الكتابة والمرأة

د. حسن المود قرأها 5
 

هل يمكن الحديث عن كتابة نسائية؟ وهل يمكن تأسيس نظرية لسانية و أدبية تنطلق من نزعة نسائية ؟

هذان السؤالان هما اللذان يؤلفان موضوع هذا البحث القصير. وبالنظر إلى سياقنا الأدبي والثقافي، يمكن أن نرصد ثلاثة مواقف تجاه مصطلح "الكتابة النسائية". هناك أولا من يرفض استعمال كل مصطلح يستند إلى تصنيف جنسي من مثل: الأدب النسائي/ النقد النسائي أو الكتابة- القراءة النسائية، لأن ذلك يبطن إيديولوجية ذكورية تمييزية لا يصح العمل بها عندما يتعلق الأمر بشيء اسمه الأدب. وما يؤخذ  على هذا الموقف أنه يرى التصنيف قائماً على التمييز والهيمنة، ففي مجتمع ذكوري قبلي لا يمكن أن يكون إلا الرجل هو الذي يصنع كل اللغات والرموز، وبالتالي فالأدب السائد يخضع لعلاقات الهيمنة القائمة بين المرأة والرجل ولا يمكن أن يتعالى عليها و ينفصل عن الإيديولوجية الذكورية التي تحكمها.

وهناك، ثانياً، ذلك الموقف الذي يعتبر الكتابة النسائية هي كل كتابة صادرة عن امرأة أو كل كتابة تتناول قضية المرأة. وما يؤخذ على هذا الموقف أنه واسع وغير دقيق، إذ يكفي السؤال: إلى أي حد يمكن اعتبار ما تكتبه المرأة كتابة نسائية؟ هو موقف غير دقيق لأنه لا يلتفت إلى أن ما تكتبه المرأة هو- في الأغلب- يكون من خلال أشكال أدبية ليست المرأة بالضبط هي من وضعها وقننها ورسم حدودها، فهل يمكن للمرأة أن تعبر عن هويتها وتجربتها من خلال أشكال حاملة لرؤية ليست نسائية ما دامت متعلقة ببنيات ذهنية واجتماعية تغلب الذكوري وتقصي النسائي؟  لماذا لقي التراث النسائي كل ما لقيه من إهمال؟.

هذه في الواقع أسئلة الموقف الثالث الذي يحول النقاش من الأحادية والإقصائية إلى التعددية والتعادلية، ويفتح آفاقا جديدة وخصبة أمام إشكالية الأدب. ونحن نميل إلى هذا الموقف لأنه يستند إلى فلسفة الاختلاف، معتبراً أن من حق المرأة أن تعبر حقيقة عن ما تريد أن تعنيه، وأن تقول ما يتعلق بهويتها وتجربتها التي تختلف جسديا وثقافيا ونفسيا ولغويا عن هوية الرجل وتجربته، وأن تسمع صوتها المقموع والمكبوت والمستلب داخل لغة ليست لغتها، وأن تحكي تجربتها وشعورها وتنسج رؤيتها للعالم في أشكال فنية تتلاءم مع جسدها ونفسها وثقافتها ولغتها. وهذا ليس مستحيلاً إذا انطلقنا من أن اللغة الإنسانية أغنى مما نعتقد إذ يمكنها أن تقول الرجال والنساء بشكل مختلف، ولتكن البداية بافتراض أن اللغة الأدبية السائدة هي ذكورية يصنعها ويراقبها الرجل، ومن حق المرأة أن تقول وأن تكتب خارج مراقبة الرجل بعيدا عن أشكاله الفنية ورؤاه الحياتية. وتحضرني هنا شهادة ربيعة ريحان، هذه الكاتبة المغربية المعاصرة التي تبدو لي كتابتها حاملا لكثير من خصوصيات المرأة، فقصصها تلفت النظر إلى مناخها الشعوري الحميمي وإلى طريقة اشتغال الحواس وتدفع في اتجاه حساسية مغايرة، تقول هذه الكاتبة معبرة عن وجود وحضور هذه المراقبة الرجالية للأدب والنسائي خاصة:

