آه بيروت ..
رُبْعُ قَرْنٍ .. وما الْتَقينا ..
فقولي
أينَ ما كان في الزَّمان الجميلِ ؟!
آه بيروتَ ..
ما لوجهِكِ يبدو مثلَ وجهي
مبرْقعاً بالذُّبولِ
كيف ضاع الشَّبابُ مِنْكِ ومِنِّي ؟
فقنعْنا بذِكْرَيات الكُهولِ !
أتمَشَّى .. بين الخرائبِ .. وحدي
أهُنا كانَ مَرْتَعي
ومَقيلي ؟
أهُنا كنتُ أنشُدُ الشِّعرَ
حلْواً ..
لعُيونٍ .. تخْضَرُّ مثلَ الحُقولِ ؟
أهُنا مَزَّقَ الحنينُ
ضلوعي
أهُنا جَرَّرَ الغرامُ ذيولي ؟
أرجِعي لي
بيروتَ
أحلى سِنيني .. وخُذي ما أردْتُهُ ..
أرجِعي لي
كنتُ حلْماً مُجَنَّحاً مُسْتَحيلاً
وأنا كنتُ شاعرَ المُسْتحيلِ
كنتِ ليلى .. وكنتُ مجنونَ ليلى !
يا لَما يفعلُ الهوى
بالعُقولِ
كنتِ بحراً ..
وكنتُ فيه شِراعاً هامَ يبغي
شواطىء المجهولِ
كنتِ كرماً ..
وكان في الكرم عَيْشي
ينتَشي الكرمُ مِن رحيقِ هَديلي
مالنا اليومْ ..
نلتقي في وُجومٍ ؟!
إعتذاراً ..
لأمسنا المقتولِ !!
أسْنِدي الرَّأسَ
فوق صدْريَ واحْكي قِصَّةَ الهَولِ
في سواد الفصولِ
كيف سالتْ
دِماءُ أمِّيْ وأُخْتيْ بيَدَيْ صاحبي
وسيفِ خليلي !
كيف راحَ القنَّاصُ
يحرِقُ عُرْسي برصاصي ..
وفرحتي .. بفتيلي !
كيف غاب الأصحاب من كلِّ دربٍ
حين ضمَّ الأعداءُ كلَّ سبيلِ
كيف نامَ الصِّغارُ
والموتُ غولٌ يتمشَّى في حُلمِهمْ
بعدَ غولِ
أسْنِدي الرَّأسَ فوق صدْريَ وابْكي
رُبَّ دَمْعٍ يزري بشعر الفحولِ
لكِ أشكو .. بيروتَ، فَقْدَ جنوني وانطلاقي ..
وثورتي وفضولي ..
وعنادي !! وأينَ غابَ عِنادي ؟
وصَهيلي .. وأينَ ضاعَ صهيلي ؟
فَرَّ مِنِّيَ طِفْلٌ
شقيٌّ وسيمٌ ..
وأتى الكهلُ
بالوقارِ الثقيلِ
تتهادى الحِسانُ قرْبي اشتياقاً
غير أنِّي
مُحنَّطٌ في ذهولي
آه بيروتَ .. ودِّعيني فإنِّي
ضِقتُ ذرعاً بوِقْفتي بالطُّولِ
ستعودين أنتِ بُنَيَّاً
ولكنَّ عودتي للصِّبا
سَرابُ أصيلِ