الإلغـــاء

عطية مسوح قرأها 6
  

كثيراً ما يصاب الباحث بالإحباط، ويهيمن عليه الإحساس باللاجدوى. فالدعوة إلى الحوار العقلاني الحضاري القائم على التواصل مع الآخر، تتهافت بين آن وآن وما أقصر بين الآنين، حين تصطدم برعونة السلوك السياسي والعملي لأطراف تتنازع على أبسط (المكاسب) وتتصارع بأبشع الأساليب، وتتهاوى شعاراتها حين توضع على محك التجربة.

كل يوم يجد المواطن العربي مسوّغاً لطرح سؤال صار تقليدياً:

هل العقل العربي عقل إلغائي حقاً؟

ويتساءل أيضاً:

هل تحتاج البنية العقلية العربية إلى تغيير جذري؟

وهل ذلك ممكن؟

أيسير مجتمعنا العربي إلى الأمام تحدوه جهود دعاة الديمقراطية والعقلانية والتحديث، أم إنه يراوح في مكانه ولا يسير إلا نحو السراب؟

إن تجربة العرب في العصر الحديث تقدم الدلائل على أجوبة غير مرضية، فهي ـ بمعظمها ـ تقوم على الإلغاء، إذ ينظر كل طرف أو حزب أو زعيم إلى الآخر المختلف بوصفه عدواً لا بد من التخلص منه، ويصوغ علاقته به على هذا الأساس، ويتربَّص به حتى تحين له فرصة البطش، فيكشف عن نزعة ذئبية كامنة تحول الآخر إلى ضحية أو فريسة.

ولا تقتصر نزعة الإلغاء على القوى المتضادة في مصالحها وأهدافها، بل تمتد إلى أطراف (الخندق) الواحد، بل إلى الألوان والتيارات داخل الحزب الواحد حين توجد، فتضيع الأهداف بين أقدام المتصارعين، ويضعف الجميع في معمعان المعارك الإلغائية، ثم يشكون الضعف ويردّون تأخر الأمة وهزائمها إلى (أسباب خارجية) هي تآمر الاستعمار والصهيونية ودسائسهما.

العدو الخارجي موجود، وهو يتآمر ويدسّ الدسائس، لكن ذلك لا يجدي إلا في مناخ الهشاشة والتخلّف، وفي حاضنة العقل الإلغائي والاستعداد للتعامل مع ابن الوطن المختلف، لا بوصفه مواطناً ذا رأي واجتهاد ودور، بل بوصفه ضالاً أو مزاحماً خطيراً ينبغي سحقه.

هذه حالنا منذ مئات السنين، وهي حالنا اليوم، يثبتها ما يجري على الساحات العربية المختلفة، الحارة والباردة، المحتدمة والهادئة، ويثبتها سوء التعامل مع الآخر في كل البلدان العربية، وتؤكدها مواقف السلطات العربية من معارضيها، ومواقف المعارضين من السلطات، ومواقف بعض الأحزاب من بعضها الآخر، ولا نبالغ إذا أسقطنا ذلك على كل المستويات في حياتنا السياسية والاجتماعية والفكرية.

ويأخذ الإلغاء صيغاً مختلفة، فقد تسعى فئة إلى احتواء فئة ووضعها تحت جناحيها ماسحة شخصيتها المستقلة، وقد تسعى الجهة الأقوى إلى تهميش الآخرين الأقل قوة، ومحاصرة نشاطاتهم، لتستأثر هي بالساحة وتدير الدفة، وقد يأخذ الإلغاء أخطر أشكاله، وهو التصفية، فلا يُبقي مَن تتوفر له القوة أحداً في طريقه، ولا شريكاً له في المزرعة التي يسميها وطناً، إلى أن يضعف هو ذاته وتتحول الموازين في غير مصلحته، فيُسحق هو الآخر أو ينوء تحت سطوة قوة طاغية جديدة.

ولعل نزعة الإلغاء هذه، هي أهم العوامل التي تجعل العقل العربي قاصراً، والمجتمع العربي هشاً، والتخلف العربي راسخاً.

من هنا، فإن ثقافة قبول الآخر هي ما ينبغي أن يروّجه كل عاقل عربي، ولعل كل خطوة في ذلك، هي نقلة في طريق النهضة وحل المشكلات القومية والاجتماعية.

متى نتعلم أن قيم المواطنة هي أساس نهوض المجتمع، وهي الحضارة ذاتها؟

متى نتعلم أن الاختلاف والتنوع حقيقة موضوعية، وأن الآخر المختلف مكمّل لا بد من وجوده، وأنه الوجه الآخر الضروري لنقيضه، الذي لا يزول إلا بزواله؟

متى نبني مؤسساتنا وأحزابنا على مبدأ قبول الآخر؟ ومتى نقونن ذلك كي يغدو التنوع في المجتمع، وداخل كل فئة أو حزب من أحزابه، حقيقة حضارية ومصدر غنى وتقدم؟

متى يقبل اليمينيُّ اليساريَّ، واليساريُّ اليمينيَّ، وتتصارع الأحزاب المتنوعة صراعاً حضارياً دستورياً؟ وتتفاعل التيارات والألوان داخل كل حزب وحركة؟

متى تقبل الطائفة غيرها من الطوائف، وأتباعُ دين ما أتباعَ دين آخر؟ بل متى يقبل المؤمنُ الملحدَ والملحد المؤمن؟ ويُترك الحساب على الصواب والضلال في ذلك لرب العباد. .

متى.. متى.. إنها أسئلة الضيق إزاء اقتتال عربي هنا وهناك، وتصفيات مهلكة هي أسوأ أشكال النزوع الإلغائي.