برشامات للعلم أم مفاتيح للمعرفة؟
ثمة أمر يؤرقني، كما يؤرّق كل من له صلة بالتعليم، وبثقافة الشباب. وهو يؤرقني أولاً بذاته، أي بسبب وجوده، ويؤرقني ثانياً بنتائجه التي يراها كل مراقب لمستوى خريجي جامعاتنا من ناحيتي المعرفة التخصصية والثقافة العامة، ويؤرقني ثالثاً لأنه لا يؤرق المسؤولين عن التعليم الجامعي ولا يحرك فيهم ساكناً، وهم يرون نتائجه المدمّرة للثقافة.
إنه واقع التدريس الجامعي، وخاصة فيما نسميه الكليات الأدبية، أو النظرية، أي في كليات الآداب بأقسامها المختلفة.
في هذه الكليات تختزل دراسة السنوات الأربع إلى دراسة أربعة عشر شهراً على الأكثر، فالطالب يبدأ بالاستماع إلى المحاضرات بعد بدء الفصل الدراسي رسمياً بأسبوعين أو ثلاثة أسابيع، ويتوقف عن ذلك قبل نهاية الفصل الدراسي بثلاثة أيضاً، لتكون مدة دراسته الفعلية سبعة أسابيع في كل فصل، وإذا افترضنا أن حصة المقرَّر (المادة) محاضرة في الأسبوع، فالطالب ينجز دراسة المادة ويضعها على الرفّ بعد أن يستمع إلى سبع محاضرات فيها.
كان يمكن لهذه المحاضرات السبع أن تكفي الدارس لو أنها تعطيه مفاتيح المادة وتترك له بل تطلب منه، أن يتوسع في دراستها ويعود إلى مراجع وكتب قديمة وحديثة، ليستخدم تلك المفاتيح في ولوج أبواب المادة واكتشاف المعارف الجديدة والانطلاق في آفاق العلم الرحبة.
لكن ما يحدث هو خلاف ذلك تماماً، فالمحاضرة التي يستمع إليها الطالب من أستاذه، لا تلبث أن تتحول إلى بضع ورقات مطبوعة بأناقة، تباع في المكتبات القريبة من الجامعات، تحتوي على موجز لما قدمه الأستاذ الذي هو موجز أصلاً، ليطلع الطالب (ويحفظ عن ظهر قلب) موجز الموجز، معتقداً أنه أتقن العلم، وامتلك المادة المطلوبة وصار جاهزاً للتقدم إلى الامتحان والفوز فيه.
والمشكلة أن ذلك يتحقق، ويفوز الطالب الذي حفظ موجز الموجز، دون أن يمتلك من المعارف ما يجعلنا نقول إنه طالب جامعي يتخصص في دراسة هذا الفرع الأدبي أو ذاك، ودون أن يمتلك المفاتيح أو يتقن استخدامها، في مجال تخصصه، الذي يغلب أن تنقطع صلته العلمية به بعد التخرّج في الجامعة، ليصبح المتخصص مجرد موظف في دائرة، أو مدرّس يتحول شيئاً فشيئاً إلى ناقل للمعلومات الموجودة في الكتاب المدرسي، لا يستزيد ولا يزوّد طلابه بما ينفعهم ويوسّع آفاقهم.
الاكتفاء يحفظ الملّخصات بدلاً من العودة إلى المراجع والاستزادة والتوسع، والوقوفُ على أبواب المكتبات القريبة من الحرم الجامعي، لشراء المحاضرات، بدلاً من ارتياد المكتبات العامة والتنقيب في الكتب الخاصة بالمادة المدروسة، وحفظُ وريقات، ونقل ما فيها من معلومات موجزة مبتسرة إلى ورقة الامتحان، بدلاً من امتلاك مناهج البحث ومفاتيح المعرفة والتدرب على استخدامها في المتابعة والاكتشاف، هذا ما نجده عند الغالبية العظمى من طلاب كليات الآداب وربما غيرها، وهذا ما يعرفه القائمون على التعليم ولا يقرونه نظرياً، ولكنهم يقبلون به عملياً، دون أن يؤرّقهم أو يستثير لديهم أية مبادرة إصلاحية. أما طريق وصول تلك (المحاضرات الموجزة) إلى المكتبات لطباعتها وبيعها، فهو غريب عجيب، إذ إن طالباً (مواظباً) يحضر المحاضرة، ويجلس في مقعد قريب من الأستاذ ويكتب ما يقوله من معلومات وأمثلة، ثم يأخذ ما كتبه إلى مكتبة تقوم بطباعته، وتضع له عنواناً وتبيعه لطالبي (برشامات العلم) المكتفين بما (قلّ ودلّ)، والساعين إلى لقب خرّيج، ووثيقة تخرّج تمكّن من ولوج عالم الوظيفة.
أهكذا تكون الدراسة الجامعية؟
وأي مستوى من التخصص هذا؟
ألا يدفعنا هذا الواقع إلى التساؤل: من هم الخريجون الذين تقذف بهم جامعاتنا إلى الحياة العملية؟ أهم مثقفو الوطن، كما كان خريجو الجامعات قبلاً، أو كما هي الحال في جامعات العالم؟ أهم القادرون على استخدام مناهج البحث في قراءة الظاهرات الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية الجديدة في وطنهم؟
إن معظمهم ليس كذلك مع الأسف، وإن القلة القليلة هم من الدارسين المتابعين، الذين كدّوا وتعبوا وحصّلوا واستزادوا، فصاروا مثقفين ومتخصّصين حقاً.
والسؤال، متى ندرك دور هذا الواقع في تفريغ الشباب من الثقافة، وفي تحويل الخريج إلى عبء على العلم والتعليم؟ بل متى ندرك دور ذلك في الوصول إلى المزيد من الضحالة العلمية والثقافية، وإلى المزيد من هشاشة المجتمع على كل المستويات؟