طوبى لكم
طُوبَى لكم،
ما زلتم ترتكبونَ الحياةَ على أرضٍ
لم تصادرْها الـ www،
لتقيمَ عليها دولةً رقميّةً
عاصمتُها الـ dot com الشّريف.
*
لم تلتحقوا بصفوفِ "ثورة ثورة
حتّى الـ restart".
ولم يرشوكم بمواطنةِ شرف
في قريةٍ كونيّةٍ ضيّقة
تتّسعُ لمليارِ صديقةٍ وصديق.
*
لا تنوءُ صناديقُ أباريدِكم بكَلْكَلِ email،
سوادُهُ spam ممّا لا تنتظرون.
ولا يباغتُكم غيرُ مرغوبٍ بِهِ
بثرثرةٍ فوريّةٍ (لا إحّم ولا دستور)
على قارعةِ الـ messenger،
يريدُ، بكبسةِ enter،
أن يعرفَ القابلةَ الّتي ولّدتكم
ولا يتبرّعُ بأخبورةٍ (قد راس الإبرة)
عن ضميرِهِ المستتر
خلفَ ضبابِ nickname.
*
لا ينتابُكم كابوسٌ بأنَّ جرثومةً قاتلة
سطت على كرمِ كمبيوترِكم السّائب،
تتلفُ ما تبعّرتُم من ملفّات
(وما أدراك ما الملفّات؟!)،
وما شنشلتُم من أربوطات
على مشجبِ الـ "مفضّلة".
*
لا يرعبُكم أنّ هاكرًا،
ابنَ ستّينَ ألفِ هاكرٍ،
يلتفُّ على جندِ "نورتون"،
يخترقُ جدارَ نارٍ ليسَ في نارِهِ نارٌ،
يبلغصُ، الآنَ online،
بذيلِ فأرتِهِ العبقريّة،
في ما "تملكونَ" من عقاراتٍ
على سطحِ قرصٍ صلب،
يشيّعُها إلى مقبرةٍ للنّفاياتِ الإلكترونيّة،
وأنتم نائمونَ على مخدّةٍ من ريشِ username
تدحشونَ تحتَها كلمةَ سرٍّ تعتقدونَها سرّيّة،
وكأنّها تميمةٌ
تربطُ فمَ الوحشِ عنكم.
*
لا تشغلونَ بالَكم ببرقةٍ مارقة
تأتي على الأخضرِ واليابس
في حقولٍ هشّةٍ وبيادرَ أكثرَ هشاشةً،
ويروحُ تعبُ السّنين
أدراجَ ريحٍ لا تعرفُ الرّحمة.
*
ما زلتُم تقربونَ الحياةَ اشتهاءً،
ولا تقربونَ الصّلاةَ وأنتم سُكارى
على ضفافِ عباءةِ سماحةِ السيّد Google.
*
تجدونَ وقتًا طيّبًا للطّعامِ وأطيبَ للكلام
مع كائناتٍ من لحمٍ وحُلُم.
ووقتًا لارتشافِ قهوةِ الصّباحِ بتُؤَدَةٍ،
دون أن يقلقَكم صريرُ popup
يدبُّ الصّوتَ أنَّ بريدًا وصل
أو أنَّ أحدًا دخل.
تجدونَ هامشًا من وقتٍ
لقراءةِ كتابٍ من لحمٍ ودم،
تصيخونَ السّمْعَ إلى حفيفِ ورقٍ
منزّهٍ عن خشبِ الافتراض،
وتشمّونَ رائحةَ حبرٍ
لا يمتُّ إلى البلازما
بصلةِ أرحام.
*
لم تتقمّصوا كائناتٍ دجتاليّة.
لم تحوّلوا ماءَ ذاكرتِكم
كريستالاً يسيلُ من شاشاتٍ
لا ماءَ في وجهِها
ولا دماءَ في عروقِها.
طُوبَى لكم،
طُوبى لكم.
حرفيش، الجليل، كانون الأول (ديسمبر) 2006