لامات يسوع – 7
.jpg)
[9]
يسوع لم يتعامل بالمال ولا السيف ولم يلمسهما..
القسم الأول: المال
(1)
المال والسيف، الغنيمة والحرب، الطمع والعنف، هي الإشكالية الأعوص في الحياة. الإشكالية التي لا -[لم- لا- لن]-، تنتج غير الشرور، بل هي شجرة الشرور التي لا تنتهي انعكاساتها ومضاعفاتها، على مدى الزمن وحياة الجنس البشري.
إشكالية الطمع والعنف، الغنيمة والحرب، هما غاية كل سلطة، وعلّة كل انحطاط وهزيمة وبؤس. ومن الغريب ان لا تجتمع ارادة البشر، للحدّ من تسلط المال والسيف على قلب الإنسان وعنقه.
وفي هاته المداخلة، نستعرض، كيف تعامل يسوع الجليلي مع كل منهما، وما هو الموقف الاجمالي الممكن الاستفادة منه في هذا الصدد؟!.
وللتفصيل في المناقشة، ننظر لكل منهما على حدة، وصولا لاجتماعهما –في العلّة والأثر، في ختام المداخلة.
(2)
المال..
"لا يمكن لأحد أن يكون عبدا لسيّدين، لأنه إما أن يبغض أحدهما فيحبّ الآخر؛ وإما أن يلزم أحدهما فيهجر الآخر. لا يمكنكم أن تكونوا عبيدا لله والمال معا!"- (مت 6: 24)/ (الموعظة على الجبل)
في الموعظة على الجبل كان يخاطب جموع الناس –[جموع: صيغة جمع لفظة: جمع، وتعرف بجمع الجموع: أي الكثرة المُضاعَفة]-. وللتعرف على طبيعة تلك الجموع نعود الى البداية:
"كان يسوع يتنقل في مناطق الجليل كلّها،
يعلم في المجامع، وينادي ببشارة الملكوت،
ويشفي كل مرض وعلّة في الشعب.
فذاع صيته في سورية كلّها.
فحمل اليه الناس مرضاهم..
المعانين من الأمراض والأوجاع على اختلافها،
والمسكونين بالشياطين، والمصروعين،
والمشلولين، فشفاهم جميعا.
فتبعته جموع كبيرة من مناطق الجليل،
والمدن العشر، واليهودية، وما وراء الأردن.
وإذا رأى جموع الناس، صعد يسوع الى الجبل،
وما إن جلس، حتى اقترب اليه تلاميذه،
فتكلّم، وأخذ يعلّمهم،
وقال:.."- (مت 4: 23- 25، 5: 1- 2).
فالتوزيع الجغرافي لجموع الناس هو من كل مناطق سورية الكبرى، والتوزيع الاجتماعي لتلك الجموع هو من مختلف الطبقات والفئات والمستويات، والاهتمامات الدينية والاقتصادية والمعيشية لهم هي عامة.
وإذ يتّخذ قرار الجلوس ومخاطبة الجموع، فلا بد أن ثمة ضرورة لازمة لتلك التوصيات، وأن تلك التوصيات ليست وقتية أو ظرفية، انما هي مبادئ اساسية وشمولية، تتناول كل شيء، وتعني كل شخص.
ومنذ تدوين (الموعظة على الجبل) اتخذت مكانتها التاريخية الى جانب/ في مقدمة الوصايا الخلقية والمبادئ الحياتية/ الفكرية والسلوكية في تاريخ الفكر الإنساني. وقد اطلق عليها البعض بالموعظة الذهبية*.
وتتناول موعظة يسوع على الجبل، مختلف جوانب حياة الإنسان واهتماماته: [الذات- الله- المجتمع- الدولة]. فهي بمثابة القواعد الاساسية لدستور الحياة السامية.
وقبل الدخول في تفاصيل القراءة، لابد من تنويه الى مرحلة الاعداد/ الاستعداد والتهيئة للتعرف والفهم والادراك المعرفي وتطبيقاته العملية من قبل القارئ، والمستمع.
ان الخطاب/ العظة، تتجه للسمع/(من كان له أذنان للسمع، فليفهم!)، والسمع احد الجوارح المتصلة بالعقل [ايعازات وأشارات تصل الى خلايا المخّ التي تستجيب بدورها وتصدر اوامر وتعليمات حسّية وذاكراتية].
ولتركز مواد الموعظة على مسائل ذات طابع تعليمي (ثورة ثقافية)، كما جاء في مقدمة النص، فإن الاستجابات تتجه لتخزين الأفكار والمعاني الجديدة، والمعدّلة لطبائع وأحكام وممارسات تقليدية متوارثة غير صائبة، تُختزَن في العقل الباطن، لتكون في متناول الفعل الآلي عند الحاجة.
وفي منظومة الحواس، طرفية اللوامس والعقل، يلعب القلب مركز العواطف وتركز الأحاسيس، بحسب الاعتقاد القديم. وما زال القلب رمزا لمشاعر الحب، وان المرء موضع اصطراع بين عقله وقلبه.
العلاقة بالأشياء تبدأ بالذهن/ (فكرة)، أو تبدأ بالقلب/ (رغبة/ عاطفة)، أو تبدأ بالنفس/ (غريزة). ولذا ينصبّ الحديث على هاته الثلاثة، أو احداها بحسب الضرورة، باعتبارها اصل ومنبع الاهتمام وحاضنته التي ينمو فيها داخل الشخص، قبل انبجاسه نحو الخارج في صورة النشاط البشري [قول - أو- فعل].
الأمر الآخر يتعلق بالقدرة على التمييز وكيفية التمييز أو آلية التمييز. التمييز هو درجة في معرفة الاشياء. ولا معرفة بغير تمييز. ولا تمييز بغير آليات ووسائل ومنهج.
