ساحة الأدب تودِّع الأديبة سلمى الحفَّار الكزبري (1922 – 2006)
|
ودَّع ذوو الأديبة السورية سلمى لطفي الحفَّار الكزبري نهار يوم الجمعة 11 آب/ أغسطس 2006، فقيدتهم الغالية بحزنٍ صامتٍ غلبه الحزن العامُّ الصاخب الذي للأديبة والروائية السورية، ابنة دمشق، وابنة العَلَم الوطني في تاريخ سوريا إبَّان حقبة الاستعمار الفرنسي، السياسي اللامع لطفي الحفَّار، مكانةٌ كبيرة في الأدب الروائي السوري وفي الحياة الاجتماعية والثقافية عبر مايزيد عن الستَّة عقود تواصلت خلالها مع الحركة الأدبية السورية والعربية لا من خلال عشرات الحوارات واللقاءت والمشاركة في الندوات الأدبية فحسب، بل بإصدارات عديدة كان آخرها مع الأستاذ سهيل بشروني منذ عامين فقط وبحضورها اللطيف في عديد اللقاءات وعلى صفحات المجلات والصحف أو فوق طاولات الباحثين والأكاديميين وبين أسطرهم وهم يستعرضون الرواية والقصة والخاطرة والدراسة في سورية في قرنها العشرين. ولنا أن نضيف (في فرنسا وفي إسبانيا) .. لأنَّ للأديبة الدمشقية الكبيرة أعمالٌ باللغتين الفرنسية والإسبانية وكانت تتقن إضافة إليهما اللغتين الإنجليزية والإيطالية .. ولنا أيضاً أن نزيد إضافة (في عالم جبران خليل جبران)، الذي يتخطَّى حدود الجغرافيا خالقاً بيئة كونية لا يمكن لواحدة مثل الراحلة سلمى الحفَّار إلا أن تكون معنية به عبر عطاءاتها الكثيرة. لم تأتِ مكانة (هالة) سلمى الحفار في ساحات الأدب الرَّفيع الأصيل مصادفة .. وليست شهرتها بسبب كونها ابنة لطفي الحفَّار أبداً، وإن كان لها عبر البيئة الثقافي كانت الأديبة الراحلة قد بدأت مرحلة نشر كتاباتها في بيروت ودمشق والقاهرة قبل السفر إلى الأرجنتين فنشرت مذكَّراتها في كتاب (يوميات هالة) عام وقبيل سفرها إلى إسبانيا عام 1961 كتبت (نساء متفوقات) .. هناك، في بلاد الأندلس ذات الطبيعة الخلابة والتاريخ الثريِّ والثقافة والانفتاح غرقت سلمى بالقراءة وشغفت بالتعرُّف على الثقافات القديمة والحديثة من الآداب والفنون المختلفة وشاطرتْ الشاعر الطَّموح الشاب نزار قباني رحلات المعرفة وكتبت ما لم تنشره في تلك الحقبة، فقد أخذت القسمَ الأكبر من وقتها دراستُها للغة الإسبانية وآدابها وأبحاثها التي حصلت بفضلها على دبلوم في الآداب الإسبانية عام 1961، واكتفت بإلقاء المحاضرات في "جمعية الكتَّاب" في مدريد وقرطبة وبرشلونة وغيرها عن العرب وحضارتهم وعن المرأة العربية وواقعها ومشاكلها وعن آداب وفنون بلاد الشام. وقد نالت جائزة ووساماً رفيعاً من الحكومة الإسبانية على فعالياتها ونشاطاتها الثقافية العربية-الإسبانية. في ربيع 1963 أنهيَتْ خدمات زوجها في السلك الديبلوماسي فعادا إلى دمشق. في عام 1965 صدر لها رواية (عينان من إشبيلية) عام 1965 ومجموعة قصص قصيرة بعنوان (الغريبة) عام 1966 وأشعار باللغة الفرنسية بعنوان (نغمات الأمس) أو (نفحات ريح الأمس) صدر في باريس عام 1966 . أما كتابها (عنبر ورماد) الصادر في بيروت عام 1970 فقد تضمَّن عرضاً لسيرتها الذَّاتية منذ الخمسينيات وأتبعته في دمشق برواية (في ظلال الأندلس) عام 1971 وبرواية (البرتقال المر) في بيروت عام 1974. استمرَّت إبداعات سلمى الحفار الكزبري، وإن كانت متقطِّعة، بتلوين رفوف مكتبات الأدب والنقد في سوريا حتى فترة تقدُّمها في السن وكأن الأديبة الكريمة رغبت للحبِّ في أعمال سلمى الحفار أنصع الصفحات .. وذكرياتُه غاليةٌ وعزيزةٌ استحثَّتها وهي في الخامسة والسبعين على استدعاء الصور فجاءت مذكراتٌ جديدة، امتزج فيها الحنين إلى الماضي بالقلق على المستقبل، حملت العنوان (الحب بعد الخمسين) في عام 1989. ولكبَر مكانة إسبانيا في قلب أديبتنا الكبيرة فإنها لم تكتف بروايتيها وقصصها القصيرة وعادت لتتحف قرَّاء اللغة الإسبانية بكتابها (عشية الرحيل) الذي صدر في مدريد عام 1994. وكانت في العام الذي سبقه قد كتبت (بصمات عربية). في عام 1995 منحتْ المملكة العربية السعودية للكاتبة الراحلة "جائزة الملك فيصل للأدب العربي". وكان حضور الأديبة الكبيرة على الساحة الأدبية العربية والعالمية مازال ساطعاً. ويذكر بأنها حازت أيضاً