مغرب القصة القصيرة...

د. الحبيب الدّايم ربّي قرأها 5
  

د.الحبيب الدايم ربي *

من وجهة استعارية، وقياسا إلى الرواية، تمثل القصة القصيرة، في عالم الأدب اليوم، ما يشبه صناعة رمزية خفيفة،   فهي، بمعية أجناس تعبيرية أخرى، ركن أساسي من أركان المتخيل الجمعي، ما لم نقل أحد التمظهرات المعتبرة للعبقرية البشرية في أزمنة وأمكنة معلومة. إذ عبرها، حين ترتقي فنيا، يمكن رصد التحولات العميقة في سيرورة المجتمعات؛ لا من حيث أنماط الحياة المتجددة، وسبل التأمل والتفكير فحسب، وإنما أيضا من حيث الذائقة الفنية والجمالية.

إن من شأن هذه المسلمة البسيطة، أن تجنبنا كثيرا من الأسئلة الجانبية، حول التحديدات المعيارية لمفهوم القصة القصيرة.طالما أن الترسيمات المدرسية،على أهميتها الديداكتيكية، قد أكدت قصورها، على الدوام، في حصر الخصائص الجوهرية للفن عموما، مما ترك ويترك، في الأذهان، الحدود بينه وبين ما دونه رجراجة مائعة باستمرار. ولئن كان تداخل الفواصل، في الفن أكثر من سواه، أمرا مزعجا، لدى الباحثين عن تدقيقات صارمة، فإن ما تقدمه، في مجال الأدب أليجوريا (أمثولة)، مثلا، يظل مائزا عما تقدمه وثيقة مباشرة. سيما من خلال القيمة المضافة المعبر عنها في زاوية الرؤية وتطويع اللغة وتمثل الواقع. فكلما ارتقت أساليب الصنعة ونفذت الرؤية، كان المنتوج الأدبي أكثر تعبيرا عن الواقع (بما في ذلك الواقع النفسي) في نبضه الجواني. من ثم فإن معيار الأدبية محكوم، في تقديرنا، بخاصيتين متفاعلتين : غور الرؤية وعلو كعب التقنية.