وما يزال التمييز في جانب كبير منه يقوم على المقارنة والمقابل: النور مقابل الظلمة، الأبيض مقابل الأسود، الخير مقابل الشر، سماء مقابل ارض، ماء مقابل يابسة..الخ.
وفي مجتمع ديني، تتصدر مظاهر التقوى والبر والعبادة مقدمة شعاراته، يعتبر (الله) هو الرمز الأسمى للخير والبر والمعرفة بالمطلق. وبديهي في كذا مجتمع- ان لا احد فيه يزعم أنه: لا يعبد الله، أو لا يحب الله، أو لا يطيع الله!!.
لذا جاء تركيز يسوع على (قلب الشخص) في موضوع العلاقة بالمال. باعتبار ان الأساس في الموضوع هو (حب المال)، وما يترتب عليه من رغبات وشهوات وأطماع ومضاعات أخرى، وصولا للوسائل اللازمة لتحقيقها.
وبديهي ان لا يجتمع أمران – متعارضان- في قلب واحد.
وهذا يعني ان [المال –كونترا- الله] في خطاب يسوع. وهو حكم صارم وشديد، في مجتمع يتصدّره التّجار والأغنياء ورجال الدين ضمن طبقة الإقطاع المتسلط على الفقراء والشغّيلة.
ولمعرفته بعمق تعلق قلوب الناس ونفوسهم بالمال والمادة، ترك لهم خيار الطريق.
(3)
في معادلة [الله - المال] في المثال السالف، ثمة طرف آخر، يتصدّر الأهمية وراء الإثنين، انما هو [السلطة/ التسلط]. وفي النص وردت لفظة (يخدم)، ولفظة (يحب)، بدل لفظة: (الطاعة) القرينة بهما.
والطاعة هي مقابل (السلطة).
بالمال يتسلّط الأغنياء على الفقراء، بالمال يتسلّط الناس بعضهم على بعض. والمال هو مغزى ومادة العبادة والطقس الديني. فالعبادة هي جزء من منظومة – قائمة الحوائج- اليومية التي يرفعها المتعبد الى ربه، لينفحه بالمزيد من المال ويفتح له سبل المال والكسب السريع والقصور الفخمة.
(يعبدون الله خوفا أو طمعا)..
هل السلطة باب للخدمة والرعاية الحقّة، أم مظهر للتسلّط والجاه والصّيت والكبرياء الجوفاء؟؟..
الكبرياء هي دالة انحطاط الإنساني أمام المظهر المادي السطحي. الكبرياء نكران لوحدة الجنس والأصل والنوع والأخوة والانتماء والشعور والمصير والعاطفة الإنسانية المشتركة..
الإنسان يتكبّر على من؟.. يتكبّر على إنسان مثله!.. بل يتكبّر على اخيه أو حتى أبيه وأمّه، كما حصل في مجتمعاتنا غير المتحضّرة، ذات الأصول البدوية والرعوية البائسة.
يتكبّر على من؟..
المال والقوة والمعرفة والسلطة، ليست مواريث وحيازات، انما وسائل للإنفاق والإدارة وخدمة المحتاجين اليها. والإنسان الغني مؤتمن على المال حتى ينفقه لمن يحتاجه.
والإنسان القوي مؤتمن على قوّته حتى يخدم بها المحتاجين وينجد المستضعفين ويمنع الاستبداد والاستغلال والابتزاز والاغتصاب وما وراءها من الشرور.
والإنسان العارف العالم المثقف الأكاديمي مؤتمن على علمه ومعرفته وثقافته حتى يعلم ويسهل وينوّر ويخدم بها من تلزمهم المعرفة والعلم والثقافة، ومن أغمضت عنهم المدارك أو استعصت عليهم سبل النور.
وقل لي، او لنفسك، كم شخصا علّمتَه القراءةَ والكتابة، او كم شخصا أضفتَ لمعارفه معرفةً جديدة تغنيه وتصحح ما لديه، وكم جماعة وضعت أيديهم او أقدامهم او أنظارهم على عتبة الحضارة.. فأنت مؤتمن على الثقافة والعلم.!
السلطة، عند رجل الحكم او الحزب أو العسكري او البرلمان أو السفير
او شبهها، هي وسيلة خدمة، وباب رعاية وعطف، وهي واجب يقدم عنه مالكها حسابا امام ضميره [الله - التاريخ - المجتمع]، حسابا عسيرا ذات يوم.
الإنسان هو مجرد قناة توصيل، وليس اصلا للحيازة والملكية والتسلط.
لاحظ ان جسد الكائن الحي ذو شكل اسطواني مفرغ.
انه مجرد اداة توصيل، يدخل الهواء والماء والغذاء والدواء من خلاله ويخرج من الجهة الأخرى. وفي شكل الجسد درس وعبرة لأولي الألباب، لعلّهم يتفكرون.
فذكر المال، ليس مجردا في ذاته، وانما المقصود به ومن ورائه السلطة والحيازة والتسلّط والتكبّر والتمايز على البشر، وكلها دالّة للشرور.
(4)
"- أيها المعلم الصالح: أيّ صلاح أعمل
لأحصل على الحياة الأبدية؟..
لماذا تدعوني بالصالح؟.. واحد هو الصالح!..
ولكن أن أردت أن تدخل الملكوت..
فاعمل بالوصايا!..
أية وصايا..
لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تكذب،
لا تشهد زورا، اكرم اباك وامك،
احب جيرانك كنفسك!..
هذه كلّها عملتها من صغري!..
إن أردت أن تكون كاملا..
اذهب وبع كل ما تملك، ووزعه على الفقراء،
فيكون لك كنز في السماوات، وتعال اتبعني!
فلمّا سمع الشاب الغني العبارة الأخيرة،
مضى حزينا، لأنه كان صاحب ثروة كبيرة!..
