في ذكرى هزيمة حزيران
سميناها النكسة، وسمينا ما قبلها النكبة. وهما تسميتان مراوغتان، فالنكبة تقع على الوطن أو الشعب، ولا يد فيها إلا للقدر، فالهزة الأرضية تحدث نكبة، وكذلك الفيضانات، وتسونامي، والجائحات والأوبئة، وهي كلها تحل دون أن يكون للناس دور فيها إلا بأدنى الحدود. فهل كانت هزيمة العرب عام 1948 من هذا النوع؟
إن تسمية (نكبة) تمعن في تضليل الإنسان العربي، ولا تضعه أمام حقيقة تاريخية واضحة، وهي أن المجتمع العربي هش وقابل للتهشيم، وأن الحكام الذين دخلوا المعركة السياسية والعسكرية باسم الأمة كانوا أدنى مستوى من المطلوب، وبعضهم لم يكن صادقاً فيما يعلن، بل إن بينهم من كان يعرف إلى أين يراد للأمور أن تسير، ويسهم في تحقيق إرادة غير إرادة الأمة.
أما تسمية ما حدث في حزيران 1967 نكسة، فهل شكل آخر للهروب من قول الحقيقة، لقد أصيب العرب بهزيمة عسكرية وسياسية كبيرة، فاحتل العدو الصهيوني المدعم أمريكياً كل ما بقي من فلسطين، وسيناء، والجولان، وخفّضت الأمة، أو حكامها على الأقل، سقف الطموح العربي من (تحرير فلسطين) إلى (إزالة آثار العدوان)، وشيئاً فشيئاً، انبرى كثير من الحكام العرب إلى التسابق نحو إعلان حسن النوايا تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، وصارت الدعوة إلى التفاوض والتطبيع أمراً مألوفاً، بعد أن كانت من كبائر الأمور.
أربعون عاماً مرت على تلك الهزيمة، وإذا كان من نتائجها ظهور المقاومة الفلسطينية وتحول الفلسطينيين من مشردين إلى ثوار لديهم منظماتهم ومشاريعهم الوطنية وبرامجهم العملية، فإن السياسات العربية الرسمية جعلت هؤلاء الثوار يسبحون في فضاء غير ملائم، واستخدمت كل إنجاز عربي ومنها إنجاز حرب تشرين ورقة للمساومة، فإذا بكامب ديفيد وما تلاها من اتفاقيات، تضيّق على المقاومين الخناق وتحقق مزيداً من التخفيض لسقف المطالب العربية والفلسطينية، وتعطي العدو الصهيوني أوراق قوة إضافية، كوجود السفارات الإسرائيلية في بعض العواصم العربية، والتبادل السياحي وغير ذلك.
أربعون عاماً، ولا يجد الباحث المدقق تغيراً إيجابياً ملموساً في الواقع العربي، يمكّن الأمة من وضع استراتيجية تحريرية فعالة، بل لا يجد قراءة سياسية وفكرية حقيقية وعميقة للمجتمع الذي تتالت عليه الهزائم.
أهي اللامبالاة؟
أهو التسليم بالأمر الواقع؟
أهو القصور في الرؤى والأدوات الفكرية؟
أهو العجز؟ وما أصعب هذه الكلمة وأمرّ وقعها!
فلنعترف، نحن عرب اليوم، أننا، بعد أربعين عاماً من هزيمة حزيران، وبعد ستين عاماً من ضياع فلسطين، ما نزال أقل من مستوى قراءة هاتين الهزيمتين وفهم أسبابهما الحقيقية العميقة، التي تجعل التآمر الاستعماري الصهيوني يفلح في تحقيق أهدافه، وتجعلنا نتلقّى الضربات ونحن قابعون في كهوف الهشاشة والضعف.
