المربّع الأزرق - قصة قصيرة

حسين السنيد قرأها 1,212

المربّع الأزرق - قصة قصيرة 

رجاء.. امسحوا الغبار عن عيوني، اريد ان أرى المربع الأزرق مرة اخرى.. ولو للمرة الأخيرة.

 في البداية كان المشهد واضحا أمامي، كنت أرى الدُّمى المختلفة مبعثرة حولي بأعداد كبيرة. ثم بدأ عددها يتناقص شيئا فشيئا، وبالتزامن مع تناقص الدمى المنتشرة حولي كان يكثر الغبار على الغلاف الشفاف للعلبة التي وضعوني فيها بعد ان خاطتني ايادي امرأة ماهرة.

أكملتْ جسمي بالاول.. ثم أضافتْ الرأس واليدين. ثم تمهّلتْ ولصقتْ بدقّة وذوق عينيَّ ورمشيَّ وحاجبيَّ وشفتَيَّ. خرجتُ من بين يديها كملاك صغير. اختارت المرأة لعينَيَّ اللون الأزرق ولشعري الأصفر الذهبي ولونت وجنتَيَّ الصغيرتين باللون الوردي وشفتَيَّ بالأحمر القاني. فأنا صانعة الفرحات والقهقهات الطفولية ولابد من ألوان تليق بي وبمهمتي العظيمة في حياة الناس.

ثم ألبستني فستانا أبيضَ، ووضعتني في علبة من الورق المقوى بغلاف شفاف.

انتظرتُ طويلا.. بقيتُ سجينةَ تلك العلبة الورقية، أستمع الى صوت مكائن الخياطة والنساء العاملات. ثم صمتَ بشكل مفاجئ صَخَبُ مكائنِ الخياطة وضاعت همهمةُ النساء اللاتي يعملن على المكائن. في ذلك الصمت المخيف. كان المنفذَ الوحيدَ الذي كنتُ أقدرُ ان أرى شيئا من خلاله، نافذةٌ صغيرةٌ غطّت نصفَها ستارةٌ قصيرة غامقة اللون. اما النصفُ الآخر فكان يظهر لي زرقة أحيانا وسوادا مطرزا بنقاط فضية أحيانا اخرى.

كرهت السواد كثيرا لانه كان يأتي بنباح الكلاب.. وأحببت الزرقة. كلما جاءت الزرقة سمعت العصافير تزقزق.. وتساءلت: ياترى... ما يشبه ضحكات الأطفال التي صنعتُ من اجلها؟؟ وأجبت نفسي: انا لم ار طفلا في حياتي.

ثم سألت مرة اخرى: هل سيشبه تغريد العصافير؟ ثم أجبت نفسي: لا اعرف اذا كانت أصوات قهقهات الاطفال تشبه تغريد العصافير.. ولكن اتمنى ان تكون كذلك.

ورحت أتكلّم مع المربع الأزرق كل يوم، أكلّمه كلما يظهر او يستيقض من النوم بعد انقشاع السواد، ألوّح له.. أرقص له، فتنفرج شفتاه ويضحك فأضحك له وألوّح بيدي. تتحرك الستارة القصيرة فأفهم انه يلعب معي، فألعب معه وانا في علبتي المغبرّة.

اصبحتُ دميةً لهذا الطفل.. نعم أعني المربع الأزرق. هذا الطفل المتدلّي من الأعلى والمطلّ عليَّ بلونه الجميل. انه أجمل الأطفال من دون شك. ولا أشك مطلقا بحبه الكبير لي، حتى انه لم يتخلّف ليوم واحد عن اللعب معي.

وزحفَ الغبار بهدوء، زحفَ واحتلّ الغلاف الشفّاف لعلبتي، كثر كلما تقدمت الايام.. حتى اني شعرتُ انه يستقر في عينيّ. وذات مرة وجدتُ نفسي عاجزة تماما عن رؤية طفلي المربع الأزرق.. بعد ان استقر الغبار في عينيَّ وملأ حدقتَيهما.

ولكني مازلت أبتسم للمربع الأزرق وألوّح له.. فانا دمية قديمة في مخزن متروك لمعمل دمى قديم. لم تصلني يوما أيادي الأطفال وشفاهها، ولكني واثقة تماما ان المربّع الأزرق يظهر لي يوميا حتى وان لم أكن أراه.

رجاء... امسحوا الغبار عن عينَيّ..