فقال يسوع لتلاميذه: الحقّ أقول لكم..
أنه من العسير على الغني أن يدخل الملكوت!
من السهل أن يدخل الجمل في ثقب أبرة،
من أن يدخل غني في الملكوت!"- (مت 19: 16- 24)
مثل آخر ايضا، في صدد المال، لا يقبل الجدل والمساومة.
"بع كل ما تملك، ووزعه على الفقراء والمحتاجين!" .
لماذا تكنز الاموال في جعبتك، في رصيدك البنكي، ألوفاً وملايينَ مجمّدة، والجوع والفقر والحاجة والمرض، من حواليك، أنى تلتفت!..
لماذا تسخّر أموالك في مجالات تدميرية، سواء كانت ترفية تافهة، أو شريرة تتسبب في أضرار للبيئة والبشر؟..
ولا تنتظر.. أن تدفع عنها حسابا يليق بحجمها..!
الشاب الغني في المثال، وما أكثر الأغنياء الشباب في زمن العولمة والدمقراطية الأمريكية، وعصر الفساد والتحلّل والفراغ القيمي، هو يسلك كما تعلم من المجتمع ومن سبقوه. ولم يخترع شرا جديدا من ذاته، كما يحدث اليوم على الأرض، او عالم الانترنت وتجارة الفيروسات والموت. ولكن ذلك لم يخفّف من مسؤوليته في ابتزاز الناس وسرقة المجتمع.
يمكن تلخيص الأمر في نقطتين بالجملة، فيما يتعلق بكيان الإنسان..
أولا: أنه طالما وجد في الحياة، فعليه أن يجتهد – كأفضل ما يقدر ويجيد- بعقله ومجمل امكاناته!..
ثانيا: ان اجتهاد الإنسان ينبغي ان يكون في النافع والمفيد للناس ويحقق نفعا اشتراكيا عاما للمجموع، أو يساعد في رفع الضعفاء وشفاء المرضى، بما يحقق العدل والمساواة والتآخي والتعاون المثمر بين الناس.
أي تجميد أو توظيف للقدرات والمواهب في باب الانانية أو ما يترتب منه أضرار مباشرة أو غير مباشرة، فهو مردود على صاحبه. وربما كان – مشروع جائزة نوبل- مثالا وجرسا لأولياء الشر اليوم وكل زمان.
فما كان الفريد نوبل يقصد شرا في ابحاثه العلمية التي نتج منها اختراع اسلحة الدمار، لكنه ما زال يشعر بالندم، ويحاول التكفير عن غلطته، دون أن يحظى براحة الضمير، وغفران الذات!.
فالعلم والمعرفة الى جانب المال والقوة، عناصر مثلث الشرّ المدمّر في تاريخ العالم.
(5)
"لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض..
حيث يفسدها السوس والصدأ..
وينقب عنها اللصوص ويسرقون..
بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء..
حيث لا يفسدها سوس
ولا ينقب عنها لصوص
ولا يسرقون.
فحيث يكون كنزك، يكون قلبك!"- (مت 6: 19- 21)
هنا تأكيد آخر على علاقة المال بالقلب، وعلاقة القلب وتسلّطه على الفكر والشعور والسلوك. وعندما يلتبس القلب [أفكار/ مشاعر/ رغبات] بمظاهر دنيوية ومجتمعية، يقع الفرد فريسة للشر، ومنظومة البؤس التي لا تنتهي بغير الضياع والإحباط واليأس.
"رأى الربّ: أن شرّ الإنسان
قد كثر في الأرض، وأن
كل تصور فكر قلب الإنسان،
يتسم دائما بالإثم.
فملأ الأسف والحزن قلب الربّ،
لأنه هو عمل الإنسان!"- (تك 6: 5- 6)
ان المال، إذا كنزته، امتلك عليك قلبك، وامتلكك، وساد عليك؛ وإذا أنفقته، املتكته وكنت سيدا عليه.
وفي هذا تمييز بين من يختار ان يكون عبدا للمال، أو يكون سيدا على المال!
(6)
"احذرو!.. أن تعملوا برّكم أمام الناس
بقصد ان ينظروا اليكم!.
والا، فليس لكم جزاء عند أبيكم السماوي.
فاذا تصدّقت على احد،
فلا تنفخ أمامك في البوق..
كما يفعل المراءون في الشوارع..
ليمدحهم النلس!..
أما أنتم، فلا تفعلوا مثلهم..
وعندما يتصدق أحدكم..
فلا يدع يده اليسرى تعرف ما تفعله اليمنى!
لتكن الصدقة في الخفاء..
وأبوكم السماوي يرى ما في الخفاء!"- (مت 6: 1- 4)
تخصص اليوم صفحات كاملة في الصحف، وساعات بثّ طويلة للترويج الاعلاني، لفلان الفلاني، أو المؤسسة الفلانية، الحكومة الفلانية أو الحزب الفلاني أو الطائفة الفلانية، لقيامه بمشروع خيري، أو مساعدته جيوب الفقر او المرض، او برامج الإغاثة الإنسانية..
وربما خرجت تلك المساهمات والتبرعات عن سبل الخير والصلاح، وكان ظاهرها خلاف باطنها..
ونعرف، أنه منذ ظهور جماعات الاسلام السياسي، انتشرت ظاهرة جمع تبرعات في الشرق والغرب، على شكل صناديق أو برامج أو هيئات خيرية، ناهيك عن المراكز الدينية وبعض العاملين بها، كانوا قنوات لتدعيم وتمويل الجماعات الارهابية وعمليات التدمير والقتل الجماعي المزدهرة منذ الثمانينيات لليوم.
وعندما تقيّم كلف الأسلحة والأعتدة ورواتب المرتزقة، يعرف المتصدّقون والمتبرّعون، مدى مساهماتهم في سياسات التقتيل والتدمير المبرمجة التي طال معظمها بلداننا ومجتمعاتنا.