كانت هزيمة حزيران أكبر من مستوى التعامل العربي معها. ولعل الشعر جاء أصدق من السياسة حين قال:
يا حزيرانُ أنت أكبرُ منّا وأبٌ أنتَ ما له أبنــاءُ
وكلنا نعرف اليوم أن نزار قباني كان صادقاً، فلم تفتح الهزيمة الباب أمام معالجة الضعف العربي، وجعل المجتمع قادراً على المقاومة، ولم تدفع إلى البحث عن استراتيجية للبناء والتحرير.
لقد قال الشعراء ما لم يقله غيرهم ولعل بصيرة بعض المبدعين أكثر بعداً وحدة من عقول معظم السياسيين والباحثين. ومن يستذكر قصيدة نزار قباني التي أخذنا منها البيت السابق، وقصيدة بدوي الجبل (من وحي الهزيمة) يصل إلى هذا الاستنتاج.
البدوي يرى أن شعباً لا يملك أبناؤه حرية النشاط السياسي، وحرية التفكير والتعبير، لا يمكن أن يواجه عدواً:
نحن أسرى.. ولو شمَسْنا على القيــد لما نـالنا العدوّ المغيــرُ
نحن موتى.. وشرُّ ما ابتدعَ الطغيانُ مــوتى على الدروب تسيـرُ
ولم يكن البدوي إلا قارئاً بعين الإبداع ومنهج الشاعر المفعم حرارة وحباً للشعب والوطن، ومستوعباً لتجارب التاريخ التي أكدت أن الشعب المهمش لا بد أن تكون أرضه نهباً لأعدائه.
تناولتْ قصيدة البدوي حال المجتمع العربي بمختلف جوانبها، ولا سيما السياسية منها، وتضمنت إشارة واضحة إلى الدور السلبي للإعلام الذي ينشغل بترويج الشعارات الطنانة أكثر من انشغاله بتعميق الوعي:
والإذاعات! هل تخلّعت العــاهرُ أم هل تقيّأَ السكّيــرُ؟
كما أشار إلى تضييق مجال التعبير عن الرأي وإمعان الرقابة في لجم الناس:
ورقيبٌ على الخيـالِ فهل يسـلمُ منه المسموعُ والمنظورُ؟
ولم يغفل عن ضرورة تحقيق العدالة في المجتمع، فغيابها يجعل المظلومين والفقراء ـ وهم الغالبية ـ غير مؤهّلين لخوض معركة الدفاع عن الوطن:
كيف يغشى الوغى ويظفرُ فـيها حاكمٌ مترفٌ وشعبٌ فقيرُ؟!
وينصح الحكام العرب بالاقتراب من شعوبهم، والاحتكام إليهم، فالشعب هو المرجع، وهو أساس قوة الحاكم ومنعة الوطن:
ارجعوا للشعوبِ يا حاكميها لن يفيدَ التهويلُ والتغريرُ
ولا يرضى البدوي أن يخيّم ظلام اليأس على الأمة، فبرغم كل ما أصابها، ما يزال طريق المستقبل مفتوحاً، وبصيص الأمل يمكن أن يكبر، والمحتلّون لن يرسّخوا لهم وجوداً في أرضنا:
سألوني عن الغزاةِ فجاوبْتُ رمـالٌ تُسْفَى ونحنُ الصخورُ!
لكن هذا الأمل يحتاج إلى فعل، والفعل هو أن تسعى القوى الوطنية كلها، إلى نهضة حقيقية، تنتشل المجتمع العربي من هشاشته، ومن أجل ذلك لا بد من حوار وطني وقومي واسع في ظل علاقات سياسية ديمقراطية تضمن له أن يكون حواراً حراً، يقف فيه الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.
كثيراً ما يكون الشعراء ضمير الأمة، والشاعر الموصول بالشعب والمتمثل قضاياه لا بد أن يكون شاهد عصره، وما أعظم أن تظل القيم الوطنية والإنسانية التي عبر عنها نزار قباني وبدوي الجبل في قراءتهما للهزيمة، حية في وجدان السياسيين والباحثين، فهي مرتكزات أساسية لرفع مستوى الشعور بالمسؤولية.