وداعاً للقضية الفلسطينية!

مرزوق الحلبي قرأها 6
 

صحيح أن ما حدث في غزة من اقتتال وتصفيات مرفوض بكل المعايير لكنه يبدو "طبيعيا" فيما آلت إليه القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة ومحصّلة حاصل الوقائع على الأرض لاسيما ما يتعلّق منها باصطفاف قوى المجتمع الفلسطيني الخاضع للاحتلال أو الأبرتهايد وبطبيعة علاقاتها في هذه المرحلة، وبتأثره من سيرورات ممتدة في المجتمعات العربية والإسلامية أو بتحولات إقليمية دراماتيكية. ومع هذا لا نعتقد أن ما رأيناه من موت بائس وتدمير ذاتي ضربا من القدر أو الحتمية، بل من صنع أيدينا ونتاج عملية اختيار قام بها أناس خططوا ودرسوا واستعدوا وأعدوا وأدركوا ما هم فاعلون. ومن هنا يأتي الأسى وتخنقنا الغصّة ويشلّنا الضيق. ومع هذا لا أرانا فاقدي القدرة على التفكير والتفكيك.

من اللافت في "احتلال" حماس لقطاع غزة تلك الأنماط المعطوبة التي كشفها في العلاقات الفلسطينية الداخلية، وذاك الارتهان البائس لأنساق يُعاد إنتاجها تحت سقف القهر أو ضمن أفق مسدود، وحقيقة أن القضية الفلسطينية قد دخلت مرحلة جديدة من التدمير الذاتي أخطر من كل ما عرفناه في السابق. وسوف نأتي على شرح ذلك في موقع لاحق مستفيدين من المنهج المقارن. فما حدث في منتهاه هو إزهاق الأرواح الفلسطينية بأيد فلسطينية وهو أمر لا يبرره شيء حتى لو أن كل الذين ذهبوا ضحية احتلال الفلسطيني للفلسطيني كانوا من "العملاء" وهذا ما لم يكن فيما شاهدناه في غزة. ونرجح أن ما حصل بالأساس جاء كون الثقافة السياسية الفلسطينية محكومة بالكامل لنهج القوة وإن هذا العنف غير المحسوب والزائد عن حدّه الذي كرّس لمقاومة الاحتلال إنما ينكفئ اليوم إلى الداخل الفلسطيني بآثاره المدمّرة. كنا من بين الفلسطينيين وأنصارهم العرب والأجانب الذين لفتوا النظر إلى إمكانية أن يتطور العنف الفلسطيني المقاوم غير المحسوب الذي يضرّ النضال والقضية إلى عنف داخلي غير محسوب يُنهك النضال والقضية من الداخل. بل أننا كنا انتقدنا وبشكل منهجي الموت البائس الذي صدّره هذا العنف المتصاعد بذريعة المقاومة. انتقدنا العمليات الانتحارية وانتقدنا قتل المدنيين من الإسرائيليين وانتقدنا "مسلكيات مقاومة" عبثية مثل تصفية "العملاء" بين مقتبسين والعملاء بدونهما، أو التنكيل بجنود إسرائيليين ضلوا الطريق وأسروا. وقد فعل ذلك الفتحاويون قبل الحماسيين ومارسته الفصائل المسلحّة دون استثناء وإن بتفاوت. لا يخفى عنّا وجود ثأر متبادل بين حماس وفتح التي تعمّد عناصرها أو ضباطها إهانة قيادات حماس في مرحلة من المراحل مثل حلق لحاهم! ولكنه ليس السبب الأساس فيما حصل. إنه الإغراء الذي في البندقية، في العسكرة، في السيطرة والسؤدد، إنها اللذة والمتعة في ممارسة القهر والقتل و"الانتصار"، أنه التماهي بالقاهر وتمثّله. وطالما أن قهر العدوّ غير ممكن أو يكاد يكون مستحيلا في ظروف المرحلة فإن "الانتصارات" تحدث داخليا على "العدو" من خلال تمثيلاته المنتجة ضمن حدود الذات. واللافت أن هذه "الانتصارات" تتمّ من خلال استحضار العدو وإسقاطه على جهة داخلية تم التعامل معها على إنها العدو نفسه. ومن هنا التصفية في الشوارع أو على أسرّة المستشفيات، أو تخريب الممتلكات أو غنيمتها أو الدوس على صور الرئيس الفلسطيني المنتخب (تذكرنا بدوس العلم الإسرائيلي رمز الاحتلال أو أضرام النار في دمى شارون أو غيره) أو غيرها من مشاهد "الحرب". ما دمنا لا نستطيع تحقيق الانتصار على العدو وغنيمة ممتلكاته ومخلّفاته وأسلحته فلا بأس أن نلهو بانتصار على أحد يشبهه. وقد وقع الاختيار على السلطة الوطنية ممثلة بعناصر فتح أو أجهزة أمنها ونظامها. صحيح ان السلطة قامت أصلا بتفاوض مع إسرائيل وبرعاية دولية لكننا لا نستطيع أن نصنّفها، مهما كانت انتقاداتنا على مسلكياتها، كسلطة معادية أو خائنة أو كل ما يحلو لعميان الألوان وأصحاب نظرية "إما أسود أو أبيض" أن يصفوا به السلطة. ولا نقول هذا دفاعاً عن السلطة أو ممارساتها بل توخياً للدقة والأمانة التاريخية خاصة إن حركة حماس هي الجزء الأساس في حكومة وحدة وطنية مع حركة فتح وقوى سياسية أخرى! (يذكرنا بالحالة اللبنانية وخروج حزب الله ضد الحكومة التي شارك فيها وصوّت على كل قراراتها واتهامها ورموزها بالعمالة أو ما أشبه ـ سنعود إلى ذلك لاحقا).