معظم المتاجر والمنشآت التجارية في بلدان المهجر، تقدم أتاوات وزكوات وصدقات لجماعات مرتبطة بالإرهاب والدمار. فهاته التبرعات ليست مظهرية منافقة فحسب، وانما لا صلة لها بالعنوان.
استغلال التبرعات للدعاية الشخصية أو غير الشخصية، هو مظهر من مظاهر الفساد التي لا تحصى اليوم. ناهيك عما تتضمنه من فضح وتشهير بحماعات المحتاجين ومستلمي الإعانات.
ومنه، يعرف الجميع أسماء البلدان والحكومات والجماعات المسجلة على قائمة المعونات الأمريكية السنوية.
هذا الأمر يمتد في معناه اليوم ليشكل النشاط الإعلاني ووسائل الإعلام التي تتصدر الحياة المعاصرة، ومدى خطورة دورها وممارساتها في خدمة الشر العالمي.
بل ان المؤسسات الإعلامية اليوم، جزء من امبراطوريات المال التي يبتلع أحدها الآخر. ليس على صعيد الدعاية والورق، فحسب، وانما شركات النت الموغلة في الفساد المالي والأخلاقي.
وما شركات تنظيم المباريات الرياضية ومسابقات الجمال والفنون والآداب الشائعة اليوم، في ظلال الكوارث والحروب وسقوط البلدان والمجتمعات، إلا مظهر من مظاهر الفساد، وغطاء له!.
(7)
"- أيجوز أن تدفع الضريبة للقيصر أم لا؟..
أيها المراؤون، لماذا تجربونني؟...
أروني عملة نقدية! (فأروه دينارا)
لمن هذه الصورة وهذا النقش؟..
للقيصر!..
إذن، ادفعوا ما لقيصر لقيصر،
وما لله، لله!"- (مت 22: 17- 21)
هنا اختباران لموقف يسوع من المال، وموقفه من السلطات، مما يحيل على التعليم الذي استهللنا به هاته المداخلة.
وكان قادة الدين يتربصون به، كي يوقعوه بكلمة أو يورطوه مع السلطات الحاكمة، وهو ما أشار اليه ضمن ردّه عليهم.
وكان موقف يسوع من الإثنين واحدا وواضحا، في عدم خضوعه لأي منهما.
(8)
"ولما وصلوا الى كفرناحوم،
جاء جباة الضرائب الى بطرس
وقالوا: ألا يؤدي معلمكم ضريبة الدرهمين؟..
فبادره يسوع بالسؤال:
ما رأيك يا بطرس،
ممن يستوفي الجبة الضريبة؟..
أمِنَ الأجانب أم من ابناء بلادهم؟..
أجاب بطرس: من الأجانب..!
إذن: الأبناء أحرار!..
ولكن، لكي لا نضع عثرة لهم،
اذهب الى البحيرة، والق السنارة،
والسمكة التي تطلع أولا..
تجد في تجويف فمها أربعة دراهم،
خذها وسدد الضريبة عني وعنك!"- (مت 17: 24- 27)
في هذه ايضا، لم يثبت ان يسوع كان معه مال، صغر أو كبر، ولم يكن لتلاميذه مال، أو سعي للحصول عليه.
من الممكن ان تكون الاشارة للسمكة، بيانية رمزية، كأن تكون محارة او ماسة، أو مادة تشتق من عالم البحر، بقيمة الدراهم المطلوبة. وكانت الدفوعات السلعية مقبولة حتى القرن العشرين، سيما عند السلطات الحكومية.
الاشارة هنا، تتجه لطريقة استخدام المال او الغرض منه، اكثر منه، الآلة المجردة، حيث سبق الإشارة لعدم الاكتناز، وانما تسخير القدرة للاستثمار والمنفعة العامة.
(9)
"دخل يسوع الهيكل
وطرد من ساحته
جميع الباعة والتجار
وقلب موائد الصيارفة
ومقاعد باعة الحمام
وقال لهم: مكتوب،
ان بيتي بيتا للصلاة يدعى!
وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!"- (مت 21: 12- 13)
(10)
"وتطلع، فرأى الأغنياء
يلقون تقدماتهم في صندوق الهيكل.
ورأى أيضا أرملة فقيرة
تلقي فلسين في الصندوق.
فقال يسوع: الحق أقول لكم:
ان هذه الأرملة، قد ألقت
أكثر منهم جميعا.
لأن هؤلاء –(الأغنياء)-
من فضلتهم ألقوا،
وأما هي، فمن حاجتها
ألقت كل ما لديها!"- (لو 21: 1- 4)
فقيمة المال لا تقاس بكثرته الكمية، وانما بقيمته النوعية، بحسب الحاجة والتوظيف.
(11)
"واحد من الاثني عشر،
وهو المدعو يهوذا الاسخريوطي،
ذهب الى رؤساء الكهنة، وقال لهم:
كم تعطونني لأسلّمه لكم؟..
فوزنوا له ثلاثين قطعة من الفضة.
ومن ذلك الوقت، أخذ يهوذا
يتحين الفرصة، لتسليم المعلم.
(وفي بستان جثسيماني)
فيما يسوع يتكلم،
إذا يهوذا الاسخريوطي،
وصل ومعه جمع عظيم
يحملون السيوف والعصي،
وقد أرسلهم الكهنة وشيوخ الشغب.
وكان الخائن قد أعطاهم علامة،
أن الذين يعانقه ويقبله،
يكون هو، فيقبضون عليه.
فتقدم في الحال الى يسوع،
وقال له: سلام يا سيدي! وقبّله.
فقال له يسوع: يا صاحبي!
أبقبلة تبيعني؟.. تقدم الجمع
وألقوا القبض على يسوع.