"نشرت تحت مضض الوجل في البدايات نصوصا بنبرات مكبوتة.. توصد على نفسها برد التردد والخوف من البوح والميلان إلى كشف ما يخامر الذات ( ....) ومرة.... اطلع بعضهم، كما شئت عل نص لي... قرأه غارقاً، وفي بلورة صعبة انطلق في لعبة كلامية ملتوية، يسألني من زاوية إقصاء أعمى:

-  هل قرأ زوجك هذه القصة؟".

يبدو واضحاً أن الأدب غير منفصل عن العلاقات القائمة بين الرجل والمرأة اجتماعياً وثقافياً، وفقط بتحويلها من الغلبة والهيمنة إلى التوازن والتعادل يمكن أن نتحدث عن كتابة نسائية. ومن هنا" لا بد من توفير أرضية ملائمة لأن تتراجع النظرة الاقصائية للمرأة، ولأن تنتشر لغة تتجاور فيها مفاهيم الشراكة بدل التأليب" (عبد الله إبراهيم- الرواية النسائية العربية- مجلة علامات- العدد: 17-2002م –ص: 17).

للكتابة النسائية خصوصية باعتبارها تمثيلاً لعالم المرأة وجمالية مختلفة في بناء عالم المرأة جسدياً ونفسياً وثقافياً ولغة مغايرة ينبغي أن تكون لغة ملائمة لجسدها والإفراج عن أحاسيسه المخبوءة واكتشاف لغته المغايرة للغة الاسقاطات والاستيهامات التي كفَّن بها الرجل حيوية المرأة وتلقائيتها على حد تعبير محمد برادة ( في كتاب جماعي حول القصة العربية، 1986م).

وقد تناول عبد الله إبراهيم في المرجع أعلاه روايات نسائية معاصرة ركَّزت على جسد المرأة، إلا أنه نبَّه- وهذا أساسي- إلى أنه لا ينبغي اختزال المرأة في الجسد فقط واستبعاد الشبكة المتداخلة من الخلفيات التاريخية والقيم النفسية والشعورية والعقلية المتعلقة بالمرأة وعالمها. ومع ذلك فهو يَخْلص في النهاية إلى أن الرواية النسائية عند نوال السعداوي (1988) وأمال مختار (1993) وغادة السمان (1987) وأحلام مستغانمي (1993) وميرال الطحاوي (1996ولطيفة الدليمي (1987) تكشف عن مجموعة من الظواهر الفنية المتماثلة والمتكررة وفي مقدمتها تمركز السرد حول الأنوثة.

ويبدو لي أن في الكتابة النسائية المغربية أصواتاً لا تستحضر فقط هذا البعد الجسدي الذي قد يكون ضيقاً ومحدوداً وغارقاً في إيديولوجية الذكورة، بل في اتجاه الانفتاح على هذا الداخلي الأنثوي، وعلى هذا الحميمي النسائي  وعلى هذه اللغة الباطنية المتعلقة بروح مختلفة. ويَحضُرني نموذج خصب تمثله الكاتبة رجاء الطالبي التي تؤسس كتابة نسائية ترفض المعايير والحدود الأجناسية السائدة، وتسعى إلى بناء كتابة عبر أجناسية تمكنها من النفاذ إلى أعماق أناها وإلى مجهول روحها المختلفة. وما يثير في تجربتها أنها توسع من مفهوم الأنوثة لينفتح على ما هو أكثر عمقاً وأكثر ضرورة في الحياة وفي لكتابة: الأمومة.

