معين حاطوم الكرملي – قامة شامخة شعراً, رسماً، فلسفة, وعشقاً للموسيقى الإنسانية الخالصة

بيان غضبان قرأها 5
 

قراءة في شعر "معين حاطوم"

"معين حاطوم الكرملي قامة شامخة شعراً, رسماً, فلسفة, وعشقاً للموسيقىالإنسانية الخالصة".  

إبراهيم مالك – كفر ياسيف

هذا ما خلصت إليه بعد أن فرغت, في الأيام القليلة الماضية, من قراءة المجلس الأول من"ديوان العشق والإدراك" والكتاب الفلسفي "فلسفة وألم" لمعين حاطوم, ابن دالية الكرمل, وقصدت توكيده في عنوان المقالة, الذي يبدو مطولاً, وذلك تيمناً وانسجاماً مع القول الشعبي "يُقرأ المكتوب من عنوانه" وقد ألحّ على نفسي سؤال: كيف جرى أنني لم أعر الكاتب معين الاهتمام الفاحص, الاهتمام اللازم والمنقب عن جماليات وتنوع ما يكتب, في الماضي القريب والبعيد؟ وعدت إلى الذاكرة, لأتذكر ما كتبتُ من نقد في جريدة "الإتحاد" الحيفاوية, التي كبرتُ فيها وأكسبتْني تجربة حياتية ومعرفة, وفي أسبوعية "فصل المقال"، التي عملتُ لسنوات في تحريرها ونقَّت عقلي من كثير من الزوان الذي علق به, والمجلات الأدبية كـ"مشارف" و"مواقف" و"الكواكب" و"الشرق" وغيرها, فأدهشتني حقيقة موجعة أن الناقدين المحلين, وهم كثر, لم يظهروا اهتماماً لازماً وكافياً,سلباً أو ايجابا بما يكتب.

حين فرغتُ من القراءة الأولى والسريعة, لكن المتأملة والمتمعنة, شعرتُ أن ما يكتبه كاتبنا ليس من المألوف والمتبادل في معظم ما تقذفه حركتنا الأدبية المحلية, شعراً ونثراً, من غث أو سمين إلى سوق الطباعة المأزوم أصلاً. فهو يرقى إلى مستويات فكرية وشحنات شعرية عرفتها عند الشاعر اللبناني الرائع, ذي النزعة الفلسفية, جبران خليل جبران وعند الفيلسوف الشاعر الألماني نيتشه. وقد شدني كتابه " خطبة فلسفية- فلسفة وألم"  فظهر لي معين واحدا من الذين يتوخون بهلوساتهم ودهشتهم الواعية البحث عن حقيقة الوجود الإنساني , بكل تعقيداته وحقائقه الخبيثة, وعن الحلم الإنساني بعالم تسوده سعادة البحث الدائم عن كمال. قد يتفق المرء العارف أو يختلف مع الكاتب حاطوم, إلا أنه يشعر باحترام كبير للكاتب وهو يتناول بأسلوبه السهل ولكن الممتنع, الشيق والمرصع بأمثلة ناطقة, يتناول مسائل فلسفية ملحة وهامة, أشغلت القليلين في عالمنا القديم والحديث ممن نذروا وجودهم وعقلهم بحثاً عما يمكن أن يوصل إلى مزيد من سبر غور هذا الوجود, البسيط في مظهره, لكن شديد التعقيد في حقيقة  مسائل مثل الألوهية ومفاهيم مثل الإبداع, الخلق والصنعة, والماهية والشكل والمظهر..  علة الوجود وغايته (نشدان الكمال) والعلاقة بين السبب والنتيجة وغير ذلك من المسائل.

والكتاب "فلسفة وألم" كُتِب بلغة تنبض شعراً. ولا غرابة في المسألة، فالشاعر الحقيقي لا يكون مبدعاً إن لم يعرف ويحسن الجمع السليم في خافقيه وعقله بين الشعر والفلسفة والشعر والرسم وبين الشعر والموسيقى الخالصة, لا الضاجة والتي تمتلىء بها أعراسنا اللاعقلانية والمزعجة. وقد ملأتني دهشة وفرحاً هذه المناجاة التي همس بها لروحه (صفحة 40 و41 ), فهي نوع من المناجاة, تذكرني بروائع الشاعر الهندي الشهير طاغور وهو يتحدث إلى حبيبته, أمه الطبيعية ومعشوقته الإنسانية التي لا تقل عن الطبيعة جمالاً, دعة وسحراً.

حين فرغت من قراءة عمله الشعري الجديد (ديوان العشق والإدراك) ظهر لي, لأول وهلة, أن معين يحاول إنجاز عمل شعري, يمكن وضعه في مصاف الأعمال الخالدة الشهيرة والمعروفة لدي , مثل ديوان الخليقة السومري وديوان الشاعر الأغريقي اليوناني القديم, هسيود, وقصة الخلقية التوراتية المستوحاة من ديوان الخلقية السومري وغيره, مثل "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري و "الفردوس" المفقود لميلتون الأنجليزي و"الكوميديا الالهية" لدانتي الإيطالي.

