ليو تولستوي وأمين الريحاني: التفاعل بين عالمين خلاقين

  

كانا كاتبين غزيري الإنتاج، مفكرين لا يعرفان الخوف، ورسولين متحفظين. خلق كل منهما ذاتاً داخلية، وخلّف لنا عالماً فريداً من نسجه. عالماهما، ليسا أحاديي الجانب، والتبادل بينهما أكثر عمقًا ًمما يستطيع المرء أن يتخيل للوهلة الأولى.

أبدى ليو تولستوي في مطلع شبابه، اهتماماً كبيراً بالثقافة الشرقية. بدأ بتعلم التركية والعربية، اجتاز بنجاح امتحانات قبوله في عام 1844، وأصبح طالباً في قسم اللغة التركيةـ العربية في جامعة كازان، ومن ثم مركز الدراسات الشرقية الأفضل في روسيا.

بعد ذلك بكثير استعاد الطبيب الخاص لتولستوي من بين الرسائل الآتية من كل أرجاء العالم إلى عزبته في ياسنايا بوليانا تلك المكتوبة بالعربية، مثل الرسالة الرسمية المتسمة بعمق المعرفة من محمد عبده، مفتي مصر، الذي ناقش تولستوي معه أساليب إصلاح ديني عالمي. وقد أظهر تولستوي في رده على محمد عبده موقفاً مؤيداً للديانة البهائية. استهجن، كنصير مخلص للتفكير المنطقي، ما دعاه التعصب المتعجرف، والشعائر الدينية الشكلية والمعتقدات الخرافية المظلمة للأديان الرسمية، مدعياً أن الإسلام الكلاسيكي في شكله الخارجي احتل مقاماً أعلى بكثير من الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية المعاصرة. بل كان مفتوناً إلى حد أبعد بالفترة ما بين 1898ـ1909 بالحركة البهائية، وشجع لبعض الوقت فكرة تأليف كتاب عن هذا الفرع الراديكالي من الإسلام.  لم يستطع تولستوي المساعدة لكنه تعاطف مع أقوال البهائية التي صاغها عبد البهاء عندما سأل الرب أن يوحد الجنس البشري ويضيء عالم الإنسانية، جامعاً كل الناس تحت ظل سخائه ومسبباً الأسباب لهم كي يتحدوا في تآلف، وبالتالي يمكن أن يصبحوا كأشعة شمس واحدة، كأمواج محيط واحد:

"دع الأديان تتوافق وتشكل الأمة الواحدة، هكذا يمكن لهم أن يروا بعضهم بعضاً كعائلة واحدة، والأرض بأكملها كوطن واحد.

يا رب! ارفع عالياً راية التوحد للجنس البشري.

يا رب! أسِّس السلام الأكثر عظمة.

سبح لإضرام نار الحب السماوي في الشجرة المباركة على قمة الجبل الأعلى".

حافظ تولستوي على اتصال غير مباشر مع عبد البهاء (عباس أفندي)  ابن بهاء الله الراحل، عن طريق رسول البهائية، عزيز الله جذاب، تاجر يهودي من مشهد، الذي ترك وصفاً تفصيلياً عن رحلته من عكا إلى ياسنايا بوليانا. من جهة أخرى، أصيب تولستوي بخيبة أمل تجاه الكتاب الأكثر قدسية(كتاب الأقدس) لبهاء الله وبعض كتابات عباس أفندي بسبب لغتها الشرقية المنمقة، تعقيدات الأسلوب الصوفي القاتم، استبدال الأحكام المسبقة القديمة بأخرى جديدة. لذلك، استنتج من غير شك، أن هذا الدين لا مستقبل له.