يقدم الأدب المغربي المعاصر أصواتاً نسائية تحاول أن تقول الذات في علاقة بذاتها وبآخرها وتسعى إلى إيجاد كلمات لما لا ينقال، للمقموع والمكبوت، للشعور واللاشعور وتدفع بالكتابة في اتجاه أناها لتقول تاريخها الحميم وتفجرها عبر فعل الكتابة. ففي نصوص رجاء الطالبي وربيعة ريحان ومليكة العاصمي ووفاء العمراني وزهرة زيراوي ولطيفة باقا وعائشة موقيظ وحنان الدرقاوي وعائشة البصير ووداد بنموسى ونجاة الزباير وأخريات بلا شك نلمس هذه اللغة الأدبية التي تتحرر شيئاً فشيئاً من جماليات الرجل ورؤاه وتنفتح بهذا القدر أو ذاك على الذاتية والرغائب الدفينة وتحكي بالكلام وبالصمت، عن الفقدان والاخصاء والتطلع إلى الانطلاق والطيران والإشراق، ساعية إلى استعادة ذلك المفتقد روحه وحميميته وحيويته.

لقد وضع النقد النسائي علاقة اللغة بالذات النسائية موضع السؤال: إلى أي  حد يمكن أن تنفذ الكتابة إلى أعماق هذه الذات ما دامت المرأة لم تبتكر بعد أشكالها الأدبية المغايرة؟ وإلى أي حد يمكن للمرأة أن تعبر عن ذاتيتها ما دامت البنيات الاجتماعية والثقافية لم تغير لصالح التوازن والتعادل بين الرجل والمرأة وما دامت الذاتية النسائية- حسب التحليل النفسي- يتم بناؤها منذ الطفولة الأولى بواسطة لغة هي لغة رجالية، فعن طريق اللغة يتم استبطان الخضوع والاستلاب من طرف الطفلة- الأنثى ، أي أنه باللغة يتم تحويل الطفلة إلى امرأة – صغيرة مندمجة وخاضعة لبنية ثقافية ذكورية. وهذا يطرح بحدة علاقة اللغة بالبنيات الثقافية والاجتماعية السائدة، باعتبار ضرورة دراسة هذه العلاقة المعقدة والسعي إلى تغييرها في سبيل لغة طفولية يتبناها المجتمع وتحمل الاختلاف والتوازن داخلها في علاقة مع بنيات اجتماعية ثقافية تتحكم فيها مفاهيم التوازن والشراكة لا مفاهيم الغلبة والهيمنة.

هذا موقف أساسي لكنه لا يعني أن تتوقف المرأة عن الكتابة إلى أن يحصل التغيير في اللغات والبنيات السائدة، بل ينبغي أن تقتحم فضاءات الكتابة وأن تحولها إلى فعل ثقافي يساهم هو الآخر، بهذا الشكل أو ذاك، في إحداث وتطوير علاقات الاختلاف والتوازن.

ومع ذلك فالتفكير في مسألة اللغة خطوة لا تخلو من جوانب: ففي جانب ينبغي السؤال: هل تتكلم المرأة والرجل نفس اللغة؟ أو الأصح هل ينبغي أن يتكلما نفس اللغة؟ ألا تدعو الضرورة على وضع نظرية لسانية نسائية؟

لقد ظهرت في العقود الأخيرة دراسات تركز على هذا الجانب. فقد نشرت dale spender كتاب "Man Made language" سنة 1980، وهو عمل يكشف أن اللغة مراقبة من طرف الرجل وأن المعنى لا يحمل إلا نظرة الرجل للعالم، وأن النساء العاجزات من نقل تجاربهن إلى هذا المستوى الرمزي يقمن باستبطان الواقع الرجالي والرؤية الرجالية للعالم ويعشن من جراء ذلك اغتراباً أو صمتاً قاتلاً.

وفي نفس الاتجاه يسير كتاب "Speculum de lautre femme" المنشور من طرف Luce Irigaray سنة 1974، وهو عمل ينطلق من أن اللغة ليست كونية ولا محايدة، ومن الضروري التساؤل عن خصوصية اللغة النسائية، عن اللغة التي ينبغي أن تلائم هوية المرأة وتجربتها، فحل مشاكل النساء ليس في تحييد (جعله محايداً) الاختلاف الجنسي في اللغة، فالجنس أساسي في الثقافة الإنسانية.

