خمسة نصوص شعرية لمرزوق الحلبي

قرأها 5
 

خمسة نصوص شعرية لمرزوق الحلبي *

تلك اللؤلؤة !

تعبتْ من الكثبان قافيةُ القصيدةِ

وتجاوزت كلّ القصائدِ نصّها

تبغي انعتاقاً من قيودِ الوزن.

لم يبق معنى في عِبارة.

لا سهم يترك قوسَه، لا صيحة للنصر تعلو،

لا أعنّة، لا غنائم، لا سبايا

تاريخنا زورٌ وبهتان

مُذ غاب حرف الضاد وشماً عن تقاسيم الحضارة.

سلمان  عاد إلى الخفاء.

وجه أضاء رمالنا دهراً وأهدانا الإشارة.

عقل يُكوثِر عقلنا، يتلو علينا ما تيسّر من تراتيل البشارة،

حفَرَ الخنادقَ حولنا، شادَ للأنصار أكثر من عمارة

أوحى لنا درب الخلاص، وما خلصنا

تُهنا على الرملِ، تسكّعنا سكارى.

كلّ غيّ فينا يبغي أن نبايَعه نبيًّا أو إماماً، أو نولّيه إمارة.

سلمانُ عاد إلى الخفاءِ وما شعرنا بالخسارة.

أنشعر؟

والعمرُ غايته النبيلةِ فضّ أغشيةِ البكارة؟

ألفية أخرى على الباب سؤال،

وللسؤال الحرّ هيئة البركان يوشك أن يثور.

والقول فصل لا استعارة.

يومنا خمر. والغد خمر ورقص وقيان أدمنت فعل الإثارة.

لا جدوى من نحر القعود أو السموأل إن وفى.

فالمسرحية علّقت ديكورها وأطفأت الإنارة

وأغلقت للمخرج بابَه

وأسدلتِ الستارة.

تعبتْ من الكثبان قافية القصيدة

وتجاوزت كل القصائد نصّها

تبغي انعتاقاً من قيود الوزن،

لم يبق معنى في عبارة.

فقد النخيلُ سموّه ودنا من الأرض يخبئ تاجه.

لا الثريّات تدلّت من سعفْ

ولا ظلّ تحمله القوافل، لا حداء ولا حرير ولا توابل ولا تجارة.

ما كان في ذات العماد، ذات يوم،

طار في الريح غباراً أو حجارة

صار أبو النوّاس شكلا للحياة

وللممات،

وللصلاة.

وصلاتنا عدمٌ على عدم، لا نسغ فيها ولا طهارة.

غُيّب الوهج البهيُّ، ففاتنا وجه النبيّ.

فخذ ما شئت من سُوِر الرثاثة والرصاصة

صُوّبت بعنايةٍ للعقل.

والعقل جوهرة الحياة

ولؤلؤة المحارة.

نيسان 2006

*****

اختلافات

1.

وأراك تشرب قهوتكْ

كي يبدأ يومك في مكان وطِئتَه

وكي يطيب لك الزمان

وتراني أحفظ قهوتي لغةً

كي يظلّ لِِيَ المكان

2.

يُطلّ عليك القمر

ظاهرة في الأعالي أو كوكباً في السماء.

ويطلّ عليّ أنيساً

بعد أن رميتَني في العراء.

ويدخل من ثقب خيمتي رغيفاً لوجبة العشاء.

3.

تُعلي المدائنَ فوق أرضي

تحسب المكان عقاراً وتنشدُ المريخ.

وتضبط الأمور وفق الخرائط.

وأُعلي ذاكرتي سؤالاً حاضراً

وأشعل عند بابك حكمة التاريخ.

4.

أتيتَ لي نفيا

أتى على كل القناطر والبيادر والنخيل.

ورويت أنك فوق سطح الكون معجزةً

أو صدى للمستحيل.

وبقيتُ رغم النفي ظلاّ  لحيفا

وصدى السُمرة

وملّةً في الجليل.

5.

وضعتَ حارساً في باب كل نجمةٍ

وسدَّدتَ ناحية الأفقْ.

قنصتَ مني الجهاتِ

وحظرتَ على لغتي التجوّلَ في الحواريَ والطرق

ففتحتُ بابَ السرّ

ليفلت منه الكلام وشماً على عُنق

6.

تصير الطبيعة في عُرفكَ

محميةً أو رحلةً في مسارْ

أو صورةً في الردهةِ

أو مشهداً معلقاً على الجدارْ

وأصير في الأرض ملحَ الأرض

ولونها وطعمها والبهارْ.

7.

تقول لي  هلاّ ذرعنا الوقت من صبح،

فما تأخر منه شراكة مؤجّلة بيننا

وغابات زمرّدْ.

وأنك، بعد ضياع العمر، لا تُطيق التفرّدْ.

وأقول لك أن الزمان الذي بيننا غيرُ محايد

عصيّ على المحاصصةِ والتجرّدْ

كانون الثاني 2007

*****

لغة الغريب

1.

لا أفق للأفق

والمكان سدّت عليه لغة الغريب جميعَ الجهات

كلّما راودتنا حرّيةٌ مرتجاةٌ

أغلقت المدنُ أبوابها وحاصرتنا الزقاقات

لغة الغريب باغتت منا الطفولةًَ

ومطالعَ القُبلات

وجرّحت وجه الأماسي

وعكّرت صفوَ الصباحات

2.

