مع جورج شكور يذاق الشعر
يجود الشاعر جورج شكور بنفائس ودرر تبقى في دنيانا ومضات ضياء تتكثف، في عالم يظن ان الشعر قد مات. الحقيقة ان الشعر لا يموت من ذاته، بل يمات، ان خرجت الكلمة عن ايقاع النغم، وتفلتت من أصالة التراث وروعته، ولم يولد الشعر من بلاغة الروح. والصراع القائم عندنا، وجودي هو في حقيقته، بين تفلت عميم، تزكيه العولمة التي أكلت جمالياتنا، وكسرت زنابق طموحاتنا، وطوعت ارواحنا، ووضبت اخلاقنا، واخرجتنا من قيمنا. وبين اصالة تنبع من الحسّ المشترك الذي نعيشه نحن أهل الحب في لبنان والمشرق، بين المسيحية والاسلام، ونعلو بهذا الحسّ الى قمّة السماء.
على هذا الزمن يتمرد جورج شكور ببحثه عن الجمال في معين الشعر وانسياب الكلمات. يدخل الاعماق بعدما فهم ان الكنز او الدرر لا تكشف الا داخل الآنية الخزفية، واللآلىء لا تستخرج الا من جوف البحار. غير انه لا يكتفي بعملية الاستخراج ورصف ما تم استخراجه، بل يجيء بكل هذا الجمال، لينحته من جديد نحتاً يدخل القلب من باب التراث، ويسربله حلة قشيبة، يرميها على هذا الجسد المديد كشف ينزل من فوق، ويتدفق ضياء ولا يتوقف.
منذ ديوانه "زهرة الجماليا"، وصولا الى "ملحمة الامام علي"، وجورج شكور لا يتوقف عن النحت. احيانا أسائل نفسي ما سرّه؟ الا يتعب؟ حتى يأتي الجواب اليقين، ان الشاعر صورة عن الله في الخلق. هكذا وصف سعيد عقل الشاعر بصورة عامة، "انه يزامل الله في الخلق". واذا حل الكشف في الذات البشرية، وخضها ثم رفعها، فانه في الطريق الى الارتفاع يبدو مؤرقاً للشاعر حتى يغدو في قلوب الآخرين ألقا. فالشعر ليس رصف كلمات ولا هو احجيات او مجرد تمتمات تتبخر في الفضاء، او تذريها الريح عن وجه الارض. فهو اما ان يعبّر عن حال ملكوتية تشد الشاعر الى عمق الكلمة الهابطة من بهاء وجه ظهر وسكن القلوب، او لا يكون اذا سكنته تلك السوريالية العدمية، التي تمزقه كلمات ثم تحوله ترهات.
واذا تكلمت على الشعر فلأشير الى جورج شكور عينا، الذي اخذني في "ملحمة الامام علي" كما قبلا في الامام الحسين الى هذا الذوق الكبير. في هذا نحن امام شاعر مسيحي يعيش جوهرا على استقامة رأي في الايمان. يأتي من رقة يسوع ليعبّ من بلاغة عليّ وهو سيدها وأميرها ما طاب، ويستلد بيانه، لان في البيان سحرا، ويفقه سيرته على انها تضحيات في سبيل نبي المسلمين، ولكي تنبلج الدعوة من نصر مبين يؤكد الله في الاسلام موجوديته. مدهش جدا ايغال شاعر مسيحي في سيرة عليّ، ولم تأت صياغة الكلمات من باب التصنع والتكلف، ذلك ان هذا يكشف الزيف من دون ريب. لكنه اتى عند شاعرنا من عمق احترام ووفاء لدين ومذهب، خرج في لبنان علماء كباراً، ونأبى الا ان نتباسط واياهم على رفعة خلق ودفق قلب، من دون طلاق ما بين القلب والعقل واللسان. هذه الملحمة الشعرية يحلو لي ان اصفها بأنها لون كبير من الوان التباسط حول معنى الحق الذي جسده علي بن ابي طالب، وهو المعني بأهل البيت اكثر من سواه. فالحق والخير والجمال قيم تجمعنا، وتنقلنا من ترابية الأزمنة وجفاء النفوس وجفاف القلوب، الى تمازج في البحث والرؤيا المستنبطة من سير الاصفياء، أو ترجم شعرا حياً كما هو عند جورج شكور.