والنصوص التي نقترحها كمتن نووي هي ما تمكنا من قراءته ورصده عبر متابعاتنا المتواضعة للتحولات القيمية والجمالية في تجربة الحكي القصصي المغربي الراهن، ويمكن تلخيصها في الملف الذي أعده الأستاذ عبد الله المتقي في "ألواح" وتشرفنا بتقديمه، وتيار ما أطلق عليه بوزفور "الموجة الزرقاء"، وغيرها من النصوص التي وعلى تفاوت ممكناتها التعبيرية، محكومة بالشرطين الجغرافي (المغربي) والتاريخي (نهايات قرن وبدايات آخر) في محدوديتهما وامتدادهما معا. بيد أنها –لا عن قصور- قد لا تمتلك شرعية تمثيل القصة والقصاصين في المغرب المعاصر، لسبب بسيط هو أن التمثيلية في الفن –ككل- أمر اشتطاطي، ناهيك عن كون المشهد القصصي المغربي الراهن، فضلا عن طابعه الفسيفسائي، هو مشهد أقرب إلى الافتراض منه إلى الحقيقة: فالمنشور في المجاميع، على قلته، والمبثوث في الجرائد والمجلات على كثرته، والأسماء القاصة المعروفة والعناوين القصصية المتداولة ليست، بنظرنا، سوى شجيرات أمامية من غابة لـم تستكشف بعد. فما أكثر القصص القابعة في الأدراج وما أكثر القصاصين الذين لا يعرفهم أحد، من غير أن يترتب عن هذا التخمين منح امتياز لعمرو أو سحبه من زيد. ما دام الرواج لا يطابق الفنية ولا الجودة بالضرورة. ولربما تكون من السمات الفارقة لهذه العينة أنه ما خلا بضعة من الكتاب الذين صار لهم بين القراء شيء من صدى، فالباقي منهم مغمور أو يكاد (وسيكون من المفيد هنا أن تكتسب النصوص عمقها الاستراتيجي، لدى القارئ، من ذاتها لا من سطوة أسماء كتابها) ومعناه أننا أمام كوكبة توحدها المجايلة ومغامرة البحث عن مكان تحت شمس القصة القصيرة، مما يفترض تقاربا بين أفرادها في التجربة (التجارب) ضمن تقاطباتها العامة، وإن تعددت أسباب قراءتهم لهذه التجربة (التجارب) حكائيا. وعليه فكما ينشد –بتشديد الدال- هؤلاء الكتاب إلى حيز زمكاني مخصوص فهم كذلك ينتمون قصديا إلى جذر تربيعي يصل سردية نصوصهم بجنس القصة القصيرة من قريب أو بعيد. والقصدية هنا رغبة نابعة من الكتاب أنفسهم أكثر من انبثاقها عن الكتابة ذاتها، ما لم يتم الحسم في القصصية كقيمة مطلقة. وفي التوزع بين السياق والكتابة يتصادى تاريخان متكاملان: تاريخ الوقائع (المغربية) وتاريخ النصوص (القصصية). فمن المعلوم أن جزءا من تاريخ المغرب المعاصر مدون في قصصه القصيرة، وأن جانبا غير يسير من تاريخ القصة القصيرة المغربية (قد) يكمن في تاريخ أشكالها. حتى أننا لنكاد نزعم أن التاريخ والقصة، بالمغرب، يسيران معا على إيقاع واحد ولو اختلفا في الخطو. التاريخ يعيد نفسه بصيغ أو بأخرى في تبرم واقتضاب، والقصة، كلما سارت إلى الأمام راودها حنين متلبس إلى البدايات. وفي خضم هذا التأرجح غير المفهوم نحدس، بلا يقين، أن هذه القصة -كالتاريخ- منذورة للقصر مع مرور الوقت. وهذا المؤشر إن صح، قد يحتاج وحده من الدارسين إلى تفسير. من هنا، ربما، نلاحظ انضغاط الفضاءات النصية لهذه القصص عن الحجم المعتاد. ففي حدها الأقصى قد تقارب بالكاد الأربع صفحات كما لدى إبراهيم الحجري في قصته "القصبة"، وخديجة موداي في قصتها "ساعة البحر تدق احتراقا"، ولا تتعدى في حدها الأدنى الخمسة أسطر كما لدى فوزي بوخريص في قصته القصيرة جدا "سطو الوسن". وما بين الغايتين نصوص من صفحة أو صفحتين. ولا يخفى ما لضيق المساحة من إكراهات على البوح والتصوير وتدقيق القسمات وحبك الحوافز (الموتيفات).. ويخيل إلينا أن بعض الكتاب واجهوا هذا المأزق بمآزق أخرى: فمحمد اشويكة وفوزي بوخريص  وعبد العزيز الراشدي ومحمد تنفو –باستثناء أقصوصته "الركن"- ولأمر ما، لم يولوا في النماذج الثلاثة القصيرة جدا، لكل منهم، أهمية كافية لبلاغة التوتر التي تقتضيها حتمية الهندسة في الحيز المحسوب. أما عبد النبي بزاز في "خصام" وجبران أبو مروان الكرناوي في :"بلا عنوان"، فيؤسسان، فيما يبدو، شعرية نصيهما على الشحن الترادفي ومراكمة الصور والتشابيه. فيما حاولت النصوص الأخرى تدبير إكراه المساحة بما تيسر لها من مناورات استقراء التاريخ الشخصي للقصة المغربية عبر هذه النماذج، كأن نتلمس ملامح المقامة في قصة "بلا عنوان" لجبران أبي مروان الكرناوي، حيث اللغة تقود السارد، وليس العكس، وحيث الأطروحة (الموعظة) تصادر ما عداها من آليات البناء النصي. أو نستشعر غلالات رومانسية عند فاطمة بوزيان في" موت البلابل" وعز الدين الماعزي في "أقاصيص" وعبد النبي بزاز في "خصام"، وأحمد لطف الله في "فصوص لطائفية" وعبد العزيز الراشدي في قصصه القصيرة جدا، وزهرة زيراوي في مجموعاتها الثلاث وليلى الدردوري في مجمل نصوصها.. الذين يغلفون سرودهم ببهار الشعر، منقادين لغنائية لم تفقد خيالاتهم مرتكزاتها المرجعية، أو نقترب من الواقعية –بأطيافها- مع محمد الشايب وخديجة موداي وابراهيم الحجري وسعيد الفاضلي وعبد الواحد كفيح. وفي تساوق مع هذا المنحى، الرومانسي الواقعي، تدخل الحكاية الشعبية، إلى جانب شعرنة اللغة، لدى أحمد شكر في "قطاف" والأسطورة المحلية لدى أحمد الويزي في "حكاية العالم والأمير النائم" كطرفين في معادلة الصوغ الجمالي. وإذا كان عبد الله المتقي،مثلا، يركب مغامرة التجريب في "أحلام متمردة" اتكاء على الخطاب الواصف والكولاج ولعبة التناص ولغة الطفولة والأحلام، فإن أنيس الرافعي في "السيد ريباخا ينفخ السيد ريباخا" يخوضها، بواسطة النحت في اللغة ومسخ المواقف، من منطلق كافكاوي أو "تعاكسي" –إذا ما استعملنا كلامه- ... وفي كل الأحوال يبقى بهوت المداليل، و"محافظة" التعابير، في هذه المساهمات لافتا. ففيما عدا مرافعة الكرناوي ضد العولمة، مغازلة كفيح لمحنة الهجرة والاغتراب، ومناوشة الشايب لمشكل البطالة ومواعظ ليلى أبو السعد في "صدام الأجوف والممدود"، يظل الكتاب قليلي الجرأة وغير معنيين بالمواضيع الكبرى، بقدر ما تسحرهم حكايات الطفولة والطيور والحيوانات (فاطمة بوزيان، عبد الله المتقي، سعيد الفاضلي) وبعض التفاصيل الأخرى الصغيرة التي لم تكن في الماضي القريب تثير اهتمام القصاصين. علما بأن قصصية القصة لا علاقة لها، أصلا، بأهمية محتواها ولا بجرأة أو حشمة ألفاظها.