لغة الغريب قواعدها من الأسلاكِ

وخلفها حرّاسها

بنادقهم صوب السماء

لئلا تمرّ العصافيرُ

لئلاّ يمرّ الغمام

تُمسك المكان من خصره

فلا المكان متاحاً ولا يطيبُ المقام

أفعالها مفتوحة الأبواب للغرباء

وموصدة للمقيمين

كي لا يطلقوا الأماني خفافاً

كي لا يعتقوا الأحلام

3.

لغة الغريب حروفها صواعق

تقبض الحنينَ في بيوت الغائبين

وتنسف العتبات

فلا يمرّ العائدون في مدار الذاكرة

ولا يهتدون إلى لحظة من بنفسج

في ظلّ دمعة حائرة

ولا يطير السنونو في فضاء الأماني

ولا تناهت شهقة الغمامة الماطرة

ولا أورق الليمون في موعده

من لغط العابرين في اللغة العابرة

4.

لغة الغريب فخّخت مواعيدنا

عقرت عقارب الساعة

فغاب المكان في ثنايا الزمان

مدبّبة الحروف تهادت في المدى خببا

أعاقت خطونا ردحا

ورمت أوقاتنا خلف الحدود

في الشام، في بيروت، في عمان

مزّقت وجودنا المنسوج من زمن ثلاثيّ

وجرّحت في مهدها زهرة الرمّان

5.

لغة الغريب نشرت حواجزها

في كل منعطف ومطرح

ترصد الترادف في ضحى الأسماء

تصنّف الأفعال بين القلوب

وبين العقول

تدقّق هوية الفاعل في كل فعل،

ناقص أو معربٍ

أو ما انبنى في سنّة المجهول.

تسأل النجوم عن المُضمر في جماع الحروف

وخصائص الضاد،

وعما اختفى بين اشتقاق وبين الأصول

6.

لغة الغريب بثّت روايتها في كل ناحية

حيث شاد الأولّون قناطرهم

ومن قصائد عشقهم رسموا التخوم

صداها في روايتنا،

في حبرنا ودواتنا.

تُسدل الليل على أطفال حارتنا

تُطارد ما ألفنا من فراش

ويمامات الكروم.

مُذ وقّعت لغة الغريب في صدر صفحتنا

استعصت الدنيا على القرّاء

وأفلت الوجود من ناموسه

فغيّرت من سيرها كواكب

واختفت نجوم.

دالية الكرمل/حزيران 2006

*****

هذا المكان لي*

هذا المكان وقع كلام

يعدّ نجوم السماء ونخل الفلاة

ويُحصي كم من الطير في كل سرب

وكم من الفصول تتلو الفصول.

هذا المكان جماع الحروف،

ترسم الحدّ على الحدّ

بين الفروع وبين الأصول.

هذا المكان

عطور بغير قارورة أو شارة مسجّلة

تدني إليّ عيشتي ونزوتي المؤجّلة

تُعطي الليالي حكاياتها

وتُهدي قصص العشق بداياتها

وتنظم الحبّ في السنبلة.

هذا المكان توابل بلون القرنفل

تُعطي للقلب معاني شتى،

نثار النيازك ونار البنادق ولمع البيارق

خفقاً على كل المقامات

يُدوْزن السير على سواء السبيل

ينشد الغبطة في الأعالي

ويقتفي أثر الإله في العناق الطويل.

هذا المكان صداقة الحارات

وهمس العذارى في الأزقّة

يودّعن العروس من جنّة الحناء نحو سرّ الجسدْ

وصبية يطاردون الفراش

يراعون ألوانه ويضبطون العددْ

هذا المكان تذكار زمان

تزاحم صورا على صور كلما نأى وابتعدْ

هذا المكان أغنية تتسع لانتشاء الروح والأمنية

تطالعنا من هالة الجدّة،

من وشي أردية على مرآتها.

من رنّة المفتاح معقود في جديلتها

من صلاة الفجر والأمسية.

في وشم معصمها حكايات المكان

وقافية الأهازيج ورتم الأغنية.

هذا المكان صرختي الأولى

تدوّي في بداياتي

كفني يبيّض لي مماتي

لغة

ستورثني وتورثكم تفاصيل حياتي.

حيفا/شباط/2004

*****

حرية!

أشقى كيْ تكوني حرةً معي

تكتبين الروايةَ حتى آخرٍ الحروفِ

على ضفاف اللغاتْ

وتسكبين الحبرَ جزافاًً

في ظلالِ المدى..

وأشقى كي تكوني حرةً مني،

من صدى الصوتِ ومن رجعِ الصدى

من ليلِها، ترحل النجومُ تِباعاً

ومن فجرِه، يطيرُ الندى

فاقطعي حبالَ المراسي التي تعرفينْ

وتلكَ المراسي التي لا تعرفينْ

فكلُّ ما في المعاني وخلفَ المعاني

مضى وانقضى.

واحملي السؤالَ وكلَّ الخطايا

زادَك الوحيدَ إلى نقطةِ المُبتدى.

صمت!

وأعرف الآن أن الصمت بيننا

فسحة لاحتمالات مفتوحة العددْ

وموج يرسم على الشطآن حقول الزبدْ

صمتنا نجمة زادت عن حاجة السماءْ

أو غيمة نأت عن حدود الشتاءْ

لا همّها الموسم

لا راعها أحدْ

صمتنا لغة

اليمام على سطوح الغمامْ.

صمتك نعس على كتفي

وصمتي صلاة كي يطيب المنامْ.

أحاور الصمت نصَّاً يدحرجُ

أمامه بعض المجاز وفتنة الاستعارَة

وينبني في ذاته شرنقة للحريرِ

ونجمة في محارة.

صيف 2006

* شاعر وكاتب وناشر - ناشط في مجال حقوق الإنسان من فلسطين