقول الحويك، أو تقول أدفيك شيبوب بلسان الحويك: "قالت لي روزيتا: جبران يا سيدي أمير لطيف ومهذب، لم يبدر منه ولا مرة حركة أو كلمة غير لائقة".

وقال: "ان جبران خاطبه مرة قائلاً له: "انا فخور بك، لأنك برهنتَ انك شهم ولبيتَ نداء العقل لا القلب وليس سهلاً ان ينتصرefwfwfwefwfefe444444r43543233.JPG العقل على رغبات الجسد"!..".

هكذا، خاطب جبران، الحويك، لأنه لم ينجرف مع رغباته وشهواته، في علاقته مع (أولغا) الروسية.

جبران بريشة يوسف الحويِّك


وقال يوسف الحويك، وهو يعني بقوله نعيمة: "لم يكن جبران (دون جوان) كما يزعم البعض"!.. لقد ترك (روزيتا) تقبله من دون: "ان يجرؤ على اعادة القبلة"!..

ان هذه الشهادة تكفي لتكذيب رواية نعيمة عن حبَل ميشلين من جبران سفاحاً.. ثم تخليه عنها كأي مخادع، يغدر بفريسته!.. كما فعل ذاك الصياد (بمرتا البانية!)..

وفي مطلق الأحوال، نتساءل (استناداً) الى الشواهد التي تؤكد ان جبران كان (لطيفاً، ومهذباً، وشهماً، لا يستغل مشاعر امرأة ولا عواطف فتاة مراهقة مثل (ماريتا لوسن) التي كانت (موديله) مدة ثلاث سنوات).. وكان ممكناً له، وهي التي كانت تجلس في محترفه عارية كي يرسمها، كما هي، عارية كالحياة.. أن يفعل ما يشاء!..

فهل يمكن لمن كانت هذه صفاته ان يغدر بميشلين على نحو ما ذكر نعيمة في كتابه جبران خليل جبران؟..
وهنا نكرر السؤال الذي طرح أكثر من مرة: هل ميشلين هذه شخصية حقيقية؟.. ام هي من صنع خيال نعيمة؟!..

ثمة أكثر من باحث في سيرة جبران أنكر وجودها وأكَّد انها شخصية وهمية، أوجدها نعيمة لأهداف مشبوهة!..

أما المرحوم رياض حنين فيؤكد في كتابه: (رسائل جبران التائهة) ان ميشلين هذه وجدت فعلاً وكانت تدعى: (اميلي ميشال المعروفة بميشلين) - ص 12 –

لكن (روبن ووترفيلد) الصحافي والباحث الاميركي.. قد فاجأنا بكتابه: (جبران، نبي عصره) اذ نشر صورة لامرأة قال انهاfwfefwf567898765434567.JPG ميشلين.

لكن ميشيلين هذه، تثير في كل من قرأ كتاب نعيمة الشكَّ والريبة. فهي في الصورة تختلف عما صوَّرها. ميخائيل نعيمة، الذي وصفها بأنها ساحرة المال، سحرها لا يقاوم.. وشعرها الأشقر يكهرب من يلمسه.. فيما هي، حسب صورة، روبن ووترفيلد امرأة عادية جداً، لا سحر.. ولا جمال أسطوري!..

ولكن، سواء، أوُجدتْ فعلاً، أم لم تكن أبداً.. سواء أكانتْ معشوقة نظرية.. أم كانتْ من لحم ودم.. فان ذلك لا ينفي الصفات الطيبة التي ذكرها الحويك في مذكراته والتي تمحو من التاريخ ما أراد نعيمة ان يلحقه بجبران.

egsevegbvsdfgsfjklljjjj.JPGومما يعزِّز نقدنا ونقد سوانا ممن تصدَّى لما كتب في كتابه: (جبران خليل جبران)، انه تراجع عن تلك المحاولة الخبيثة وقد دوَّن تراجعه في مقدمته للأعمال الكاملة.. وفي مقالته: (حدَّثني جبران)(1) في كتاب: "في مهب الريح" وفي ما كَتب عن جبران، في كتابه: (سبعون) - سنة 1959 - ويبقى الفضل الأكبر، في إعادة الإعتبار للحقيقة الجبرانية لكتاب: (جبران والحويك في باريس) ولمبادرة أمين الريحاني الذي كان المبادر في انتقاده (لأنانية نعيمة)...

* * *

وبعد!..
وعلى افتراض، ان ما كتبه قديس الشخروب وشفيع الأدباء في فصل: (خيالات بوسطن) هو عين الصواب والوفاء للحقيقة. فان ما كتبه جبران في رسالته الى جميل المعلوف سنة 1908:
"ثم نعود الى البيت.. ونكتب عن الحرية والإستبداد لنكون من المساعدين على هدم الباستيل القائم في كل بلدة في الشرق"(1)..

أجل، ان كلمته هذه، التي تدل، ولا ريب، على تصميمه وإصراره. في وقوفه تحت راية الحرية، كفيلة ان تمحو ذنوبه، وذنوب كل من شاركه في تصميمه وإصراره!..

وفي الختام، ولا بد من هكذا اختتام، أراني أردِّد من جديد ما قال عمر فاخوري سنة 1947، في أول ذكرى أقيمت في بْشرِّي إحياء لذكرى جبران!..

قال عمر:

"هل نحن في عصر أحمد شوقي أم في عصر جبران خليل جبران؟... شوقي مَلَكَ نصف الماضي. أما جبران فله الآتي بكامله!..".

نعم، هنا سر عودتنا الدائمة الى جبران الذي شهر سلاح النقد ضد ظلم الإنسان للانسان!...

(1). رسائل جبران التائهة - ص 42 - تأليف رياض حنين –

avfrgfarefwrfgrthbrfyhyrtdhrt.JPG