(البستاني في حجرته..)

وديع العبيدي قرأها 889

 (البستاني في حجرته..)

1

البستاني الفاقد حقله والثمر

يجلس كل صباح الى

النافذة الوحيدة في حجرته

امامه على الطاولة

نصف كوب قهوة بارد..

شجرة عالية كثيفة الاغصان

تغطي مشهد النافذة

وتفصله عن رؤية العالم

وعلى غصنها المجاور له

حمامة تتلفت..

طبقة الزجاج الواحدة

على مدى النافذة

بلا مصراع نحو الخارج..

خلال زجاجتي عينيه

تتفتح  مصاريع ذاكرته

وفي نصف الكوب البارد

تسقط دمعات ساخنة..

الريح القوية في الخارج

تجعل الشجرة تتمايل راقصة

وفي نهايات اغصانها الطويلة

تبتسم براعم حمراء.

لندن/ 16 أكتوبر 2016

2

(أرض يهوه!)

البستاني ليس له أرض

لا وطن ولا بيت ولا حقل

شخص آخر يملك الارض

والبستاني أجير في أرضه..

مالك الارض يتحكم بالسقي

يتحكم بالشمس والمطر

وهو يستولي على المحصول

ويبيعه في اسواق الحكومة..

البستاني يتقن حرفته

ويفهم تفاصيل لغة الارض

اغوته عشتار وقادته الى سريرها

ثم وجدت غيره وهجرته..

هكذا جعله حمورابي

اجيرا في الارض، لا مالكا

ولا اجرة بلا عمل

ولا سكن بلا اجرة

ولا امرأة بلا سكن..

البستاني، وهو يحرث البحر

نزل في مملكة فكتوريا

نزيلا في بيت من حجرة واحدة

لها نافذة واحدة بلا مصراع.

ملحوظة:

الفلاحون لا يملكون الارض.

الارض يرثها المقاولون.

المرأة والارض من طبيعة واحدة.

والاطفال عبيد المستقبل.

لندن/ العشرين من اكتوبر 2016

3

(بستاني.. لا اكثر)

الريح تخلف الرائحة

الشمس تخلف الحرارة

النار تخلف الرماد

ماذا يترك البستاني بعده؟..

مثل رسام يلون الحديقة بالزهور

مثل نحات يصنع تماثيله من الاشجار

مثل عاشق يكلل حبيبته بالثمار

الطبيعة مدينة للمسات البستاني.

البستاني لا يسمي مخلوقاته

ولا يسجلها باسمه في اوراق الحكومة

لانه ليس من فئة الملاكين

ولذته في الحب والمشاركة.

البستاني زرع اشجارا كثيرة

كتب قصائد كثيرة

خلف اطفالا كثيرين

كل ما صار وقودا للحرب.

البستاني وزع روحه في الهواء

رافع عينيه للسماء وليس الارض

البستاني يزرع.. لا يجمع

أي قيمة للارض من غير البستاني؟..

البستاني في حجرة العجزة

يتناول دواءه حسب المواعيد

ينظر الى الحديقة من النافذة

البستاني ينام، وفي قبضته حفنة بذور.

لندن في العشرين من اكتوبر 2016

4

(البستاني الأخير)

بين البستاني الاول والاخير.. شعرة من ابليس

بين شرقي عدن وبستان جثسيماني.. ابناء الجن

بين ارض الموعد والملكوت.. يلهو الفاشست

بين الكلمة والبذرة، ملك الموت.

ما بين الاثنين، عهد الشقو وعهد النعمة

عرق الجبين وسحت الأرض

وهم العقل وخبث الأفعى

والحكمة المصفاة في ازميل الروح.

طويلة هي سنوات البستاني

وقليلة هي معاشاته ولذائذه

كثيرة هي وقفاته على ابواب الحكومة

وطويلة طوابيره حيثما يذهب.

له أطفال كثيرون، ولا امرأه عنده

يفلح في الارض منذ ولادته

وهو بلا أرض

يطعم الجميع، وهو يييت بلا أكل.

