معزوفة المزامير الخرساء

حسين السنيد قرأها 569

معزوفة المزامير الخرساء 

مسك صديقي حميد يد طفلته المولودة قبل سويعات لاول مرة، احس بنعومة يدها تخترق كفّه الخشنة.. كزنبقة تنبت بين الصبار. لم يشعر بأثر نعومة يدها في كفّه فحسب، بل راحت تجري في داخله قوس قزحا. وصلت لعيونه فرأى العالم اخضر اللون، والى اذنيه حيث سمع الترانيم البنفسجية من كل مكان والى عيونه وشفاهه حيث انبثقت أشعة صفراء نحو السماء. شعر صديقي بسعادة لم يشعر بها في حياته من قبل.

لقد طال انتظار صديقي حميد لقدوم طفلته الاولى 12 عاما كاملا، كافح خلالها للحصول على ذرية. لم يترك مكانا مقدسا، مزارا او حرما او كنيسة الا ونذر لها نذرا ثقيلا. من مشفى الى مشفى ومن مركز للاخصاب المجهري الى آخر. يذهب في كل مرة لهذه المراكز بجيوب مليئة بالنقود ويرجع بجيوب فارغة، ولكن لم يفرغ قلبه من الامل يوما.

مسك حميد يد طفلته، فأحسّ وكأنه يمسك بمعاناة الاعوام السابقة كلها، وانها تتبدل فرحا وهلاهل وقبلات.

-       مبروك صديقي حميد...

قلتها له عبر الهاتف النقّال، أجابني بصوت مرتجف..

-       شكرا..

ولم يزد على ذلك حرفا واحدا، مرات كثيرة لا يمكن لحميد ان يعبّر عن ما يدور في صدره بسهولة، فيركن للصمت.. فقط الصمت.

والان يا قارئي العزيز، ارجوك ان تحتفظ بهذه الصورة في ذهنك، مهما حدث لحميد او لطفلته او زوجته او لي انا!! ففرحة كبيرة مثل هذه تستحق ان تبقى في ركن امين من الذاكرة، بعيدا عن هجمات النسيان، لماذا ننسى أفراحنا في موجات الحزن الصعبة التي تجتاح حياتنا؟

 بعد عام من هذا اليوم، جلس حميد وزوجته امام الطبيب..

قال الطبيب بعد معاينة التقارير وبصوت هادئ فيه مسحة حزن:

للاسف... ابنتكما مصابة بالعمى.. وهي كذلك بكماء وصماء، لا يمكنها السمع ولا التكلّم ولا الرؤية. نتيجة وجود مشاكل في تكوينها في رحم الأم.

 بكت الأم واحتضنت طفلتها بقوة.. انهمرت الدموع، ثم لطمت خدّها، مزّقت ملابسها.. قذفت الطفلة جانبا.. صرخت بجنون.. هرع لها الممرّضون وحقنوها بحقنة مهدئة.

لكن حميد كان صامتا، رمق طفلته.. احتضنها وضغط صدره على صدرها حتى راح يحس بنبضات قلبها وانفاسها المتسارعة، ثم خرج دون كلام.

في تلك الليلة لم ينم صديقي.. انتظر حتى نامت الطفلة، وبدأ الصراخ، صرخ بكل قوته. وتابع الصراخ، منتظرا ردفعل من طفلته النائمة بهدوء، وصل دوي صراخه المجنون الى الشارع، سمعه الجيران. ولكن لم يوقف حميد صراخه حتى شعر بالدم يتدفق من حنجرته ويفور مع صراخه، لم تسمعه الطفلة، كانت تنام بهدوء... بهدوء تام.

وفي اليوم التالي، وحين فتحت الطفلة عينيها مع اولى أغاني الشمس. كان صديقي يرقص، نعم.. يرقص، لكن لم تكن رقصة بالمفهوم المعروف، لم تكن حركاته موزونة، بل كانت اشبه بمن يمشي على طريق من جمر وشوك بأقدام حافية. كان يقفز ثم ينام على الارض، ثم ينقلب على ظهره، ثم يعاود القفز امام الطفلة. منتظرا ضحكة الطفلة او ابتسامتها او استغرابها او بكاءها وخوفها.. اي شيء يدلّ انها احسّت به. لكنها كانت هادئة وتنظر بعيون ليس لها معانٍ الى نقطة واحدة وتدير رأسها بحركات عشوائية.

وبكى صديقي.. بكى بحرقة..ل اهثا، بفمٍ يجري دم وحنجرة مجروحة. بكى واحتضن طفلته.

