في رثاء الطبيعة..!

وديع العبيدي قرأها 2,424

في رثاء الطبيعة..! 

كل ما قام على غلط فهو غلط!..

كل ما زاد عن حدّه، انقلب الى ضدّه!..

(1)

الطبيعة هي مدرسة الحياة الأساسية، وهي ملهمة الأفكار والنظريات، ومنتجة الطرائق والمناهج المرشدة والمساعدة والمسهلة للحياة. في حضن الطبيعة ولدت الحياة ونمت وتطورت وازدهرت، وفي أحضانها ولدت وتوالدت أحلام البشر، وقادتهم لإنتاج نسخ متعددة وطبعات جديدة من الحياة والطبيعة والوجود، على مستوى الذهن أو المادة..

هنا يقتضي، ولغرض تدقيق المعنى، اضافة كلمة اخرى لمفردة (الطبيعة) لتكون وافية بالمقصود، فتكون [الطبيعة الأصلية/ البيئة الطبيعية]. ويمكن الافادة من ارنولد توينبي [1889- 1975م] الذي استخدم مصطلح [المحيط الحيوي] أو [Eucomin].

وعلى ذكر توينبي سوف أستعير منه مصطلحا آخر، لاستيفاء مقتضيات المعنى هو (الانحدار). وبمساعدة المصطلحين [المحيط الحيوي، الانحدار] يمكن الوقوف على معنى الحياة وعلم الاجتماع ومتداخلاتها المتعددة والراهنية.

مصطلح المحيط الحيوي يعني البيئة الصالحة والمساعدة على الحياة، أكثر منه كونها بيئة طبيعية غير اصطناعية. الطبيعة الأم، البكر، الغابة، بيئة البدايات والأوليات والبراءات. فالمهماز الرئيس هنا، هو دخول (يد) الانسان في الطبيعة، وتدمير بكارتها الأصلية.

الطبيعة هي البداية. البداية هي الأصل. الأصل هو الهوية. الهوية مشروع. المشروع هو أمل وطموح. الأمل هو الايمان بوجود غد. مغزى (الغد) هو جدارة الانتظار والعمل والحياة. الحياة انشودة الطبيعة ونغمة الوجود المتسلسلة كمياه نهر قروي هادئ تحف به شجيرات وطيور ورياح ناعسة.

في طفولتنا، كان الأهل يأخذوننا لزيارة (أهلنا) في القرية. كانت القرية شيئا – عجيبا مختلفا عن المدينة. في البداية نخاف من التعامل معها، ومع الوقت نألفها ونود ألا نفارقها.

رؤية مجاري الانهار عن قرب وهي تتسلسل أو تهدر، بهدوء ودعة، أو بعنف وزئير، وربما بخرير خافت يتسلل تحت الجلد في ظهيرة مشمسة نبحث فيها عن أفياء ناعمة، متعة لا تضاهى..

الطبيعة هي رؤية الوديان والسهول الممتدة تتخللها شجيرات وتلال وخرائب قليلة، تستفز الذاكرة الى تصور تاريخ سحيق مرّ من هاته الأرض وترك وراءه بقيا أصداء تتناوبها الريح، فترهف السمع ترهف سمعك.. هه.. تكاد تسمع شيئا..

الطبيعة هي رؤية الجبال والتلول المتعالية المتسلسلة والمتراكبة مثل اسطورة اغريقية عن حروب قادتها الهة وتركت بقاياها وأجداثها المنهكة بعد صراع مرير.. الجبل الواقف هناك ليس صامتا.. انه ينتظر ان تفكر فيه وتستنطق خباياه وتكشف أسراره. الجبال متعددة الاشكال والالوان والارتفاعات والمنحنيات والايماءات.. كم منا توقف أمام جلالها، ومنحها بضعة ساعات أو سنوات من عمره!.. أفضل كثيرا من بلادة مدننا العشوائية المتوحشة.. لماذا نشعر بالصفاء في محضر الطبيعة؟..

لماذا نشعر بالسلام والدِّعة والتواضع عندما نختلي بأنفسنا مع الطبيعة؟..