بعضهم يدعوه الها

واخرون يدعونه عبدا

البعض يعتبره دخيلا ولا موطن له

وحده يقول: وطن البستاني عمله.

أول من عمّر الأرض

وصار عبدا لها..

أول من ساد وفك الالغاز

والمرتزقة صنعوا الدولة والحكومة.

أكلوا من ثمرات البستاني

وفرضوا عليه الضرائب..

ارسلوا اطفالهم للمدارس

واطفال البستاني يلعبون بالطين.

الوظائف العالية حكر لأبنائهم

البيوت الجميلة والسيارات الفارهة

السفرات الأجنبية والنساء المتبرجات

وبنات الفلاحين يمسحن البلاط.

القراصنة السادة الحكام وملوك البوكر

المرتزقة واللصوص والمزورون

الوسطاء الطفيليون والانتهازيون

هم شياطين الراهن والمستقبل والتاريخ.

وإما البستاني فأيقونة متحف

داخل ففص من زجاج محاط بكتان أحمر

يتأمله السياح وتضحك البنات من تجاعيده

وهو في التابوت، يموت البستاني واقفا!

لندن في الخامس والعشرين من اكتوبر 2016

5

(أرملة البستاني..)

في السنة السادسة من غزوة الجراد

فقد البستاني أرملته

نثرتها العاصفة بعيدا

ودفنتها تحت انقاض الكلام.

في قبو العمارة

بلا رائحة أو طعم

بلا اثارة او جاذبية

بلا ماض أو مستقبل.

بلا أنات او هسيس

بلا حكايات ولا ضحكات

بلا دفء ولا لمسات

بلا مواعيد أو أحلام.

تلك الارملة الدموزية

سراج ليليات البستاني

وكاهنة اعمال يديه

كانت بوصلة كل تفاصيله.

في ساعة متأخرة من ليلة أمس

خابرها البستاني من تلفونه الحجري

حدثها عن اراضيه وفتوحاته الممكنة

حدثها.. نعم.. ولم تكن هناك؟

الأرملة ما عادت أرملة

ما عادت دموزية..

ما عادت ممسوحة بدهن الكهنوت

ما عادت تعرفه.

وحده البستاني.. يعرف قصتها

يعرف لذتها.. ووحشتها

كانت بركة كل أعمال يديه

ووحده من بعدها، يتيم ومسكين!

لندن في الثلاثين من اكتوبر 2016

6

(الخروج من عدن)..

قبل أن كانت الأرض، كانت عدن

وقبل القصر كانت الجنة

قبل الابراج كانت المسحاة والمنجل

وقبل جباة الضرائب كان الشغيلة.

قبل المرأة كانت الأرض

وقبل القبلة كانت البذرة والطين

قبل الصناعة كانت الزراعة

وقبل التجارة كان التجوال.

قبل الحكومة كان الفلاح

وقبل دائرة الطابو كان البستان

قبل وصول الغزاة كانت المدينة

وقبل مجئ الجيش كان السكان.

قبل اللغة كان المعنى

وقبل الكتابة كان الحرف

قبل القلم كان الازميل

وقبل الكمبيوتر كان الورق والطين.

قبل المتحف كانت الاثار

وقبل الاثار كانت الحضارة

قبل الحضارة كانت الفلاحة والسقي

وقبل الفلاحة كان الفلاح.

قبل الآن كان الآن

وقبل المكان كان المكان

قبل الفعل كانت الفكرة

وقبل الانسان كان العقل.

قبل الحصاد كانت الزراعة

وقبل الزراعة كان الحرث

قبل النمو كان السقي

وقبل السقي كانت البذرة!.

لندن/ الأول والثلاثين من اكتوبر 2016

7

(أوليات أولية..)

قبل أن يكون البستاني، كانت المرأة

قبل أن تكون المرأة، كانت الشهوة

قبل أن تكون الشهوة، كانت الأفعى

قبل أن كانت الأفعى، كان الياهو.