لكن مهما كان التفكير في نظرية لسانية نسائية يكون موضوعها هو اللغة النسائية وخصوصيتها. فإنه من الضروري تدقيق الكثير من المصطلحات من مثل: الجنس SEX. والنوع Gendre واللغة الجنسية SEXIST Language وبخاصة مصطلح اللغة نفسه إذ يمكن التساؤل إلى أي حد تمكن الموافقة على أن اللغة هي مجرد انعكاس للتجربة وإلى حد يمكن اعتبار التجربة والهوية هما أصل المعنى.

وفي جانب آخر ينبغي توضيح الخلفية الفلسفية التي ينبغي أن تقف وراء كل نظرية لسانية نسائية وحسم الاتجاه الذي يتوجب أن تسير فيه لأبحاث اللسانية النسائية: أهو الاتجاه النسائي الراديكالي الذي قد يقوم هو الآخر على الأحادية والاقصائية أم هو الاتجاه الذي يستند إلى فلسفات الاختلاف والتعددية ويسعى إلى خلق عالم لا يكون فيه النوع الواحد هو الذي يضع اللغة والقيم الإنسانية؟.

وفي جانب ثالث تدعو الضرورة أولا إلى مراجعة اللسانيات التقليدية وتجاوز اللسانيات الحديثة وخاصة البنيوية السوسيرية التي تغيب الذات والمجتمع والتاريخ والانفتاح على النظريات النفسانية والثقافية والتاريخانية والسوسيولوجية. ويمكن أن أشير في هذا الصدد إلى كتاب:

“Women’s Body, Women’s Gender and Discomse in Arab- Islamic writing-1991- Fedwa Malti – Douglas”

وهو عمل يدرس العلاقات المعقدة بين اللغة والخطاب والبنيات الذهنية العربية الإسلامية التي تغلِّب الرجل وتُقْصي المرأة.

لكن في كل ما سبق ذكره تحدثنا فقط عن المرأة المتكلمة والكاتبة. وفي واقعنا الأدبي بالفعل، كثيرا ما يرتكز الحديث حول الكتابة النسائية ويتم إهمال مسألة أخرى لا تخلو من أهمية: القراءة النسائية، أي أن تقرأ المرأة وأن تمارس القراءة باعتبارها امرأة، فتجربة القارئ الذكر ليست بالضرورة تجربة القارئ الأنثى.

فالقراءة النسائية تعني أن لا تكرر المرأة هوية أو تجربة معطاة، بل تعني أن تلعب الدور الذي تبنيه بالرجوع إلى هويتها كامرأة. وهذا يعني أن الحاجة تدعو إلى نقد نسائي يدرس الأدب النسائي ويحلل أنظمته الأسلوبية والبنائية والدلالية ولكنه أيضا يبرز تجربة قرائية مغايرة وخطابا نقديا مختلفا ينبغي أن يكشف نظرة المرأة إلى أدبها وإلى أدب الرجل وطريقتها في القراءة النقدية باعتبارها جنساً له ما يخصصه ثقافياً وخيالياً وإنسانياً.

وإذا كان حقلنا الأدبي يتقدم في فسح المجال أمام الأصوات الإبداعية النسائية، فإنه يبخل علينا بأصوات نقدية نسائية لا تكرر تجارب الرجال لاعتماد هذه المناهج الجاهزة بل بالارتكاز إلى مبدأ أساسي:

أن تصغي المرأة إلى النص المقروء (رجالي أو نسائي) من منطلق كونها امرأة وأن تحول فضاء القراءة إلى فضاء حر ومفتوح يحصل فيه التفاعل بين الذات النسائية وذاتها وآخرها وعالمها، أي بين ذاتها ونص الآخر.      


 * قاص وروائي من المغرب