لم يكن خافياً على أحد ذاك النشاط العسكري المحموم لحماس وذاك الجهد العسكري اللافت في التدريب والتجهيز والتسلّح في قطاع غزة. وهو ما أفضى إلى فائض قوة كان من الطبيعي أن يتجسّد في تغلّب الجناح العسكري في حماس على السياسي في علاقتهما المتوترة، وفي محاولة الانقلاب على "السلطة" المتهلهلة أصلا. في المستوى الأوّل حدث الأمر بغير دراماتيكية سيما أن الطرف الإسرائيلي "لم يصلِّ على النبي" ولم يمنح الجناح السياسي في حماس فرصة للتنفّس فوق السطح. أما في المستوى الثاني فقد كان الحماسيون بحاجة إلى ما يبرّر الانقلاب على السلطة وتخريب مؤسساتها ونظامها، وهو أمني بالأساس. ومن هنا يأتي تكفير القوى الأساس التي تؤلّف السلطة وتخوينها وربطها بالاحتلال والأمريكان وبكل ما هو شر للفلسطيني. ومن هنا سهل على الحاجّات الحماسيات أن يهزجن ويرددن أشعار الانتصار والتمجيد بهذا الموت وبصواريخ القسّام! القوة المتنفّذة تمتلك في العادة حق التعريف والتسمية. وقد فعلتها إسرائيل دوما بحق كل ما هو فلسطيني ومنذ بدايات الصراع في العقود الأولى من القرن العشرين. وها هي حماس المنتشية بنصر في الصناديق وآخر في أرض المعركة تفعل ذلك بحق مضن جلست إلى جانبهم في الحكومة إلى ما قبل أسبوع! فما داموا "خوَن" و"عملاء" فلماذا لا يجرّون في الشوارع جرا وينكّل بهم قبل أن يُنفّذ بهم حكم إعدام إلهي! ولماذا لا يموتون ميتة بشعة مذلّة مُهينة؟ هذه الأسئلة هي التي بقيت في رأس كل من شاهد ذلك في غزة، من عدوّ وصديق ومن كل ذي عقل وبصيرة. ومنها يشتقّ العالم كله السؤال المعضلة: كيف أمكن لهؤلاء المظلومين أن يفعلوا ذلك، وكيف أمكننا اليوم أن نتعاطى مع مطلبهم؟