ـ قدّر تولستوي دائماً التراث الشعبي العربي وأعجب بالأمثال العربية، الأقوال المأثورة، القصص الحكيمة والفكاهية. قارن من حيث التأثير الفني حكايا الجن العربية مع اللوحات اليابانية والعمارة الهندية. قصد على وجه الخصوص علي بابا والأربعين حرامي وقصة الأمير قمر الزمان من الليالي العربية التي ضمنها في قائمة أكثر الكتب تأثيراً على طفولته ومراهقته بالتوازي مع الملحمة الروسية Bylinas، إنجيل متى، الرحلة العاطفية لستيرن، واعترافات روسو وكتابات أخرى له.

 كما أشار تولستوي في واحدة من آخر رسائله الخاصة إلى كتاب متميز جداً لتعليم القراءة للأطفال القرويين، وهو المعنون بأقوال محمد (ص)، وهي ليست متضمنة في القرآن (موسكو 1910)، وقد جمعها تولستوي على أساس مختارات إنكليزية قام بها المحامي الهندي عبد الله سوهرافاردي.

يُعدّ أمين الريحاني بلا شك واحداً من الرموز الأساسية في هذه العملية من الجانب العربي. مقالته، بالتوازي مع تلك التي لمصطفى لطفي المنفلوطي، المكتوبة في فترة متأخرة جداً من حياة تولستوي، تعكس الفكرة العامة للمفكر الروسي. سيجد المراقب المتحذلق بعض الأخطاء الحقيقية في مقالة الريحاني. مثلاً تولستوي لم يقسم كل ممتلكاته وأرضه بين فلاحيه وأصدقائه. إلى جانب ذلك، فإن أسلوب تولستوي الأصلي بعيد عن الجفاف، ورواياته ليست خالية على الإطلاق من القوة المقنعة، ورقة الوصف، وتنوع الذهن وحدّته كما يحاول الريحاني أن يبرهن، مفترضاً أن السبب قد يعود إلى الترجمات المتوسطة الجودة. وأخيراً فإن تولستوي لم يقتبس أبداً رؤاه السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، من كارل ماركس. هذه النواقص، مع ذلك، لا تبز ثقة الريحاني في أهمية بطله. ويلفت الريحاني النظر إلى عظمة تولستوي، مثال صرف لعظمة يسوع المسيح، لأن كليهما تكلم وفعل في تعارض مع مصلحين تافهين مليئين بالحسد والشهوة، حالمين أن يحلوا محل الأغنياء في زمانهم.

يظهر العالم الفني لتولستوي أكثر اختلافاً وغنى لونياً من أفكاره. من هنا يأتي الصراع الداخلي عند تولستوي نفسه بين الفنان المبدع، الذي يعد عمله أكثر حقيقة من الحقيقة، والمفكر الهدّام الذي يدافع عن رؤية مفردة للروح البسيطة. صراع مؤلم بين بصيرته الحيوية وعقائده النظرية. في نهايته، ديني، فعصر تولستوي أنكر الشعر جهاراً بسبب تصنع و غموض تعابيره. مع ذلك، بقي شخصياً، معجباً بقصائد بوشكين، يوتشيف، وفي وقت مبكر بقصائد فيت. الحكمة الحزينة، التهكم الشكوكي والتسامح الديني في شعر أبي العلاء المعري الذي ترجمه أمين الريحاني ترجمة موفقة أسعدت تولستوي أيضاً

ـ في قصيدة الرثاء المطوّلة التي خصّ بها الشاعر والكاتب المصري أحمد شوقي تولستوي، ورد تولستوي وأبو العلاء معاً، مفكر العصور الوسطى العربي استفسر عن الظرف الحالي للإنسانية، ونظيره الروسي شرح له بحزن أن ليس هناك تغيرات إيجابية منذ ذلك الحين.

وبرأي الريحاني، أيضاً، يقف أبو العلاء وتولستوي جنباً إلى جنب في بحثهما عن الدين العالمي للجنس البشري. ليس من باب المصادفة إذن، أن الريحاني كان فضولياً كتولستوي بشأن البهائية، كما كشف في كتابه(خالد). في ذلك الوقت، بعد أن ظهر القسمان الأولان من الريحانيات، دعته الصحافة المصرية، (فيلسوف الفريكة). بما لا يختلف عن، حكيم ياسنايا بوليانا، كما خاطب الإعلام العالمي تولستوي.

