إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد الشاعر خليل حاوي

قرأها 9
 

لمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد الشاعر خليل حاوي في 6-6-1982، نظمت الدائرة العربية ومجلة (الأبحاث) في الجامعة الأميركية في بيروت، بالتعاون مع المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، ندوةً عالمية حول شعر حاوي وأعماله النقدية. تركزت المداخلات على نظرة الشاعر الى الحياة والشعر والثقافة، وبخاصة على تقويم عطاءاته في الشعر العربي الحديث.

وشارك باحثون عرب وغربيّون في مناقشة شعر حاوي متوخّين أن يموضعوه في سياقه التاريخي وأن يضيئوا ما لفكر حاوي من أبعادٍ في النظرية الأدبية والقومية والحضارية. وقد ارفد البرنامج الأكاديمي بنشاطات اجتماعية وثقافية منها الأمسية الافتتاحية في الجامعة الاميركية في بيروت (الأربعاء، 6 حزيران، السابعة مساءً، قاعة وست هول)، والأمسية الشعرية في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية (الجمعة، 8 حزيران، السابعة مساءً). وهنا بعض الملخصات لمؤتمر حاوي:

(حاوي والقناع)

د. يمنى العيد ركّزت في كلمتها على دور القناع في شعر حاوي، وهنا أبرز ما جاء فيها:

انتزاع القناع من تاريخه في المسرح واستخدامه في الشعر.

استخدام القناع في القصيدة العربية يندرج في حركة الحداثة العربية وليس محاكاة.

القناع كما أوضح خليل حاوي وظيفته في الصورة الشعرية للقصيدة.

القناع في قصيدة (وجود السندباد) لخليل حاوي: دوره (القناع) في تحديث القصيدة ونقلها من غنائيتها الى بنيتها الدرامية: المشهد وتعدد الأصوات.

القصيدة والسيرة القائمة، في حركة تطورها، على حلم العودة من سفرٍ تتعدّد به وجوه السندباد (حضارة الغرب...) الى الينبوع / البراءة الرامز اليهما وجه الطفل.

الحلم هو حلم الانبعاث في رموزه التاريخية والاسطورية.

التناقض بين الزمني العابر (زمن ال أنا المعيش كما تعبر عنه القصيدة)
وبين زمن الرؤيا (الحلم) المحيل على المطلق، وبالتالي وصول الـ"أنا" الى مأزقه
(مأزق حلم العودة الى وجه الطفل أو الولادة الجديدة/ الانبعاث). ويتمثل المطلق في (الوجه السرمدي)، أي الديمومة.

الخاتمة المأساوية: في القصيدة الدرامية ثم في حياة الشاعر.


حاوي بطلاَ

د. أسعد خيرالله (الجامعة الأميركية في بيروت) تطرّق الى موضوع (حاوي بطلا: صورة الذات وبطولة الرسالة)، وجاء في كلمته:

إنّ الرسالة النبوية عند حاوي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا ببعدين هما الأمّة الخلاّقة الناهضة والشاعر النبوي المبدع، أي بالموازاة أو حتى المماهاة بين الحيوية الإبداعية في الشاعر وفي الأمّة. فإذا درسنا شعر حاوي وجدنا أنّ أكثر المواضيع تكرارًا فيه ترتبط بحيوية الأمّة وطاقاتها الإبداعية التي تمكّنها من الانتصار في صراع البقاء. فهو، في هذا، نيتشوي، جبراني.

وكما تتجسّد الحيوية المستعادة للأمّة بالبطل المخلّص، الذي يُحيي الفطرة الأصيلة (القائمة في العفة والكرامة والفداء)، تتجسّد أيضًا في الشاعر الذي يرى (بفطرة تحسّ ما في رحم الفصل/ تراه قبل أن يولد في الفصول).

ولقد تأرجح حاوي بين رؤى الاضمحلال ورؤى الانبعاث فتمحور شعره حول جدلية البوم والعنقاء، جدلية الخراب والقيامة، وجاء معبّرًا عن حالاته النفسية في تفاعلها بقراءاته لحاضر الأمّة ومصيرها.

البحث الحالي يدرس الترابط الوثيق بين العناصر الرئيسة في نظرة حاوي إلى الحياة والفن، وإلى رسالة الشاعر النبوية، ويشدّد بخاصة على البعد الطقوسي في تمثّل هذه الرسالة وتحقيقها.

