صناديقنا الفارغة

حسين السنيد قرأها 708

صناديقنا الفارغة 

حين شهقت الشهقة الاخيرة وسرى برد الموت في شراييني، شعرت ان اناملي تفقد شيئا فشيئا دفأها. بدء البرد يسري من منطقة القلب بالضبط، أحسست بسريان البرد من هناك ثم انسال الى باقي الجسد. هل شاهدتم غروب الشمس من قبل؟ حين تبدأ الشمس بالأفول، لا تستسلم السماء للظلام فورا بل تقاوم.. فتحمرّ وتحمرّ قبل ان يعلن الليل انتصاره وحينها ترضخ وترتدي السواد. والموت، يستهدف شموسنا اللافحة.. قلوبنا، وحين يبدأ القلب يضخ الموت البارد، ستعرف انه غلبك، فتستسلم وتغمض عينيك منتظرا الانطفاء النهائي لجذوتك.

تغمض عيونك.. لكن تستمر ترى عبر غربال، وجوها تحتشد أمامك وتسمع طنينها، لن تعرفها في بادئ الأمر ولكن ستعرف بعد حين انها وجوه اطفالك واخوانك واصدقائك. سترى وجه ابيك في شبابه وامك في مشيبها، وطفلك في يوم ميلاده وزوجتك في يوم العرس. تبدأ الوجوه تذوب في الظلام ويمّحي الطنين في السكوت.. تاركا خلفه دويا مكتوما، وانت تبقى وحيدا.

انا ميت الآان.. سمعت في آخر لحظاتي ضوضاء وكلاماً مشوّشاً وكان الزبد يسيل من فمي. اختفى كل شيء بعد لحظات، الآن لا أسمع شيئا والمشهد امامي أسود تماما بعد ان الموت طوّح بي في بئر عميقة، لا أفق ولا ضوء ولا صوت.. والبرد ايضا غادرني، صرت لا باردا ولا حارّا، لا حركة ولا سكون، اشعر اني أطفو في فضاء لا أراه.

لا اعرف كم بقيتُ في هذا الفراغ الواجم. قبل ان يتلاشى الظلام تدريجيا ويبزغ ضوءٌ ما. وكأن الشمس أشرقت من جديد، ولكني لم اشعر اني فتحت عينيّ. صار الضوء شمسا، حاولت ان أنطق فلم استطع، حاولت ان أتحرك فلم أقدر. وتذكرت اني ميت!!

وبعد مدة.. ظهر صندوق معلّق من نقطة مضيئة، وكأنه كان ملفوفٌ بالضباب وظهر فجأة فوقي تماما، كان الصندوق كبيرا يهتزّ ويصدر صريرا بحركته هذه.

انا ارى لاول مرة.. منذ موتي.

قال صوت بعيد ولكنه مسموع، مقتحما أذني من كل الاتجهات.

-       انت ميت الان...

لم احاول ان أجيبه لاني كنت حاولت تحريك شفتيّ من قبل ولم انجح. كرّر الصوت قوله:

-       انت ميت الان...

حاولت ان انطق.. فانسالت الكلمات من فمي بسهولة هذه المرة.

-       اين انا؟؟ اين هنا؟؟

-       انتهت أيامك.. انه وقت الرحيل.

-       هل يمكن تاجيل الأمر؟؟ لي أسرة وأطفال وأعمال وأمانٍ وآمال وأصدقاء..

-       لا للاسف.. لايمكن التاجيل.

تأفّفت يائسا.. وقلت:

-       ماهذا الصندوق المعلق؟؟

هذا صندوقك.. فيه كل ما يتعلّق بك.

-       كل ما يتعلق بي؟؟ كل ما أملك؟

-       كلا.. كل ما تملك صار ملكا للارض من بعدك..

-       والذكريات؟ ماذا عن ذكرياتي وأيامي؟ أصدقائي؟ طفولتي وشبابي؟

-       ذكرياتك اصبحن للزمن.

-       وأطفالي.. أسرتي؟ زوجتي؟ أبي وأمي وإخواني؟

-       كل اسرتك كانت شيئا مؤقتا... انها كانت ملك لقلبك. وقلبك متوقف الآن.

قلت ساخراً:

-       ماذا في الصندوق؟؟ هل هو جسمي؟

فرد الصوت:

-       جسمك أصبح للغبار الان.

-       على ماذا يحتوي الصندوق.. افتحه لي.

نزل الصندوق ببطء ومع لحظات نزوله البطيئة والثقيلة أحسست بأني استطيع ان أحرّك يديّ، فتحت الصندوق بلهفة وكان الصندوق فارغا!! انتابتني موجة من العصبية وصرخت بجنون.

-       لا أملك شيئا؟؟؟؟؟

-       نعم.. لا تملك شيئا.

-       كل حياتي؟؟ ماذا أملك؟ لماذا صندوقي فارغ

قال الصوت:

-       لحظات الحياة كانت ملكاً لك.. كل لحظة وكل ثانية كانت لك انت.. وصندوق حياتك فارغ وخال من اللحظات. آسف لحالك.. انك لم تقدّر هذه اللحظات.

صرخت:

-       وعملي.. دراستي.. حبي.. شبابي.. اطفالي.. اسرتي.. بيتي..

مراهقتي في الدروب الضيقة؟ قبلتي الاولى على شفاه الحبيبة؟ الضحكة الاولى لطفلي؟ انا رجل يملك كل شيء.. كل شيء

قال الصوت، وقد اصبح قريبا لي جدا.. وكأنه ينطق من صدري:

-       كل ما ذكرت.. كانت لحظات حياتك ودقائقها وثوانيها، كانت لك حياة جميلة؟ فهل كنت تعرف قيمة ما تملك من جمال اللحظات؟ لو كنتَ لما كان صندوقك فارغا.

قال هذا.. ورفع الصندوق وضاع في مدى غير واضح. ورجعت انا رجل ميت، من غير لحظات.