(!) فلما رأي يهوذا
أن الحكم قد صدر
على معلمه بالاعدام، ندم،
وردّ الثلاثين قطعة من الفضة،
الى رؤساء الكهنة وشيوخ الشغب.
وقال: اخطأت إذ سلمتكم دما بريئا!.
وألقى قطع الفضة في الهيكل
وانصرف. ثم ذهب وشنق نفسه.
وأخذ رؤساء الكهنة قطع الفضة
وقالوا: هذا المبلغ ثمن دم!.
ولا يحلّ إلقاؤه في صندوق الهيكل.
وبعد التشاور اشتروا بالمبلغ
حقل الفخاري ليكون مقبرة للغرباء.
وما زال ذلك الحقل لليوم،
يدعى حقل الدم."- (مت 26: 14- 16، 47- 50، 27: 2- 10)
فالوجه الظاهر ان المال وراء الخيانة والوشاية وايقاع يهوذا بمعلمه. وما هي النتيجة المنطقية؟.. حقل الدم، الندم والانتحار!.
(12)
"لا تهتموا لمعيشتكم، بشأن
ما تأكلون وما تشربون،
ولا لأجسادكم بشأن ما تكتسون..
أليست الحياة أكثر من مجرد كساء
تأمّلوا طيور السماء،
انها لا تزرع ولا تحصد،
ولا تجمع في مخازن.
وأبوكم السماوي يعولها.
أفلستم أنتم أفضل منها كثيرا!
فمن منكم إذا حمل الهمّ..
يمكنه أن يطيل عمره ساعة واحدة؟..
فلا تحملوا الهمّ قائلين:
ما عسانا نأكل؟..
ما عسانا نشرب؟..
ما عسانا نكتسي؟..
فهذه الحاجات كلّها،
تسعى اليها الأمم..
وأبوكم السماويّ
يعلم حاجتكم اليها جميعا!
فاطلبوا أنتم ملكوت السماء وبرّه،
وهذه كلها تزاد لكم!..
لا تهتموا بأمر الغد،
يكفي اليوم ما فيه من سوء!"- (مت 6: 25- 27، 31- 34)
هذا النص هو تتمة متصلة لنصّ التعليم عن المال في الموعظة على الجبل، وامتداد مباشر له. وبشكل يلغي فكرة اشتغال القلب بالمال، الذي يراد به تأمين الطعام والشراب والكساء. فإذا تم تأمين حاجات الطعام والثياب والكساء والسكن والمواصلات، فما هو الغرض من المال أو مبرر وجوده اذن؟!.
وبحسب منظور المالية العامة ونظام البنوك، لا يسوغ اكتناز المال أو تجميده، ولا وجوده خارج دائرة الاستثمار والتوظيف في المجالات الاجتماعية والمصلحة العامة للمجتمع.
البعد الآخر في هذا الصدد، نجد تقاربا وتداخلا بنيويا لرؤية يسوع تجاه المال والاقتصاد السلعي، من نظم المشاعية القبلية والإدارة الاشتراكية لاقتصاديات المجتمع، بما يحقق الاكتفاء الذاتي وسدّ الاحتياجات والتكافؤ بين الأفراد والمشاركة في العمل والخدمة العامة، دون أثر للملكية الخاصة والحيازة والتمايز والتنابز.
(13)
يقول الشاعر في ذلك..
ثيابي، ثياب رثّة،
غير أنها نِظافٌ،
فلم تلحق بهنّ، جيوب!
!
دعيت ايضا بالوصية الذهبية، تمييزا لها عن الوصية العظمى: (مت 22: 36- 40)
*
القسم الثاني: السيف..!
"لماذا نحن فقراء.. وإلهنا غني!..
لماذا نحن ضعفاء.. وإلهنا قوي!.."
"ان الذين يأخذون بالسيف، فبالسيف يؤخذون!"..
(1)
كل جوانب الثقافة والمعارف والعلوم الإنسانية، مدينة في قواعدها ومناهجها لبضعة أفراد، لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، من بينهم أفلاطون وأرسطو ويسوع.
أفلاطون لم يكن قائدا عسكريا يتجول بجيشه في الأصقاع، وأرسطو لم يكن زعيم عصابة من الغوغاء يرهب بهم السكان ويحصل على حاجاته بالغزو والسلب. ويسوع الجليلي، لم يحمل سلاحا، ولم يؤسس حزبا أو دينا أو مملكة، ولا زعم نفسه ملكا أو نبيا أو كليريكا، يجمع الزكاة والعشور والصدقة والجزية، ويلعن من لا يدفع أو يخضع!.
فكيف انتشرت أفكارهم ومعارفهم ومبادئهم في الأذهان والنفوس، وتفاعلت في انتاج الحضارة وتقدم العلوم وتطور حياة البشر ومسالكهم؟..
الحاكم يستطيع تحويل رغباته وأفكاره الى قرارات وقوانين تتولى أجهزة الدولة فرضها على الناس عنوة، ومعاقبة المخالفين بالسجن والغرامات والإعدام. ولكن اولئك (النخب) لم يكونوا حكاما، وما كانت لهم مؤسسات مدنية وعسكرية، لنشر أفكارهم وترويجها عبر الحدود.
"مملكتي ليست من هذا العالم.
لو كانت مملكتي من هذا العالم،
لكان لي حرّاس يسهرون
على خدمتي وحمايتي. لكن
مملكتي ليست من هذا العالم"..
"جئت لتكون لكم حياة، وليكون لكم أفضل.".
"ابن الإنسان جاء ليَخدِم، لا ليُخدَم!.."
"السارق يأتي ليسرق ويذبح ويهلك،
أما أنا، فقد أتيت لتكون لكم حياة،
بل ملء الحياة!
أنا الراعي الصالح..
والراعي الصالح يبذل نفسه
في خدمة شعبه!".