وأطروحة البحث هي أن هذه الطقوسية ، بما تشتمل عليه من ترقّب وانتظار وابتهال وقلق وتضحية، بل بما فيها من أبعادٍ كهنوتية استدراجًا للرؤيا وقيامًا بالذبيحة المقدّسة في جسد الشاعر نفسه، هذه الطقوسية قد تساعدنا كثيرًا على فهم التضحية الأخيرة التي قام بها حاوي.

قصائد حاوي الأولى

د. جورج جحا تناول قصائد حاوي الأولى وسياقها التاريخي، وجاء في كلمته:

المرحلة التي تقع بين الحقبة التي كتب فيها خليل حاوي شعرا بالعامية اللبنانية واسماه (الشعر الطليق), وصدور مجموعته الاولى بالفصحى (نهر الرماد) , شهدت, فضلا عن نشره عددا من القصائد بالفصحى, اتجاها الى كتابة مسرحية شعرية اسماها (سالومي).

القصائد التي كتبها في تلك الفترة ,حمل بعضها (بذور) افكار, وسمات, يبدو انها تطورت عنده في اوقات لاحقة في شكل او آخر. هذه القصائد, وما بين ايدينا منها ,حتى الان, قليل, قد يكون ابرزها تلك التي يمكن وصفها بانها وجدانية وذات طابع (فكري سياسي). انها تلك التي تناولت اعدام انطون سعادة وعدد من رفقائه سنة 1949. وبينها واحدة سبقت ذلك الحدث زمنياً وعكست تأثراً بمدرسة سعادة الفكرية. في تلك القصائد تطل رموز واقنعة مختلفة. ومع ان هذه تشكل انعكاساً لرؤية الشاعر الفنية, فاننا لا نستطيع ان نغفل أجواء القمع في تلك الحقبة والتي قد تكون من أسباب اللجوء اليها.

اما قصيدة (الذرى البيضاء) التي قيل فيها انها صورت محاكمة سعادة قبل إعدامه, فهي عندي تصوير لمحاكمة حاوي حزبياً. وفيها يستعمل الشاعر (لغة) سعادة ليعلن عجز قادة حزبه عن الارتقاء الى مستوى رجل الفكر الشهيد وفهمه كما فهمه وقدّره الشاعر الشديد الارتباط به.

محسن الموسوي

د. محسن الموسوي تحدث عن الإشتباك مع (مابعد الحداثة) من منطلق حداثي: رحيل شاعر أم رحيل قضية? وجاء في كلمته :

بدا رحيل خليل حاوي بمحض اختياره عَشية الاحتلال الاسرائيلي لبيروت (6/6/82) بمثابة إعلان صارخ عن رحيل آخر، هو رحيل الخطابِ القومي وقضيةِ الحداثة وحاضنها المعطوب:
أي الدولة القومية. وإذا كان خليل حاوي قد حاول الانتحار من قبل وسعى إليه، فلأنه يحيا المحنة التي ينطوي عليها المشروع الحداثي وحاضنُه. وما التباس الشخصي بالوطني والقومي إلا الدلالة على عمقِ الحيرة التي عاشها المثقفون الجادون بين الطموح النهضوي وانتكاساتِ المشروع وعلِلهِ الحادة. وليس مصادفةً أن يقدم حاوي على فداء هو غسل للعار ايضاً، لأن تمخضات الهزيمة منذ 1967 فرضت الفداء نسقاً فكرياً في الكتابة الابداعية كمعالجة لوضع مضطرب وزمن معطوب وبدت أغوار النفس مرايا الشعراء لرؤية الخارج، فالشاعر الرائي كان يراوغ سببيات الحداثة وقواعد النهضة ويستعين بالرمز والاسطورة والتاريخ لاسباغ نظام بديل لأوضاع متردية لم تطؤها الحداثة بعد أو تعثرت عند مداخلها وعتباتها. كان نسق الفداء شائعاً. وإذا يحتم النسق حلاً شخصياً كبديل للإيديولوجية الصنمية وبلاغات التوحد والسرديات العظمى المليئة بالإدعاء والمبالغة الجوفاء والآمال العريضة كان لا بد من ظهور الفداء الشخصي مرافقاً للكتابة الجديدة المفعمة بالفردية والمكتنزة بالتنويع والساخرة من ادعاءات الثقافة الرفيعة. ولم يَأت فعلُ الفداء منقطعاً عن غيره، لأن خليلاً اختبرَ ثنائيات الحداثة من قبل بشغف وتركيز قلما نجد مثيله عند مجايليه: وبدت اختباراته لثنائيات الحداثة بالغة الحدة، آخذة في أحيان كثيرة من أدب الاستشراق: فشرق (البحار والدرويش) هو (العريق) والـ(الحانة الكَسلى)، وهو (أساطير، صلاة)، وكذلك فهو (رطب)، ولكن في (الأرض الموات)، حيث (طحلب) عتيق و(لبلابٌ صفيقٌ)، وإذا ما تواجد نبت فهو (نخيل فاتر الظل). والصور المترادفة تريد أن تعرض للفاعل فيه عاجزاً لا حظّ له غيرَ التسمية، فهو درويش (شرشت رجلاه في الوحل). وبمثل هذه الصورة لنا ان ندرك التفاوت بينه وبين (الخِصب المدوي)، ذلك الذي يشد خليلاً ويبقيه مفعماً بالامل. الشرق العتيق يكرر خطاباً مستهلكاً يدينه حاوي لأنه محض (رُقعٌ تزرع بالزهو الأنيق جلده الرث). والعبارة الاخيرة تنسحب على خطاب التغني بالأمجاد، كما تنسحب في قصائد تالية على الخطاب القومي الرسمي، ذلك الذي يتماهى -كما تقول القصائد- مع الشعر التهريجي.