واستمر صديقي كل ليلة يصرخ، أدمن وجبات صراخه الليلية.. وفي الصباح يرقص مثل طير مذبوح، يصرخ مفجوعا ويرقص موجوعا. اعتقد في داخله ان لا يمكن لطفلته ألّا تسمعه وتراه الى الابد، لا يمكن لهذه الصرخات ألّا تخترق أذنيها ذات ليلة، ولا يمكن لرقصته المذبوحة الّا تنطبع على عينيها الى الابد، لابدَّ انها ذات مرة ستبتسم له. فاستمر.. استمر لأشهر، يصرخ ويرقص، ويطيل النظر الى طفلته متوقعا ابتسامتها في اي لحظة، وفي كل مرة كان يخيب أمله.

قلت لك يا قارئي العزيز فيما سبق، ان قلب صديقي حميد، ربما يكون اكبر مستودع للأمل، لا يفرغ بسهولة!

 تمكنت من رؤيته بعد ان حبس نفسه والطفلة في الغرفة لأشهر. كان بلا صوت، بوجه شاحب وسحنة باهتة. نحفَ جسدُه كثيرا وطالت لحيته وابيضّت بشكل غريب. قلت له:

-       صديقي.. آلاف الأطفال بل مئات الآلاف يولدون هكذا.. لستَ وحدك من يواجه صدفةً كهذه؟ اما سمعت ان هناك مدارس ومعاهد مخصّصة لمثل هؤلاء؟ وانهم اليوم قادرون على ان يستمرون بالحياة ويدخلون المدارس والجامعات؟

لم يقل صديقي شيئاً.. كان جامدا، شعرت أنني أحاول عبثا حفْرَ قلب في جدار وجعله ينبض.

لا اعرف ما الصورة التي تشكلت في مخيلة صديقي في تلك اللحظة؟ وماذا سمع؟ ولكني عرفت ان هناك دويّاً مكتوماً في صدره وانعكاسات مرعبة تتولد فيه. ولكن كما تعرفون، انه يصمت في المواقف الصعبة.

هل شاهدتم في النشرات الإخبارية، الحرائق العملاقة التي تحدث في الغابات الكبيرة؟؟ هي لا تتوقف بسهولة.. تستمر بالتهام الأغصان الخضراء والسنابل.. لا تتوقف رغم حشود رجال الإطفاء، تستمر، تلتهم، تستطعم الزهور والأوراق الخضراء، تستمر الى آخر غصن، الا اذا مرّت غيمة حبلى بقطرات الخلاص وأمطرت، هنا ينتهي الحريق وتنجو الغابة بنفسها.. فهل سيمطر صديقي حميد؟

 ذات يوم رجع صديقي.. مصابا بموجة من الجنون الى البيت، وربما كان سبب هذه النوبة ان تزامن عبوره في الشارع مع خروج طلاب المدراس في المنطقة. دلف غرفته كثور هائج وبدأت الصرخات، بدأت بشكل أقوى من كل مرة، وراح يرقص هذه المرة ويصرخ. قذف بنفسه ارضا وانقلب. استمر لساعة كاملة. حين شعر بلسعات الدم في حنجرته، القى بنفسه على الارض، قرب طفلته النائمة بهدوء دون ان تصدر اي صوت او تشعر بالعاصفة التي تجتاح المكان.

مد صديقي يديه نحو الطفلة، ولمس بها رقبتها الناعمة كالقطن.. ثم احكم قبضته، حشرجت الطفلة وغصت. ولكنها كانت ماتزال هادئة. ضغط على رقبتها بقوة. كان يلهث ويمكنه ان يسمع صوت خفقات قلبه تلعنه مع كل نبضة، احس ان الشيطان يتقمّصه في تلك اللحظة. احكم قبضته على رقبة الطفلة وضغط بكل قوته هذه المرة.. فتحت الطفلة عينيها.

لم أر صديقي حميد منذ آخر لقائنا قبل سنوات.. اللقاء الذي أخبرتكم عنه. انتقلتُ الى مدينة اخرى للعمل، ولكن كلما رأيت طلاب المدراس الابتدائية حاملين حقائبهم على ظهورهم، او في سيارات الباص المخصصة لنقلهم، او كلما سمعت اصواتهم الفرحة المنطلقة من المدرسة القريبة. اقول في نفسي: اين الآن طفلة صديقي حميد؟؟ بالتأكيد كان يمكنها ان تكون بينهم.. ولكن هل هي بينهم الآن؟؟ من يدري؟ ربما نعم.. ربما لا!