قبل أن كان الثور، كانت الأفعى

قبل أن كانت الأرض، كان الثور

قبل أن يكون الياهو، كان اللهب

قبل أن يكون اللهب، كان العدم.

اللهب يتقد، ولا يتأجج

اللهب يتأجج ولا يحترق

يحترق ولا يدخن

وعندما دخّن، كان المستحيل.

"السيد نار آكلة..

غيرة السيد نار ولهب"

قبل الياهو كانت الغيرة

وما بين النار واللهب، كان الريح.

من الشعاع المدخن ظهر لوسيفر

ومن دخانه ولد العماء

العماء الحاجب بين أرض وأرض

وبين هيجان النار والعوالم.

من العماء ولد الكون

ظهرت الصخور والرمال

تكونت الجبال والبحار

من العماء خرج الطوفان!.

8

(لوسيف..)

قبل أن يطأ اليابسة

عاش البستاني في الماء

يزرع البردي والقصب

ويلعب بالمزمار.

قبل الكوخ كانت الجبيشة/(الكبيسة)

وقبل العربة كانت الشختورة

قبل الموسيقى كانت ألحان الريح

وفراشات مضيئة تبدد وحشة العتمة.

عندما نشف الماء، بني البستاني

كوخه من القصب والبردي

ورفعت الساقية الماء تروي الأرض

ما بين التربة والماء، دفن حبة ميتة.

حين استيقظ البستاني

وجد بجانبه امرأة/(من رئة)

وحين نمت الشجرة

كانت الأفعى تلتف حولها.

بينما البستاني يبحث عن مجرفة

تبادلت الأفعى والمرأة لغة الاشارة

تناسخت الأفعى والمرأة جسد الوقت

وبمجرفته فصل البستاني رأسا عن جسده.

 عاد البستاني لنفسه، فرأى

المرأة صارت أثنتين

المرأة وظلها عن يمينه وشماله؟

أم هي الأفعى عن يمينه وشماله؟.

من يومه والبستاني يجلس حزينا

لا يميز بين البذرة والعتمة

ويختلط  عليه الليل بالعماء

والمرأة بالأرض.

لندن في الأول من نوفمبر 2016

(9)

(البستاني ذهب مع الريح)

وكان لأيوب المدياني حقل كرم

اقتنى امرأة، فاقتنت امرأته أولادا

استورثوه وهو قائم فيهم

وأرسلوه الى دار العجزة كي يرتاح.

في حجرة المشفى ذات الخمسين نجمة

كتب أيوب ملحمته الشهيرة

بعدما اكتشف خديعة الياهو

أنا لا أقول ان جلجامش انهزم أيضا.

"الانسان مولود المرأة

قصير العمر ومفعم بالشقاء

يتفتح كالزهر ثم ينتثر ويتوارى،

كالشيح، فلا يبقى منه أثر."/ (أيوب 14: 1، 2)

أنا قد أكون أليفاز التيماني

أو أكون بلدد الشوحي

وقد أكون صوفر النعماتي

لكني لست أليهو بن برخئيل البوزي.

لا لست أيوب، أنا البستاني

حارس الزهور البرية

وقائد الطيور إلى وكناتها

لا أدخل معركة، ولا أنهزم.

ما أوهنت عيني أرملة

لم أمنع خبزتي عن يتيم

ولم أحرم حقويه من جزة غنمي

رعيته كأب، وهديته من رحم أمه.

يوم كنت في ريعان قوتي

وأولادي ما زالوا حولي

كنت أغسل خطواتي باللبن

والصخر يفيض أنهارا من زيت.

حين أخرج الى بوابة المدينة

يتوارى الشبان، والشيوخ يقفون احتراما

يمتنع العظماء عن الكلام

ويتلاشى صوت النبلاء.

الأذن تطوبني، والعين تثني عليّ

كنت عينا للأعمى، وقدما للأعرج

أتقصى دعوى من لم اعرفه

وأجعل قلب الأرملة يتهلل فرحا.