كم منا يخالجه الشعور بالانتماء والوحدة والانسجام في حضرة الطبيعة؟..

عندها ندرك وبعمق، السر الذي دفع بعض الميثولوجيات الأفريقية واللاتينية الجنوبية، لاكتشاف فكرة (أمنا الأرض!)/ (الأم المقدسة/ الأرض المقدسة)!!.

التقرب من الطبيعة واعتيادها/ الشعور بالالفة معها، يولد في الشخص طبيعة جديدة، بالأحرى، يجدد طبيعته، أو يبتعث طبيعته الاصلية البكر، فيشعر بصفو وسلام وانسجام وتواضع، ويشعر بالالفة والاخوة مع البيئة المحيطة به والناس المحيطين به، يحادثهم ويشاركهم بعفوية وتلقائية وصدق ومن غير أفكار مسبقة أو غرضية.

اعتقد انني كنت محظوظا – لحد ما- وسنحت لي فرصة ملامسة الطبيعة: النهر، الجبل، السهل، قريتنا الأصلية في حوض نهر ديالى التي غمرتها مياه مشروع سد حمرين، جبال زاجروس من مفرق دربندخان نزولا حتى كثبان الشيب في واسط، أهوار الجبايش ورائحة البردي، حيث كان أجدادنا يعتكفون ذات يوم، قريبا من آلهتهم، بعيدا عن اليابسة!.. حيثيبة صغيرة من الروائح والتصاوير والأخيلة استودعتها الذاكرة وأنا أترك (ميسوبوتاميا) غربا.. في النمسا أشيد بجبال النمسا الوعرة وغاباتها الاسطورية المزدحمة، حيث يتوقف الزمن، ويتلاشى الوجود في صورة غصن أو فسحة دافئة وسط الغابة.

من حق الاوربيين ان يجعلوا عطلة نهاية الاسبوع يومين أو أكثر، ينطلقون خلالها للقرى والطبيعة والشاطئ [countryside] للحصول على مصادر الطبيعية الحقيقية في قلب الكون كما تقول (اليوغا)، إعادة تصحيح وتنظيم معادلات الانسان ومكانزماته الجسدية والنفسية والفكرية.

ان اكبر جريمة اقترفها مخططو المدن والساسة هي قطع الصلة والاتصال بين المدينة والطبيعة الأم. وبغياب الطبيعة من حياة الكائن، ظهرت أولى معالم اليتم وأعراضه على الجنس البشري، التي تتفاقم بحكم عوامل أخرى اضافية.

الانسان بحاجة للطبيعة/ حاجته للأم.

ولابد لكل مجتمع/ فرد أن يكتشف طريقته الخاصة والثابتة، لمراجعة الطبيعة دوريا، والاستلقاء في أحضانها بعيدا عن هموم الحياة وتفاهاتها، وخارج ضوضاء المدينة وترهاتها المصدعة، وبالتأكيد، تكون لوحدك، أو مع ناس [لا يثيرون الضجر من مكامنه!].

(2)

الانسان كائن طبيعي. يصح عليه ما يصح على الطبيعة. ويحق له ما يحق لها.

الانسان – الطبيعي- كائن جميل، مقنع، جدير بالوجود والمحبة والخير.

انظر لأي شخص، بغير أحكام مسبقة، وبغير نزعات نفسية أو فكرية، وبغير أطماع وأمراض؛ تجد أنك تكتشف/ تتعرف إلى كائن جديد، مختلف، عن النسخ المحفوظة في ذاكرتك.

الانسان يفقد طبيعته، بافتراقه عن الطبيعة الأم.

وباستغراقه بمتطلبات المدينة والحضارة والأنظمة السائدة – سياسيا/ اقتصاديا/ اجتماعيا- يبدأ بالتلوث، يتلوث ويتلوث ويتلوث، فإذا ما بلغ مبلغا من السن والتمدن والطمع، تحول إلى – مستنقع- متحرك على قدمين، أو يتنقل في سيارة ومترو.