هنا تأتي رحلة حاوي المبكرة في التجربة الرؤيوية، تلك التجربة التي اغتنى عبرها شعر وليم بتلر بيتس، وايقن حاوي أنها تتيح لنا تجاوزية كالتي ارتادها جبران من قبل. والرؤيا تقع بين أمرين: بين بعدٍ اطلاقي يلامس مركزيةَ الحداثة وتمخضات ثنائياتها، وآخر يخرج على السببية لتقويض مرتكزات الأصول الحداثية وكذلك الرواسب المتوارثة. وعند خليل يشتبك الاثنان ما بين وعد بالبطولة المتعالية المتسامية (الجباه السمر والذرى... الخ) التي تعيدنا إلى رمزيات الخطاب القومي وبين العودة الكلية إلى الابتداء: الينابيع التي لا تقبل التحديد والترسيم، كما يعرض لها في رمزية المؤنسنين: البدوية السمراء وجنية الشاطئ. هنا يخرج من حدود العنصر والطبقة والانتماء، ويبحر ما بين عروبة صافية وحريةٍ متناهية تتيح له اختبار الواقع كأنه عرض مكشوف لا غطاء له ولا تبرير. هذا ما يفرضه الايقاعُ المتوالي وتلاحقُ الصور ومفارقة المعاني وتوترات التراكيب ووحشية المفردات . القصيدة الحائرة المحيرة، الآملة المضطربة، هي محطة الاشتباك وهي التي تحتم الانفتاح على أمر واحد: هو الاحتفاء بفاعلها فادياً ومخلِّصاً.

نبـيل أيوب

كلمة د. نبـيل أيوب تطرقت الى رموز شعر حاوي وشيفراته، وجاء فيها:

تستهلّ الدراسة بتعريف الرمز، وتلحظ تقاربَه مع الميثولوجيا والشعر، وتوافقَه مع رؤية حاوي إلى الشعر بوصفه تجسيداً لِـ"..."

واستناداً إلى ما تقدّم، تطرح الدراسة إشكالية علاقة الشعر والرمز بمنظومة القيم والأفكار المتضمّنة في الدلالة الثانية الرمزية، وتتساءل عن مدى النجاح في توظيف الشعر لهذا الحمل، وعن مدى انسجام الرؤية الشعرية في دواوين حاوي، وتالياً، عن إمكان جمع عناصرها في كلية منسجمة?!...
تتبنّى الدراسة فرضية تعالي الدوالّ (=جمع دال)، وعدم سيطرة المعبّر على المدلولات الرمزية الثانية، على الرغم من محاولات ضبطها. وتنبري، بعد ذلك، لعرض رموز شعر حاوي في دواوينه الثلاثة: النهر والرماد، الناي والريح، بيادر الجوع، وهي رموز ميثولوجية، ودينية، وتراثية ثقافية وشعبية، ومفردة حسّية مبتكرة. وتختارالدراسة توزيع تلك الرموز على المحاور الأساسية لشعر حاوي، بناء على دلالاتها الثانية، وتلاحق تفتّح تلك الرموز، ونموّها، وتبدّل دلالاتها، أو تراكمها...