على "جائزة البحر المتوسط" من جامعة باليرمو الإيطالية في عام 1980. تأثَّرت سلمى الحفار برحيل صديقها القديم الشاعر الدمشقي الكبير نزار قباني في ربيع 1998 وعبَّرت عن حزنها في كتاب (ذكرياتإسبانية وأندلسية .. مع نزار قباني ورسائله) أصدرته في عام 2000 وضمَّنته سبع عشرة رسالة كان الشاعر المرهف الإحساس قد أرسلها لصديقته وتستعرض في هذا الكتاب صوراً من ذكرياتها مع نزار في إسبانيا بين عامي 1962 و 1963 وعرضاً لسيرته وشخصيته وتفجُّر قدراته الإبداعية الشابِّة في رحاب بلاد الأندلس. لقد ارتبط في الذِّهْن اسم أديبتنا بأسماء ساطعة الحضور دائمة التألق خالدة كجبران وميّ زيادة ونزار قباني فصارت بذكراها واحدة من الخالدين. إذ نعزِّي أنفسنا وأدبنا وأدباءنا برحيل سلمى الحفَّار الكزبري تخفِّفُ من شدَّة حزننا الثقةُ بأنَّ متحف التراث الإنساني سيحفظ لهذه الأديبة المعطاءة مكانة مرموقة في سجلِّ أصحاب الأعمال الخالدة وسيكرِّمها استذكاراً دائماً وتعريفاً بها زماناً بعد زمان وجيلاً بعد جيل. |
امتزج فيه الاحتجاج والتنديد بصرخات الاستغاثة تحت هدير الطائرات الإسرائيلية ترمي قنابلها وصواريخها وجام حقدها على لبنان وشعبه وجماله ومكانته الحضارية.
ة والعلمية التي توفَّرت في بيت هذا الأب وعبر سيرته العملية فرصةٌ أعطت للفتاة الطَّموحة دفعاً كبيراً أفادت منه بداية في إتقان اللغة العربية وآدابها في سوريا ولبنان ثمَّ في تعلُّمها في معهد الفرانسيسكان في دمشق وإتقانها للفرنسية وثقافتها آدابها والآداب العالمية ما جعلها مهيَّأة لدخول عالم الكتابة قبل أن تبدأ العقد الثالث من عمرها، وتخرجت من جامعة دمشق متخصصة بالآداب والحقوق وكذلك من الجامعة اليسوعية في بيروت قبل أن تتزوج من الدكتور نادر الكزبري الذي أصبح ديبلوماسياً مرموقاً رافقته السيدة سلمى، التي تكنَّت بلقبه فعرفت منذ العام 1948 بـ (سلمى الحفَّر الكزبري)، إلى الأرجنتين وتشيلي وإسبانيا وكان في الأخيرة سفيراً لسوريا (1962 – 1963) وكانت قد تعلَّمت اللغة الإسبانية في الأرجنتين. في مدريد توطَّدت علاقة سلمى بابن أحد أصدقاء والدها وزميله في التجمع المقاوم للاحتلال الفرنسي (الكتلة الوطنية)، توفيق قبَّاني، شاعر دمشق الكبير نزار قباني، الذي كان يعمل موظفاً في سفارة سوريا هناك. وقد قدَّم الدكتور نادر كلَّ الدَّعم للشاب نزار الذي جعل من السفارة منبراً لثقافة دمشق وآداب وأدباء بلاد الشام .. وكانت صديقة طفولته سلمى جزءاً من نشاطات هذا المنبر وكان، بشكل ما جزءاً من إبداعاتها، وفَّر لها الصعود والنموَّ في شخصيتها الأدبية فراحت تكتب وتكتب بجرأة لم تكن معهودة عند سيدات مجتمع دمشق في ذاك الزَّمان .. وحافظت على تصاعد مسيرتها تحصد النجاح وتتألق عبر مؤلفات باللغات العربية والفرنسية والإسبانية زادت عن العشرين ودراسات وخواطر ومقالات بالمئات وترجمات إلى الإنجليزية الفرنسية والإسبانية والإيطالية، ومنها كتابا (يوميات هالة) و (الشعلة الزرقاء).
1950 ومجموعتي قصص هما (حرمان) عام 1952 و (زوايا) عام 1955. وفي الأرجنتين صدر لها كتاب أشعار باللغة الفرنسية بعنوان (الوردة المنفردة) عام 1958.
أن تستمرَّ حاضرة بين الناس من خلال استعراضها المكتوب أو المسموع لرؤيتها في كلِّ ما قرأته وعاشته وعرفته. ولمَّا كانت لبعض الأعلام مكانة خاصة في نفس سلمى الحفَّار فقد خصَّتهم ببعض أعمالها (تكريماً) كما فعلت في عام 1979 في كتابها (الشعلة الزرقاء) الذي شاركها في تحقيقه الأديب اللبناني سهيل بشروني، وهو عرضٌ لرسائل حبٍّ كتبها جبران خليل جبران إلى الكاتبة الكبيرة (ماري) مي زيادة _التي لم يقابلها أبداً_، بين العامين 1914 و 1930 من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال كتابها التوثيقي ذي المجلَّدين عن مي زيادة (مي أو مأساة البلوغ) و (مي وأعلام عصرها). وقد أبرزت في الكتابين شخصية مي زيادة وعلاقاتها المتميزة مع أعلام الأدب في بلاد الشام ومصر وكذلك في بلاد المهاجرة ضمن إطارٍ فكريٍّ إنسانيٍّ أعطى لميّ ولمعاصريها قيمة الرموز الوطنية والإنسانية ومكانة أعلام الأدب والفكر. 