تعذيب العقل
منذ فترة بسيطة قرأت عن تعذيب المواطن التونسي وليد العوني تعذيباً أدّى به إلى فقدان عقله أو حسب التعبير الرسمي فقدان مداركه! وهو نوع من الحوادث يتكرّر وقوعه على امتداد الخريطة العربية. هكذا ثمة شخص اسمه وليد أو عبد الله أو رشدي، طويل القامة، أو قصير، متزوج أو أعزب، فقد عقله بالتعذيب إلى درجة أنه لم يعد قادراً على استيعاب أو قراءة أو فهم كل ما يكتب الآن دفاعاً عنه. وليس فينا من لم يسمع عن التعذيب بشتى الطرق، لكن معظم وسائل الجلادين تستهدف في العادة بدن الإنسان، يديه، صدره، ذراعه. أما الوقائع التي تعذِّب العقل فإنها أقل شيوعاً، لأنها تستلزم أحياناً قليلاً من الخيال، والحِرَفية، التي لا وقت لها. وتعذيب العقل عمل شيطاني قديم، تعرَّض لأحد فنونه الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي في سيبيريا خلال اعتقاله، حين كانوا يجبرونه على تقطيع كميات ضخمة من الشجر طيلة النهار ليلقي بها عند الغروب في مياه النهر. التعذيب هنا لا يتعلق بالجهد البدني الشاق المبذول، التعذيب هنا يتجه إلى العقل مباشرة، إلى تدمير الدعامة التي يقوم عليها وهي المنطق القائل بأن لكل عمل غاية، وأن لحياتنا هدفاً، وأن لوجودنا وكدِّنا معنى. العقل يقول إنك إذا قطعت أشجاراً طيلة النهار فذلك لأنك ستبني منها كوخاً أو بيتاً، أما أن تعرق على قطع الأشجار لتلقي بأخشابها إلى النهر فهذا يعني أن العالم لا يحتاج إلى العقل، دمِّرْه إذن، وارْمِه بعيداً، لأن الوجود بلا منطق. وحينما يكون جهدك كله عبثاً، يغدو وجود العقل والمنطق مدعاة للسخرية، والاستهزاء، وتدوي في أذنيك أقوى فأقوى رسالة الجلادين: إمسح عقلك، لأنك لست بحاجة إليه، لأنه لن ينفعك لا في تفسير العالم ولا في التحكم به. وقد اكتشف العلم الحديث أن القلب الذي نتغنّى به في الشعر والروايات ليس أكثر من مضخة للدماء، وأن العقل هو حصن التفكير والمشاعر والطموح. وحينما تعذِّب العقل أو تدمِّره، فإنك تعذب وتحطم التكوين الإنساني المميز والبلورة الخاصة المشعة بكل أعماق وأبعاد الشخصية. واكتشف العلم الحديث أيضا أن الموت هو موت العقل، إذ يمكن استبدال الساق أو الكلى بأخرى، ووضع شريحة زجاجية في العين المعتمة لترى من جديد، وتغيير صمامات القلب أو القلب بأكمله، وزرع كبد، ورئة، لكن كل تلك المعجزات لا ترقي إلى المساس بالعقل الذي يجري مليارات من العمليات في أقل من ثانية والذي مازلنا لا نستخدم سوى جزء ضئيل من قدراته. في هذا السياق أتذكر كتاباً للدكتور عبد المحسن صالح عنوانه "ما هو الموت ؟". يقصُّ فيه تجربة أجراها العلماء على كلب لمعرفة "ما هو الموت"، فيقول إن العلماء فصلوا كل أعضاء الكلب عن جسمه واحتفظوا خلال ذلك برأسه فقط حيا منزوعا من البدن، ثم قاموا عبر الأنابيب بضخ المحاليل والدماء إلى الرأس المنزوع، ففتح الكلب عينيه، وتعرف إلى صوت صاحبه وأخذ يلعق يديه. العقل إذن هو الذي يصون الحياة والوعي والذكريات والإرادة بل وقلق الحب وهواجسه الرقيقة. وقد تم تدمير عقل وليد العوني المواطن تونسي، في ظروف، تشبه الظروف التي يتم فيها تدمير عقل الكثيرين على امتداد الخريطة العربية وبقدر سجونها. يختلف الاسم، والسن، وسمك أبواب الزنازين، واللهجات، وبدانة الزوجة، أو هزال الحبيبة، ولكن ثمة دائما إنساناً يفقد عقله وحده خلف أبواب موصدة.
لكن تعذيب العقل ونفي دوره لا يجري في السجون وحدها، بل إنه يجري على نطاق المجتمع بأكمله أكثر بملايين المرات مما يتم وراء قضبان. وحينما تصبح الفوارق بين الدخول ضخمة إلى هذا الحد الذي نراه، يعجز العقل عن تفسير ذلك، وحينما يصبح مَن يحتكرون الحديد والأسمنت وغيره سادةَ المجتمع من دون عرَق أو سبب، بينما لا يساوي كدْح الشرفاء شيئاً، وحينما يبنى البعض قصوراً خيالية في طريق الإسماعيلية والبعض مازال ينام على الأرصفة، وحينما يبرز كل شخص عديم الكفاءة ليتحكم في شئون الثقافة، وحينما يصمت الأدباء ويتكلم أشباه الكتاب، وحينما تُحَلُّ بالرشوة والعلاقات كلُّ ما لا يُحَلُّ بالطرق الشريفة، وحينما تربح الراقصة بهزة وسط واحدة أضعاف ما يربحه عالم على مدى حياته كلها، وحينما، وحينما، وحينما، فإن ذلك الواقع يصبح نوعاً من التعذيب المستمر للعقل الذي لا يستطيع لا فهم ولا تفسير كل تلك المفارقات والفوارق، وهو تعذيبٌ ينقل للإنسان رسالة واحدة: إمسح عقلك، لست بحاجة إليه، لأنه غير نافع لا في فهم العالم ولا في تفسير أحواله ولا في التحكم به.