قلت: ستتكاثر أيامي كحبات الرمل

وتمتد أصولي الى أطراف المياه

الطلّ يبيت على أغصاني

ومجدي يتجدد دائما.

أما الآن فقد هزأ بي من هو أصغر مني

آباؤهم ينبشون الخربة المهجورة

يقيمون في كهوف الوديان الجافة

يلتقطون الملاح بين العلّيق.

صرت موضع سخرية، ومثل تندّر

ارتخى وتر قوسي، وانقلب ضدي الأدنون

تطايرت هيبتي كورقة أمام الريح

ومضى رغدي كالسحاب.

أهناك من لم يشبع من طعام أيوب؟

ألم أفتح أبوابي لعابري السبيل؟

هل اعتصمت في بيتي، رهبة من الجماهير؟

ليت خصمي يكتب شكواه ضدي، فأجعلها تاجا لي!.

حين ترقبت الخير، أقبل الشرّ

حين توقعت النور، أقبل الظلام

صرت أخا لابن آوى، ورفيقا للنعام

قيثارتي للنوح، ومزماري للنادبين.

صرت لي عدوا قاسيا

وبقدرة ذراعك تضطهدني

أركبتني على الريح

تذيبني في زئير العاصفة!.

لابدّ، ثمة منجما للفضة

وبوتقة لتمحيص الذهب

لقد وضع الانسان حدا للظلمة،

ونقب عن المعدن في الظلمات السحيقة.

في تربة الأرض رحم للحياة

وفي صخرها ياقوت أزرق

في سواقيها يتلامع الذهب

وفي قيعانها كل ثمين.

أين توجد الحكمة؟

وأين مقرّ الفطنة؟

توقير الذات هو الحكمة،

والفطنة هي تفادي الشرّ!.

البلية لا تخرج من التراب

والمشقات لا تنبت من الأرض

ولكن من الترب يولد آخرون

ويتعاقبون من غير حكمة.

ليت أقوالي تسجل في كتاب

يا ليتها تنقش على الحديد

وبرصاص على صخر

الى الأبد.

* النص يقوم على تناصات واستعارات – بتصرف- من سفر ايوب في كتاب التناخ العبراني.

* (ذهب مع الريح) رواية الكاتبة مرغريت ميتشيل.

لندن في الرابع من نوفمبر 2016

(10)

(موسيقى في الظلام)

نافذة

وطاولة

وسرير

ونصف كوب بارد

هو كل ما تبقى

من شرق عدن

اذكري هذا يا تيريسا

أنت ينقصك الكلب!

من داخل الشجرة

تتحدث الموسيقى في الليل

تلتصق البيوت ببعضها

وكقاطرة تنسحب في الليل.

الليل مدينة افكار

النهار جزيرة المشاعر

الأسواق مهنة اللصوص

والشغيلة في المعامل.

العماء أصل كل شيء

من الانحراف ظهرت المادة

من الفوضى تكونت الأرض

من الخطية ولد الانسان.

النكايات تمنح الحب حرارته

الكذب يجعل الوعود تعمر طويلا

الانتظار يبرر توالي الأيام

الندم هو حكمة الوجود.

الحضارة عبارة عن حبال

محاولات مستميتة لوراثة العرش

ولثلاثة مرات في الاسبوع

تزدهي ثياب النساء فوق الحبل.

الاسئلة لا تموت بالتقادم

لكن الواقع يقتل المعنى

والامل لا ينتهي، ولا الرؤية تدوي

لكن الغباء يدمر كل شيء.

ايتها الممرضة الهندية

لتكن حقنتك الاسبوعية أكثر كرما

كفيلة بتعزيتي في الحياة الأخرى

فلا أكرر الخطأ أيضا.

نهاية القسم الاول من مجموعة (البستاني في الحجرة).

لندن في الحادي عشر من نوفمبر 2016

*