وفي المرحلة الأخيرة، تنصرف الدراسة إلى التأويل، علماً أنّها تلحظ نجاحات الشاعر في تعبيره الرمزي، وفي قبضه على المأسوي في الذات الإنسانية وفي الأمّة، إلاّ أنّها تكشف، بالمقابل، عن المآزق التي حُبِكَت في النصوص الشعرية، وعن استحالة إنشاء أيّ مصالحة بين الأضداد، وعن انحياز الشاعر إلى مثالٍ أو نموذج أعلى ربط الشاعر ذاته ووجوده ومصير شعبه بتحقيقه. فهل الشعر حلم أو تخمين أو نبوءة على ما يرى معظم الشعراء الحديثين العرب? وهل الشاعر الحديث من أنصاف الآلهة، يحمل رسالة توجِبُ صدقيّتُها أن يرفعها الشاعر إلى مستوى يعدل وجوده?!...

صبحي البستاني

د. صبحي البستاني تناول النص والتناص في شعر خليل حاوي، وجاء في كلمته:
يضفي التداخل النصي أو التناص بأشكاله المتنوعة على نتاج حاوي الشعري كل (ديناميكيته النصية)، ويضع بالتالي منهجية قراءةٍ محددة تعطي القارئ دوراً طليعياً قي تحقيق النص وإدراك أبعاده. من هذا المطلق تطرح الدراسة الإشكالية التالية: كيف ظهر التناص في شعر حاوي ووفق أية تقنية شعرية تعامل معه? ما هو البعد الدلالي للتناص في شعره? وإلى أي مدى تمكن حاوي من خلال لجوئه البيّن إلى هذه التقنية من خلق نص شعري جديد?

أول ما ينبغي الإشارة إليه في شعر حاوي هو حرص المؤلف على ما يمكن تسميته (بالتناص الداخلي) المتمثل بالمقدمات النثرية المقتضبة التي تردد صدى القصائد المختلفة وتربط فيما بينها مذكّرةً القارئ بوحدة الإنتاج الشعري وتماسك التجربة الشعرية التي يعانيها الشاعر. ثم ما يلفت النظر أيضاً، عند تصفّح دواوينه هو تقديم عدد كبير من القصائد بتناص يُعرف (بالاقتباس الاستهلالي) (epigraph?)، قد يتعدى الثلاثة أحياناً للقصيدة الواحدة. وقد أفاد الشاعر من هذه الاقتباسات وفق تقنية شعرية نراها تتكرر في عدد من القصائد، ليرسم من خلالها إشارات ترشد القارئ في ولوجه النص وتفتح أمامه مجالات جديدة للإيحاء والتخييل. ثم هناك من دون شك التناص الضمني غير المباشر، إذ تبدو نصوص حاوي وكأنها بنيت على قواعد نصوص سابقة. ويكفي في هذا المجال أن نتأمل عناوين قصائده لندرك دور هذا النوع من التناص في شعره.. وليس من المبالغة القول إن نتاج حاوي، بغالبيته الساحقة، هو إحياء للذاكرة الثقافية والتاريخية والدينية العربية والإنسانية. ستتوقف هذه الدراسة عند بعض النماذج من شعره وخصوصاً عند الديوانين الأخيرين وعند قصيدة (شجرة الدر)، آخر قصيدة له بالتحديد، معالجةً شعريّة التناص فيها.

عدنان حيدر

د. عدنان حيدر ألقى كلمة بالانكليزية حول موقع حاوي في الشعر الحديث ، جاء فيها:

In my presentation, I intend to highlight Khalil Hawi’s contributions to modern Arabic poetry, concentrating on Bayadir al-Ju’a (The Threshing Floors of Hunger) which represents a summation position in his oeuvre. I will do so by juxtaposing two kinds of integrity, two approaches to modernity: one characterized by a constant responsiveness to the new, an aspiration towards contemporality, which tracks down conventionality and explodes it; and one, typical of Hawi’s project, which works from inside the tradition outward, an esthetic of reworking and reshaping in which each new creation is designed to echo a constant body of personal tradition, to open it for further growth and expansion.

الأنوار