وقد كشف لي قراءة ثانية, أكثر دقة وتأملاً, أن فهم معين الفلسفي، أفلاطوني الهوى, يقصر عن ذلك الطموح المشروع. فهذه الفلسفة ثبت أنها غارقة في المنطلقات الميتافيزيقية الغيبية ولن تقدم تفسيراً قريباً للحقيقة ومقبولاً على العقل الإنساني النيّر, المنقب والمدقق, لكن ذلك لم يغير قيد أنمله من قناعتي القارئة أن معين قامة شعرية شامخة, يغرف شعره من منجم شعري, غني اللغة, ملونها، عميق الخيال وعاشق ذي نزعة فلسفية متسائلة.

شعرت من تسمية الديوان وكثير قصائده أن معين شاعر صوفي في حقيقته, وقد سألت نفسي عن مصدر وسر هذه الرقة العاشقة والمتخيلة, التي لم أجد لها شبهاً ورديفاً في شعرنا المحلي, التي تفيض حناناً عاشقاً وموسيقى آسرة حين يختلط على الشاعر عشقان ألوهيان يراهما الأول ممثلاً بروعة خالقه والثاني ممثلاً بروعة معشوقته الإنسانية والتي غالبا ما تكون وليد خياله الجموح.

وكم تمنيت, وأنا أقرأ أكثر ما في الديوان المذكور من شعر, لو أن معين اختار بعض قصائد الديوان واكتفى بها, فأعاد نشرها, لكان أتحف حركتنا الأدبية والشعرية بشكل خاص بشعر هو الأعذب والأرق وهو الباقي, ولو أني أوقف في الفصل بين منطلقي "العشق" و"الإدراك" فالعشق محتمل, معاش حقا ومتخيل, أما "الإدراك" إدراك سر الكون – فمسألة غير متاحة بالأدوات الفكرية والعقلية المتوفرة, حاليا على الأقل. وهي ممكنة فقط بالتخيل الغيبي والميتافيزيقي، ويجمل بمعين لو تفكر في ذلك قليلا.

وسأكتفي إلى قصائد, يضمها الديوان للدلالة على ما أقول, ويمكن العودة إلى الديوان لقراءتها كاملة:

"امرأة تسحّ على شفتي الهوى – أيتها الأنثى المستعمرة - من صفحة 25 وحتى صفحة 27",

"النفس اللاهية بمفاتنها ص.29,

المقطع الذي يقول: أراها كلما شع نور ... في قصيدة" كأنها ظل لقلبي ص 33,

المقطع الشعري الذي يقول: أْتوني برضاب عذراء أكتب به حروفناً أبجدية .... أْتوني بحب, اتصهر فيه حتى التماهي، وينصهر فيَ حتى التوحد, دون أن نتشوه, دون أن نتغير, ودون أن تذوي فينا, أحلامنا الوردية... ص76 و ص77.

وما أجمل ما يقول: "صوت: أيها الطير, شدْوُك كصوت حبيبي, أيها الطير ينقصك حبيبي, أيها الطير ينقصك حبيبي ...

"أو حين يقول : "صوت: أيها الزورق شراعك يرفرف, كأهداب حبيبي, أيها الزورق تنقصك الأمواه كي تبحر, أيها الزورق ينقصك حبيبي... "ص81  و82 .

وكم تعجبني هذه الفكرة الموحية والمختزلة في قصيدة "قال الكرمل":

"قال الكرمل: ويحك أيتها الوحدة, قالها وبكى ..."ص135.

والديوان مليء كذلك بنفحات فلسفيية, صيغت شعراً بصورة موفقة, مثل قوله:

"في البدء لم تكن الشمس لم يكن القمر, لم تكن النجوم, كان الكمال, الغارق في لا شكله, وكانت عيناك ...ص41".

أو قوله:

"آتيك بالسر الأعظم ... آتيك بسر الأسرار, بأصل الصيرورة, فالكون حي وروحه واحدة, والأنفس متباينة, الحب واحد, والقلوب متشابهة..." ص63.

والحقيقة أن صفحات الديوان، وعددها 440 صفحة من القطع الطويل، مليئة بالقصائد والمقطوعات المذهلة بجمالها الشعري ولا يتسع صدر هذه المقالة لتعدادها, فهي مقتضبة ومعدة لجريدة سيارة. معين حاطوم الكرملي, في نظري, يستحق أكثر من التفاتة سريعة ومتفحصة وأعتقد جازماً أنه سيكونه أحد القليلين, ليس فقط في حركتنا الأدبية المحلية, ممن سيكون لهم شأن في مملكة الشعر والفكر الإنساني, أن كان ثمة مملكة كتلك.