من بين نقاط التشابه الكثيرة بين تولستوي والريحاني، نذكر:

ـ حُرم الاثنان كلاهما كنسياً (تولستوي في 1901، والريحاني في 1903). بسبب مواقفهما الناقدة لرجال الدين ومناشدتهما من أجل تسامح ديني.

ـ في كتابيهما إدراك لما وراء التقليدي والمقبول عموماً.

ـ تأثر كلاهما بروسو.

ـ كان كلاهما مثاليين منطقيين في بحثهما عن الحقيقة والحب، والحرية ووحدة كونية.

وفي سعيهما إلى أخوة البشر، جرَّب كلاهما عزلة شخصية ورضعا الوحدة عربوناً لاستقلاهما الروحي. أرستقراطي روسي ومهاجر عربي، إنهما متماثلان، يتشاركان نوعاً من النفي الفكري، إذا كنا نفهمه، إضافة إلى إدوارد سعيد، شرطاً مجازياً للعيش خارج كل الامتيازات والمعتقدات لمجتمع مكرّس وثقافة موروثة.

وصادف أن كانت الرسالة الأخيرة التي بدأ تولستوي يمليها عندما هجر منزله في ياسنايا بوليانا بالإنكليزية. استهل العبارة وغادرها دون أن ينهيها: (في طريقي إلى المكان حيث رغبت أن أكون وحيداً...) والتدوين الأخير في مفكرته الحميمة الذي قاطعه في منتصف الكلام، كان بالفرنسية (افعل ما يجب عليك، وليكن ما يكون). كان ذلك شعار تولستوي الذي اهتدى به طوال حياته.

 يمكن للمرء أن يستعيد في هذا المجال قولاً للريحاني: (قل كلمتك وامضِ في طريقك). هذا الشعار استعاره العالم بفقه اللغة الروسي إغناتي كراتشكوفسكي الذي رأى أن مهمته تكمن في إقامة جسر بين روسيا ومملكة الثقافة العربية، وخاصة بعد موت تولستوي.

من المعروف جيداً أن كراتشكوفسكي ترجم في العقد الأول من القرن العشرين الكثير من كتابات الريحاني. في عام 1910 التقى بالريحاني مصادفة في مكتب رئيس تحرير صحيفة في بيروت، وترك وصفاً يتطابق مع الشعار المذكور سابقاً، لرجل شاحب، مفكر، حزين قليلاً، حر بشكل كامل في التعبير عن المشاعر.

كان هذا جزءاً من مقدمة أعمال الريحاني المختارة التي نشرها كراتشكوفسكي في 1917 قبل الثورة البلشفية تماماً. بالاستناد إلى مذكراته. فقد كان يحاول في السنوات الدرامية من 1918 ـ 1920 أن يستمد العون عن طريق قراءة تولستوي. في عام 1922 ظهرت ترجمته لشعر الريحاني ونثره في مجلة الشرق الروسية.

في عام 1944 كتب كراتشكوفسكي مقالة موجزة استشهد فيها بفيلسوف الفريكة الذي خاطبه بمناسبة النشر الروسي (1932) لعمل معروف قليلاً لأبي العلاء هو: (رسالة الملائكة). وهكذا استنتج كراتشكوفسكي أن أبا العلاء بعد ألف عام على ولادته ما زال اسمه وحده قادراً على تقوية روابط الأخوة بين بلدان مختلفة.

 برغم كل شيء، أزال تولستوي، والريحاني وأبو العلاء الحدود ضمن المملكة الكونية للثقافة الإنسانية ورفضوا أن يؤطروا إرثنا داخل إقطاعات ضيقة.