يكفي للقارىء ان يقف عند هذه الابيات ليكتشف سرّ الوفاء وعمق التمازج. يقول:
ويلـوح صبح بالبشـائر مشرق ويزول عنجفن العليّ حمـام
فيطلّ أعزل، لا ســلاح بكفه طلق المحيـَّا، ثغـره بسّـام
ويردّللنــاس الودائـع كلهـا ردّ الأمــانة واجب ولـزام
فبـذاك قد أوصى النبي وصيّـه انّالكبيــر لقومه خــدّام
وتروعهم تلك الشجاعة والوفـا يتفرقــون وتسقطالآثــام.
يكشف شاعرنا في هذه الأبيات روح الأصالة التي بتنا نفتقدها في هذا العالم الموغل في الصراعات المتمذهبة والمتنامية والتي تفجرها شيطنات عولمية تأخذ هذا المدى الى الموت الكامل. كأن هذه العولمة لا تكتفي بقتل الشعر، بل ايضا تقتل الله في التاريخ من باب الكلام المتمادي على صراع الحضارات. فيبدو الله بكل صراع جانبي او عام ممزقا ينتهي الى موته وينهي بموته كل التاريخ. هذه الأبيات الشعرية، بل الملحمة في صورة عامة، ليست من النوع السردي، بل هي كلمات تتمرد بالاصالة والوفاء والمروءة والكرم والمحبة على عبثية قاتلة تنشب مخالبها، غارزة أظافرها في أجساد بلورية تتحرك بالشعر والفنون لتنزف نزفاً قاتلاً يبعث المحتوى ولا تبقى سوى الجثث المحترقة أو المتخشبة تعلو كل جمال وتتراكم فوقه.
ليس همّ شاعرنا ان يصور المعارك في صدر الاسلام. همّه ان يكشف ان عليا، حامل هو للحق. وان نكتشف ان الحق طريق الى ايناع الجمال هنا وثمة، وبه نتمرد على الموت بعد ان فهمنا انه تمتمة من تمتمات المحبة الآسرة داخل كل انسان، تماما على صورة المسيح الذي سباه بجمال وجهه المدمى، وليس من وجه اطهر واطيب واحب واسمى. الحق هاجس كل المؤمنين من الاديان الموحدة لله، والتي لا تتحرك بالتمزق الوجودي الكامن في النفوس البشرية المتغذية من المصالح المالية والاقتصادية والنفطية، والتي تبيح الصراع من اجل السيادة الاحادية. توق جورج شكور في هذا السياق ان نعيد الى تلك "الجثث" روحها بالحق عينه والجمال ذاته والخير وحده، لان هذا التلاحم يؤكد وجود الله ووحدانيته في كل السياقات البشرية المرتبطة بالمسالك السياسية والادبية والشعرية والمسرحية والفنية. هم الشاعر، وهمناجميعا نحن الذين لا نصوغ الكلمة بقدر ما هي تصوغنا وتطلقنا، ان يبدو الشعر والادب ترجمات لكل هذا الذي يدفنه الواقع الاستهلاكي، وتمزقه الاهواء وترمينا في غابات متوحشة لا وجه فيها ولا جمال.
"ملحمة الامام علي" تذاق عند من ألف الشعر على ايقاع جماليات ساطعة يصوغها الشاعر جورج شكور من بلاغة روحه وشفافية نفسه وطهارة عقله وكبر قلبه. تذاق بصورة عمودية حتى يلج المتذوق عمق الحق في معرفته لقضية امير المؤمنين وسيد البلاغة. كان نهج البلاغة نورنا ولا يزال طريقنا الى الاندراج في جماليات اللغة العربية وسحرها. في هذا يتلاقى المسيحيون والمسلمون على ان لغة الضاد التي كان العلي امير بيانها، متنصرة بدورها من دون ريب، متنصرة بالمعنى التقني وبالمعنى الروحي ايضا. وان اقبال شاعر مسيحي كبير وانكبابه على نحت سيرة أمير المؤمنين بقالب شعري وملحمي ليس من باب المشاركة العابرة، بل من باب المشاركة الوجودية للتأكيد ان اللغة تظل خبز الجمال والحق الممدود على مائدة الله المقدسة، وان الشهادة في سبيل الحق قبس ضياء ينزله الله على اصفيائه الطيبين.
معجورج شكور يذاق الشعر بوجهه الجمالي الكامل، وليس له ان يموت. ان الشعر الصافي الذييقودك الى السفر في سفر يبقى قربانا يقدمه الشاعر الكبير والحبيب على مذبح المحبة التي آن لها ان تنتصر، وتكشف دائما وجه الله الواحد والحيّ في التاريخ.
النهار