من اللافت، أيضا، هذه السهولة في القتل وهذا الاستخفاف السافر بحياة الإنسان الفلسطيني. وهنا يبدو أن الاحتلال أفلح ليس في احتلال الأرض وفي إذلال الفلسطيني وإخضاعه فحسب بل بهزيمته، أيضاً. فقد أستطاع هذا الاحتلال المستمرّ منذ أربعة عقود والقهر المتواصل منذ سُلب الوطن وتم تهجير أهله وتحويلهم إلى لاجئين، أن يُقنعا الفلسطيني بأن حياته ليست ذات أهمية وأنه يُمكنه أن يُقتل أو يموت أو يعرى أو يتهجّر عدة مرات باعتبار ذلك فعلاً مألوفاً غير ذي أهمية! ألم يتم تصفية العشرات أو إرهاق أرواحهم في شوارع غزة لمجرّد أنهم محسوبون على فتح أو أقرباء لناس في فتح أو حماس. هكذا قنص الفلسطيني الفلسطيني تماماً كما فعل ويفعل الإسرائيلي به منذ عقود دون أن ترفّ له جفن أو يحيّره سؤال! ولنتصوّر ماذا كان سيحدث لو أن الأسلحة بأيدي الفلسطينيين متطورة أكثر مما هي عليه؟ وهكذا تم التعامل مع الجثث في الشوارع أو على أسطح المنازل ومع المصابين والجرحى. اتضح لنا الآن أن حياة الفلسطيني رخيصة ليس في عيني الإسرائيلي المحتل أو قادته بل في عيني الفلسطيني نفسه. قتل متبادل رخيص وإذلال بائس لفلسطيني بأيدي فلسطيني. وكأن مثل هذا السلوك يحرر من القهر ومن الاحتلال. ما دام الفسطيني ـ ولا يهم ـ من أي فصيل هو ـ يستطيع أن يكون قادراً على كل شيء كالاحتلال وجنوده، فإنه يستردّ اعتباره لذاته. فهو قادر على "الانتصار" وعلى جرّ "عدوه" في الشارع قبل تصفيته بهمجية، ويستطيع تدمير مقرّاته واعتقال قادته وغنيمة ممتلكاته والتهديد بإعدام ضباطه! ما دام العدوّ الحقيقي قد ابتعدّ وفك اشتباكه قليلاً بالفلسطيني فلا بأس من استحضار أحد بدله وتلقينه درساً. وهكذا أسقط الحماسيون الأقوى عسكرياً وسياسياً تمثيلات العدوّ الإسرائيلي على خصومهم السياسيين و"انتصروا" عليهم.

ما أشبه غزة ببيروت فكلتاهما محكومتان للنسق الثقافي ذاته وهو رغبة المطلق الأيديولوجي في التجسّد. هو نزوع ثنائية الخير والشرّ والأرض والسماء والله والشيطان إلى آخر ما في لسان العرب وعليه من مترادفات تجسّد ثنائية قابيل وهابيل! الأقوى مهما بلغ من طغيان وجريمة هو الله ومشتقاته أما الأضعف فهو الشيطان ومشتقاته! هذا هو النسق النافذ في لبنان وفي غزة. وهو نسق متقلب متحوّل يتبادل طرفاه الموقع لكنه على نفاذه يذلّ من يشاء ويرفع من يشاء والضحايا تسقط من بيروت إلى غزة بغير طائل وتصير حياة الإنسان مجرّد خطأ في المعادلة أو رقم ثانوي فيها، وهي القائمة أساساً على الأيديولوجيا أو العقيدة أو المذهب المطلق وبإذن الله! ومن هنا لا يختلف فعل حماس في غزة عن فعل حزب الله في لبنان من حيث أن الولاء ليس لفكرة الدولة أو التحرر أو الاستقلال أو غيرها من فِكر جامعة نبيلة ولا لفكرة حماية الإنسان وكرامته ورفاهيته، بل للعقيدة أو المطلق المتوخّى. فإذا وقفت الدولة عائقا في وجه العقيدة يُمكن الخروج ضدها وإذا وقفت المصلحة الوطنية في وجه "الحركة" أمكن قنصها برمايات متقطّعة أو بنيران كثيفة وبأكثر من بندقية أو مدفع هاون. أما إذا وقف الإنسان في الطريق فيُمكن التخلّص منه بسهولة كما تمّ إطلاق النار على مسيرة سلمية في غزة انطلقت تلقائيا للمطالبة بوقف الاقتتال وسفك الدم هباء فقتل من قُتل وأصيب مَن أصيب! بل إن الإنسان الذي يتحدث الجميع نيابة عنه أو باسمه أو تضحية لأجله يؤجّل إلى آخر الشوط. وهناك، إما أن يُعدم لوشاية أو ألا يكون لاختياره الوطن طلبا للأمن، كما فعل الجزائريون الهاربون إلى فرنسا من ظلم الجزائريين وكما فعل المثقفون العراقيون من ظلم صدام.