إننا بهذا التوصيف وإن كنا لا نتغيا المجازفة بأي حكم قيمي يرهن أفق انتظار القارئ لمجرد انطباع شخصي، بيد أنه لابد لنا من الإشارة إلى أن أشح هذه القصص ماء، تتجاوز، برأينا، شرف المحاولة وتحقق حدا أدنى  من الأدبية الماتعة، وأنضجها تشي بوعد نصفه صادق في أسوإ الأحوال. ومع ذلك، وبغض النظر عن تموقعنا النقدي، سيكون من المحاباة تجاهل هيمنة الهفوات الإملائية والنحوية وركاكة الأسلوب في أكثر من قصة، وتلك ركاكة كان قد سجلها الأستاذ أحمد اليابوري في الستينيات الماضية، على أجيال عهد الاستقلال في مقايسة مع سالفيهم. ولو أن السؤال، اليوم، قد يطرح حول ما إذا لم تكن هذه "الركاكة " في حد ذاتها "علامة فنية"، وحول ما إذا لم يكن من حق السارد –قبل الكاتب- أن يخطئ إملائيا (كما عند خديجة موداي، على سبيل التمثيل، ولدى كل الذين كتبوا كلمة ضفائر بحرف "الظاء" أو جملا من قبيل : " أحسست بعيناي ( !) تدمعان") أو حتى نحويا ( نترك للقارئ فرصة اكتشاف ذلك) ثم ألا يجوز أن تكون طبيعة الشكل القصصي المتمردة ،أصلا، في تعارض مبدئي –من يدري- مع معيارية القواعد الضابطة؟. بل ألا يوجد خلف أكمة هذا المخاض الملتبس شيء..من مغرب قصصي قادم؟