(2)
لو تعامل يسوع الجليلي بالسيف والجيوش، لما كانت حالة مجتمعات شرق المتوسط على ما هي عليه اليوم، ولما أعوزتنا رحمة الغازي ونجدة العدو، ومساعدات الهيئات الدولية!.
لو كان ليسوع سيف، يحزّ به الأعناق، لما جرؤ أحد على التخلي عنه واستبداله بصاحب السيف!.
(3)
يسوع ضحية الأفهام الخاطئة والأحكام السابقة، لموضوعة العنف في التعليم المدرسي عن يسوع أو ما ينسب/ ينتسب اليه من [مسيحية، كنيسة، صليبية].
وعلى مدى عشرين قرنا، لم تظهر محاولة جادة تتصدى لموضوعة يسوع والعنف والحكم، بشجاعة علمية ووضوح.
ان كل الأفكار السائدة والشائعة عن يسوع وموققه من العنف، غير صحيحة البتة، وتعود في أصولها الى التصورات السابقة عن شخصية (المسّايا)، سيما الواردة منها في الكتابات اليهودية، أو الثقافات القديمة التي كانت سائدة أيامذاك. وفي التصورات اللاحقة، التبست بتبعات الحملات الصليبية والاستعمار الحديث.
والسؤال الأساسي على عتبة هذا الموضوع، هو: ما هي صورة العنف وتعريفه في زمن ظهور يسوع؟..
ما هو مفهوم وصورة العنف في ثقافات حوض المتوسط قبل ألفي عام، على الصعيد السوسيوثقافي الشعبي من جهة؟.. وكيف هي صورته وتعريفه على صعيد السلطة والحكم، أي الدولة؟.. وكيف هي الحال اليوم؟..
لقد كان العنف ولما يزل، هو المحور والمحدد للحياة والثقافة في شرق المتوسط، أو حوض المتوسط عموما. فلماذا اريد (عزل) يسوع وجعله استثناء من الثقافة والحالة السائدة.
وفي ثقافاتنا، بينما يصار الى تبجيل العنف والتفاخر بالقوة وتعظيم الطغاة، والمبالغة في تصوير القسوة وقصص المعارك، يصار الى الصاق صورة الضعف والخنوع والذلة بيسوع والمسيحية والكنيسة الشرقية عموما؟..
لقد اجتمعت عدة عناصر وجهات، على تدعيم تلك الصورة وفرضها على أرض الواقع، فيما لعبت المفاهيم والتفاسير الخاطئة، لوصايا يسوع والنصوص المتصلة به، عنصرا محفزا للافكار المعادية.
وفي تقدير آخر، عجز أتباع يسوع – على اختلاف جهاتهم وتوجهاتهم- عن مواجهة الأفكار المفروضة من الخارج، أو تقديم موقف حقيقي ورد موضوعي.
ونعرف ان حركة يسوع وثقافته واجهت الاضطهاد والتصفية طيلة القرون الثلاثة الاولى من ظهور يسوع، وما بين القرنين السابع والرابع عشر الميلادي، كما هي اليوم في اعتاب الألفية الثالثة، حيث يشكل المسيحيون الجماعة الأكثر عرضة للاضطهاد في العالم.
كل تلك المراحل والعوامل المتحكمة فيها، وقفت حاجزا وسدّا منيعا، امام تفسير اعلان يسوع الحقيقي، والترجمة الصحيحة لوصاياه. وفيما ساهمت الأطراف المناوئة ليسوع في تحجيم حركته وتشويه أفكاره، تحولت تلك الاطراف نفسها، ومن استتبعها، للتسابق في كيل الاتهامات والاشاعات، حول انحراف اليسوعية وما الى ذلك من مزاعم، وما زالوا يفرضونها على ارض الواقع.
ولو كان ليسوع سيف وجيش وعدوان، لما جرؤ أحد على الاجتراء عليه أو مواجهته. وذلك بحسب معادلات الواقع الاجتماعي: (من لم يكن ذئباً، نهشته الذئاب!).
(4)
جاء ظهور يسوع في مرحلة تاريخية عصيبة، هي مرحلة انتقالية من منظومة العالم القديم [أشور- بابل- مصر الفرعونية] الى عالم الاغريق والرومان. وهو تحول على صعد الجغرافيا واللغة والثقافة والاعتقاد والاثنية والحكم.
الانهيار المفاجئ للامبراطورية الآشورية في القرن السادس قبل الميلاد، شكل المهماز الرئيس لانهيار النظام العالمي القديم. وبذلك كانت نهاية الثقافة الآشورية التي كانت امتدادا طبيعيا جامعا بين ما سبقها وما عاصرها وتبلور عنها تحت عنوان شجرة الثقافة واللغات الآرامية القديمة.
ولم تفلح الامبراطورية البابلية في تحمل مسؤولية الإرث السياسي والثقافي، ومواجهة التحديات الدولية الراهنة يومها، فوقعت تحت اقدام حليفتها المتربصة بها.
وبسقوط آشور وبابل، تمددت امبراطورية فارس لملء الفراغ السياسي لفضاء حوض المتوسط، باتجاه مصر الفرعونية وبلاد الاغريق.
في مواجهة تينك الظروف والملابسات، واحتدام صراعات القوى المتعادية للسيطرة على – مركز- العالم القديم، ظهرت شخصية الاسكندر المقدوني ومشروع الامبراطورية الهللينية.
مشروع الامبراطورية السكندرية، استهدف بناء قواعد الاستقرار العالمي، ووقف حالة الاصطراع والاضطراب بين المكونات الاثنية ومراكز النفوذ المتعددة يومذاك.