لقد فعلت حركة حماس في غزة كما فعل حزب الله في بيروت حينما استأنف على الدولة وجعلها رهينة مشروعه الأيديولوجي الإلهي الممتد حتى طهران وكرّسها خط مواجهة متقدم في إطار المشروع الإيراني الإقليمي. وفي غزة خطفت حركة حماس السلطة المنقوصة أصلاً وأجهض كل احتمال لتطور المعقول الفلسطيني ضمن تعددية يمكن التعويل عليها. عندما قويت الحركة تجبّرت وطغت من خلال رسم أبشع الصور والمشاهد! وفي هذا التطوّر الكثير من الدروس والعبر بشأن الأنساق التي تتحكّم بالثقافة السياسية في فلسطين أو لبنان أو سائر المواقع العربية. إما حاكم أو محكوم، إما مُهين أو مُهان. وهي حالة بدائية للوجود الإنساني يُذكرنا بها "احتلال" حماس لقطاع غزة قد يُعقبه احتلال فتح للضفة الغربية! وهكذا تكفّ القضية الفلسطينية عن كونها سؤالاً مفتوحاً على إسرائيل والعالم بل دورة مغلقة ودوامة تُنهك الفلسطيني وتغلق ملفاته العادلة وتقرّبه من النهاية التي لا علاقة بينها وبين البداية! فالمسألة الفلسطينية التي بدأت في فلسطين بالتفاف عربي شعبي قد تنتهي رهينة للمطلق الوافد من طهران ولا أرى ما يُمكنه أن يمنع ذلك. وعليه، من المرجّح أن ما حصل في غزة سيسرّع من وتيرة أكْرَدة القضية الفلسطينية وإعفاء من مُحدثي النكبة الإسرائيليين من إعادة الحقّ إلى أصحابه. إذ إن تعدد الإرادات الفلسطينية على أساس جغرافي من شأنه أن يكون أساساً لتشظي المسألة الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر قومي وحق تقرير المصير لشعب إلى هموم مجموعات فلسطينية تعيش في هذه الدولة أو ذاك المكان! من هنا فإن ما حصل في غزة هو مرحلة أخرى في تحويل القضية الفلسطينية وتغيير طابعها. والمؤسي أنه يتم بأيد فلسطينية ومن خلال إراقة دم فلسطيني والتأسيس لاقتتال جديد. ومن المفارقات أن الفلسطينيين دخلوا غمار الحرب الأهلية قبل أن يستقلوا ودون أن تلوح في الأفق أي بادرة للاستقلال خلافاً لتجربة شعوب أخرى فعلت ذلك بعد الاستقلال! في غزة كما في المجتمعات العربية الأخرى وامتداداً لما يحصل فيها، خسر العرب حاضرهم ومستقبلهم فانكفأوا إلى ماضيهم لعلّه يُسعف! خسر الإنسان الفلسطيني المعركة مع زمانه فشرع تدميراً لمكانه! خسر الفلسطيني الحرب مع الآخَر فأطلق النار على نفسه! في غزة صادرت العقيدة القضية وألغى المطلق فيها الإنسان الفلسطيني. اللثام الذي غطى وجوه مقاتلي حماس في غزة لم يححب الوجه فحسب بل حجب العقل، أيضا!

دالية الكرمل

marzuqh@gmail.com