ولتأطير ما تقدم نخلص إلى القول، وبتركيز مخل، إن القصة القصيرة بالمغرب، تبدو كما لو كتب عليها أن تقطع رحلتها السيزيفية، التي تقارب الستة عقود، في عود أبدي، ابتغاء تهجية خطواتها المتكررة في الطروس القديمة. إذ إنها بدأت، متصادية مع جنسيات موازية (مقامة، حكاية، خرافة...) حملتها، عبر المجلات والجرائد، تجارب مشرقية رائدة ثم ما لبثت أن تحولت بالتدريج إلى "صناعة" شبه محلية بعد أن وجدت في "الشأن المغربي" المتوهج ما ينبغي عن أي تخييل أو اقتباس، سيما وقد كرس القصاصون، والأدباء عموما، أعمالهم لخدمة القضية الوطنية ومقاومة المستعمر الفرنسي، مستلهمين التواريخ المجيدة كوقود لتأجيج الحماس الشعبي..كان هذا تقريبا بين الثلاثينيات والخمسينيات. وقبل اكتمال نشوة التحرر والاستقلال طفقت التناقضات الاجتماعية في الظهور، خلال الستينيات والسبعينيات، فكانت الرومانسية والواقعية، بما هما تياران فنيان، ملاذا للقصاصين لترجمة انخراطهم كفاعلين في الحراك الاجتماعي، غير أن محدودية هذين المنظورين إزاء تعقيدات الواقع وانجلاء الأوهام ما انفكت أن انفتحت، في سنوات الثمانين، أعين الكتاب على كوى أخرى للتمثل والمعالجة، فأدركوا، في ضوء النقد الشكلاني والبنيوي والمحكيات الفرنسية التي كتبها رواد "الحداثة"، أن للشكل قيمته الدلالية الحاسمة في الإمساك بالمنفلت وبناء القصة القصيرة حالا بحال، فراحوا يجربون البنى والأشكال بحثا عن اكتمال لهذا الفن الناقص. أما، في العشرية الأخيرة من القرن –الذي مضى – فقد بلغ اليأس واللايقين (موت التاريخ، موت الإيديولوجيا، انتكاس المشاريع ذات الطابع الإنساني....)غايتهما. وهو ما أعاد سؤال الجدوى الأدبي من جديد إلى مربع البدايات..والانتقال من الالتزام بقضايا كبرى (القومية العربية، تحرير الوطن، دمقرطة المجتمع...) مرورا بالتحلل من المعنى و"أخلاق الشكل" معا وصولا إلى الانشغال بالذوات في فردانيتها، وتشخيص إمكانات افتراضية قصوى للكائن في عزلته المدمرة، ناهيك عن اللامبالاة والسلبية، من هشاشة مواقعهم الاعتبارية، على الأقل في دوائر القرار السياسي والاجتماعي.

من الجائز ألا تكون سيرة القصة القصيرة بالمغرب، مطابقة تماما لهذا التنميط، فضمن الجيل الواحد قد تتعايش أجيال من القصاصين، وبين هؤلاء من كان مشاء فجاب المراحل المتلاحقة وعبر التيارات. وضمن هذه المرحلة المتقطعة والمتداخلة تحقق منجز لا بأس به على يد أسماء تجاوزت شهرتها الحدود القطرية (محمد برادة، محمد زفزاف، خناثة بنونة، عبد الجبار السحيمي، مبارك ربيع، ادريس الخوري، أحمد بوزفور، وطائفة من شباب نهايات هذا القرن الماضي...) إلا أن المؤكد أن أجمل القصص لكتاب هذا الملف، وفي تاريخ المتن القصصي المغربي، هي تلك التي لم تكتب بعد. ليس نكاية في الماضي ولا في الحاضر وإنما إيمانا راسخا بالمستقبل. فمغرب التاريخ والحضارة والثقافة والفكر والتنوع الجغرافي و .. والأزمات والمشاكل العالقة؛ يحتاج من أبنائه إلى أكثر (وأجمل) من "حكاية الرأس المقطوع" و"الأوطوروت" و"الفاركونيت" و"الغابر الظاهر" (وهي عناوين نصوص قصصية مؤسسة، ما فتئنا نستشهد بها، لكتاب راسخين، نذكرهم على التوالي : محمد برادة ومصطفى المسناوي وعبد الجبار السحيمي وأحمد بوزفور)، فمهما أضفنا إلى القائمة من قصص وقصاصين لن نملأ الفراغ السردي في الحياة النثرية والشعرية لهذا الربع العامر. من ثمة تأتي أهمية هذه المساهمات، بحماسها أو فتورها، بجرأتها أوتحفظها، بوثوقها أو ترددها، بطرافتها أو فجاجتها، بعمقها أو ضحالة بعضها..لتعكس تخطيطات أولية لخارطة سردية في طور التشكل..إنها خارطة مغرب قصصي يدق على الأبواب المواربة.