اعتمد الاسكندر على تذويب الفوارق الثقافية وبلورتها داخل بوتقة ثقافة عالمية معصرنة، عرفت بالثقافة الهللنستية. فالاستقرار يقوم على الثقافة، والثقافة –أفكار ولغة- تنطلق وتعتمد على العقل. ولا شك ان ارسطو معلم الاسكندر كان وراء رؤية الاسكندر ومهندس مشروعه الثقافي العولمي الريادي.
المؤسف ان كل القراءات لتلك المرحلة انحصرت في الجانب العسكري والأثني، متعمدة تغييب المظاهر والظواهر الثقافية لتلك المرحلة المهمة جدا في ترسيم الثقافة العالمية عبر الزمن.
من أبرز المآخذ على قراءاتنا التاريخية والسياسية، انها مثلت على الدوام، ثقافة هزيمة واصدارات مهزوم متحامل على الآخر. وهي الصورة التي تسم كل افكارنا وتصوراتنا عن الاخر، المختلف، الموسوم دائما بانه عدو طامع حاقد. فيما نهيل على انفسنا صفات المظلومية والبراءة [نظرية الابيض والاسود]!.
لم يبق من مشروع الاسكندر غير مصر البطلمية وسورية السلوقية، فيما عادت فارس لاحتلال ارض الرافدين. ومع تبلور الثقافة الاغريقية في مصر والشام، ودنوها من الاستقرار، بدا نفوذ روما يتسع الى جنوبي وشرقي المتوسط، لصيانة مشروع الاسكندر المقدوني، حيث استقرت حدود الرومان التاريخية عند موقع سامراء الحالية والضفاف الغربية من نهر الفرات تجاه الجنوب.
ومع عناية الرومان في مشاريع العمران وبناء المدن والطرق والجسور، استمر تداول الثقافة الهللينية، مكتفية بمجال الادارة وحفظ الاستقرار.
الى أي حد نجح الرومان في ضبط قواعد استقرار المنطقة والعالم؟.. ذلك أمر نسبي، حسب وجهات النظر ومرجعياتها القومية المتفاوتة. لكن استقرارا نسبيا في سورية السلوقية ومصر البطلمية، استمرت مظاهره حتى حين.
(5)
موقع العنف في العالم القديم..
العنف، بالمعنى العسكري ومظاهره من حروب وصراعات، وسم نهاية عصر سومر في أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد. واستمر سمة سائدة في عصور بابل واشور.
وفي مصر الفرعونية التي أورثتنا أسفار الحكمة والأناشيد الدينية والغزلية، لم يُعرف العنف عنصرَ حسم عسكري، ولم يخطر للحكومات المصرية التمدد خارج مصر، قبل دولة عبد الناصر ومشروعه القومي العروبي.
لكن امبراطوريات بابل وآشور وفارس، لم تنقطع عن العنف العسكري، قامت على العنف العسكري، وسقطت بالعنف العسكري. كانت تَحتل وتَحتل: [من أخذ بالسيف، فبالسيف يؤخذ!].
فكان ظهور يسوع في الفترة التي كانت فيها المنطقة تحت الهيمنة الأجنبية الرومانية من الغرب، والفرس من الشرق. وكان مركز ظهوره الجغرافي، متوسطا بين الاسكندرية عاصمة البطالمة في مصر، وانطاكية، نقطة التقاء سورية بالاغريق.
تاريخيا، كان ظهور الاغريق والرومان في العهد الوسيط، وفي أعقاب سقوط آشور، الذي يعتبره المؤرخون دالة نهاية التاريخ القديم، وبداية المرحلة الوسيطة – اضطراب وتفتت شرق المتوسط-.
ظهور الاغريق ومن بعدهم الرومان، كان دالة الانتقال الجغرافي لمركز القوة والهيمنة من شرق البحر المتوسط الى شماله. ويمكن القول انه منذ سقوط امبراطورية اشور، لم تنعم المنطقة بالاستقرار، فاندفعت للهامش الحضاري والسياسي، بعدما كانت الرائدة.
والسبب الرئيس وراء هذا الانزياح والتراجع والاضطراب، هو لغة العنف ومركزيته في العلاقات العامة. فكان مشروع يسوع استبدال لغة العنف بلغة أكثر نفعا وأقل ضررا، على الصعيدين الفردي والعام.
وقد سبق الاشارة.. على الصعيد الاقليمي والاثيني، الى موقع حركة يسوع في التاريخ اليهودي وموقفه من حركة الغيورين التي كانت امتدادا لحركة ثورة الحشمونيين ضد الحكم الروماني والتي انتهت بالقضاء عليهم وهدم هيكل سليمان سنة (64 ق. م.).
ولا يفوت الباحث ملاحظة ان شخصية يوحنا المعمدان وحركته السابقة والمعاصرة ليسوع، كانت أكثر تشددا على الصعيد الذاتي والعام. وقد جاءت موعظة يسوع على الجبل، التي تعتبر بمثابة المانفستو العام لحركته، عقب اعدام يوحنا المعمدان على يد هيرودس الأدومي الأبن سنة 26م.
وكان افراد من بقية حركة الغيورين التي خلفت الثورة الحشمونية، ضمن تلاميذ يوحنا المعمدان، ممن انضموا الى أتباع يسوع الجليلي.
لذا كان تعليم يسوع حول العنف والحكم الارضي/(السياسي) واضحا وعلى درجة من الأهمية، لبسط الامور أمام من يريد اتباعه. وكان يؤكد دائما، على ضرورة الالتزام بتعاليمه، لمن يريد أن يكون تلميذا له:
"من أراد أن يتبعني، فلينكر نفسه،
ويحمل صليبه ويتبعني.
فأي من اراد أن يخلص نفسه، يخسرها،
ولكن من يخسر نفسه لاجلي، فهو يجدها.
ماذا ينتفع الإنسان لو ربح
العالم كله وخسر نفسه؟!"- (مت 16: 24- 26)
وبالتأكيد، لم يكن هدف يسوع، اعادة تكرار ما سبق حدوثه، وترسبت الامه في الذاكرة الجمعية!.
(6)
"تقدم الجمع وألقوا
القبض على يسوع.
وإذا واحد من الذين
كانوا مع يسوع، استل سيفه
وضرب عبد رئيس الكهنة،
فقطع أذنه. فقال له يسوع:
ردّ سيفك الى غمده،
فأن الذين يأخذون بالسيف،
بالسيف يهلكون!.
أم تظن أني لا أقدر الآن،
أن أطلب من أبي،
فيرسل لي أكثر من
أثني عشر جيشا من الملائكة؟.."- (مت 26: 50- 53)
هل كان يسوع يعمل معجزات، ويشفي الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى؟..
هل كان يعمل كل ذلك باستخدام أدوية وأجهزة الكترونية، أو يكتب لهم طلاسم وتعاويذ؟..
أم كان يقوم بها بفعل سلطان الكلمة وقوة الروح القدس؟..
كيف كان البحر المضطرب يهدأ بكلمة منه، وكيف يمشي على سطح الماء، كما تمشي أنت على سطح الأرض؟..
قد لا تؤمن بذلك!.. وقد تفهمه بصورة أخرى، وأنت حر!..
لكن يسوع لم يستخدم العنف، ولم يعلق سيفا على جانبه.
لم ينشئ له مافيا مسلحة، ولم يأخذهم للصحراء للقيام بتدريبات وفرضيات عسكرية، وتمارين للتربص بالقوافل ومهاجمة سكان القرى الفقيرة..
ربما لديك معلومات مختلفة، وأنت حر في مصادرك وارائك!..
لكني اقول لك شيئا واحدا لمجرد التامل فيه..
لو كان يسوع الجليلي استخدم قدراته الروحية والمادية، لانشاء جيش واحتلال سورية في ذلك التاريخ وفرض عقيدته بالسيف والقهر، وقطع الاعناق والارزاق، أين كان سكان سورية والشرق الاوسط يكونون اليوم؟..
كيف تكون لغتهم وثقافتهم وعقيدتهم..
هل كانوا يحتاجون لاحتلال الرومان أو الفرس؟.. ام يتعرضون لاحتلال البدو العرب ويفقدون لغاتهم وثقافاتهم ويغيرون دياناتهم، مثل أوراق البنكنوت تحت دمقراطية السيف والتهميش؟..
لقد ابتدأت هاته المداخلة بالقول ان احكامنا وثقافتنا نابعة من مشاعر الهزيمة والانسحاق، وهي الأرضية السيكولوجية للعنف والاستعداء.
ومغزى هذا الموضوع، كما سبق التنويه اليه في الحلقات الاولى، هو تقديم قراءة جديدة، تختلف عن الفهم المدرسي والكنسي الشائع في الشرق او الغرب من جهة، ومن جهة ثانية، الفصل بين يسوع والمسيحية والكنيسة.
لكن الموقف العربي العام من يسوع، له ملابسات تاريخية، متأثر بالتعليم الاسلامي حول (عيسى ابن مريم)، والمواجهة التاريخية للعرب مع ما يدعى بالحروب الصليبية، رغم الاخطاء السياسية والابتسمولوجية التي تكتنف الموضوع من كل جوانبه، اصطلاحات ومعارف ومعطيات على الأرض.
والمؤسف، انه في زمن ما بعد الحداثة، وانتشار مصادر الثقافة والعلوم والتواريخ، فإن العربي ما يزال انتقائيا، في التعامل مع العالم. بل ان العلمانيين والملحدين أنفسهم، لم يتحرروا من منظومة الأحكام المسبقة سواء في الدين او السياسة او استعداء الآخر.
هل الموقف السلبي من يسوع الجليلي، هو تنفيس وتعويض للقمع والكبت الفكري والنفسي الذي يعيشه البعض من اجواء التربية الاسلامية ؟!!
قلِّبْ أرشيف مكتبتك، وراجع مصادر معلوماتك، واستفد من المتاح من المعارف والمعلومات بين يديك، واستفد من الكلمة الطيبة، وقانون المحبة والحرية الحقيقية!.
إذا كنت انت ضحية والديك، فلا تجعل أبناءك ضحايا لك!.. بادر الى التغيير!
(7)
"أقول لكم: أحبوا بعضكم بعضا.."
"كل من يغضب على أخيه،
يستحق المساءلة!..
ومن يقول لأخيه: يا تافه!
يستحق المثول امام القاضي..
ومن يقول لأخيه: يا أحمق!
يستحق نار جهنم.. –لأن الإنسان خليقة الله!-
فاذا حملت تقدمتك للمعبد..
وتذكرت أن لأخيك شيئا عليك!
فاذهب أولا، وصالح اخاك!
سارع الى استرضاء خصمك
وأنت معه في طريق المحكمة..
قبل أن يسلمك الخصم الى القاضي..
ويسلمك القاضي الى رجل السجن".
"سمعتم أن قد قيل: أحب قريبك!
أما أنا فأقول: أحبوا أعداءكم!..
باركوا لاعنيكم، أحسنوا
معاملة من يبغضونكم
صلّوا لأجل الذين يضطهدونكم
لتكونوا أبناء أبيكم السماوي..
فإن أحببتم الذين يحبونكم
فأية ميزة تكون لكم؟..
وان رحبتم باخوتكم...
فأي شيء فائق للعادة تفعلون؟..
أما يفعل ذلك الأخرون أيضا؟..
فكونوا انتم كاملين..
كما أن اباكم السماوي، كامل!!"
(8)
(يا ليت لو
جعلوا العلاقة في غدٍ..
بين الشعوب..
مودّة وإخاءا)-
الشاعر أحمد شوقي [1868- 1932م]
!
*