في مجتمع القرية، ثمة بساطة، تلقائية، عفوية، براءة. (دعنا نحفظ هاته الميزات!)

الغيرة والحسد والخبث والذم والرياء وسوء الظن وسوء الدخائل والطمع وقائمة التلوث النفسي والفكري لا مكان لها في المجتمع البسيط.

في هذا المجتمع لا يوجد بغض أو طمع، لأنه لا توجد حيازة أو لؤم. لا توجد مشكلة، ولا صراع ذوات ومنافسة شخصية عقيمة. فهذا المجتمع- الافتراضي اليوم- هو مجتمع فردوسي، نقي ومرتقي نفسيا وأخلاقيا.

فكرة الانفصال عن الطبيعة الأم/ اليتم، تنعكس وتتأكد من جانب آخر، عبر العلاقة بالعائلة والوالدين. وكل من هذين العاملين يؤثران بشكل مباشر في تكوين الشخصية وتركيبة العقل الباطن.

أما ثالث تلك العوامل فهو البيئة الاجتماعية، المجتمع أو الجماعة/ الغيتو، الأصلية، مدى انسجام العوامل الثلاثة وانسجامها وتكاملها بشكل مرضي كامل أو مجتزأ ومشوه.

في طفولتي لاحظت أن أطفال القرية أكثر ذكاء – ذهنيا- من أبناء المدينة، ولا سيما في الدروس العلمية والرياضية، مع قوة الذاكرة وسرعة الحفظ.

فالتكامل النفسي والعضوي الطبيعي السليم ينعكس على القوى الذهنية والجسدية والنفسية بشكل متزن، ويمنع تسرب/ هدر الطاقة الطبيعية للشخص.

المناهج التربوية لا تتطرق في قليل أو كثير لعامل العلاقة مع الطبيعة، رغم إشارات جانبية لتعبير (علاقات طبيعية)/ (معاملة طبيعية)/ (بيئة طبيعية)، والتي يقصد منها (العادية) – من المعتاد والمألوف-، وليس الطبيعية – من الطبيعة-!.

ان كثيرا من سكان مدن اليوم، وخصوصا الاطفال، لا يكادون يعرفون الطبيعة عن قرب، ولا يجدون الفرصة للتلامس معها وتأملها. ان العلاقة مع الطبيعة هي جوهر العلاقة مع الوجود، وبالتالي، تأسيس الشخصية على أسس ومبادئ وقواعد متينة للحياة والتواصل والتكامل مع جملة الوجود.

الانسان اليتيم هو الذي لم يستمر في التواصل مع الطبيعة، ولم تترك له الحرية للبقاء في مكانه الأول، بفعل ضغوطات الحضارة والمجتمع المدني. وحتى نصف القرن الماضي، كانت عطلة الريف في نهاية الاسبوع، نظاما عاما سائدا في معظم الحواضر الاوربية. وكانت بلداننا – الشرق الأوسط- منتظمة الحياة والعلاقة مع أصولها الريفية وبواديها، قبل استفحال هجرة الريف للمدينة، واضطراب النظام السكاني عامة.

ان ادارات الدولة العليا، معنية بتقديم دراسات عمرانية واقتصادية واجتماعية شاملة لاقاليم البلاد، وبحيث يكون لكل اقليم فرصة كافية ومصونة للتواصل مع الطبيعة، والوقت المناسب للتمتع بحق التواصل، قبل أنظمة العمل وتنظيم أيام الاسبوع في البلاد.

هذا يستدعي تقليل ساعات العمل، أو ويادة عطلة نهاية الاسبوع للاستجمام والراحة النفسية والقيلولة للفرد والعائلة. وبذلك يمكن التوفر على علاجات ناجعة لكثير من أمراض وأعراض وأزمات ومشاكل التوتر والشدة النفسية والذهنيىة في المجتمع.

التواصل مع الطبيعة لا يحتاج الى ميزانيات ومشاريع تنهب من خلالها المليارات، وانما تحتاج لتعلم احترام الانسان وصيانة الوجود والمحافظة على الطبيعة البكر.

الدمار الحقيقي للطبيعة حدث بسبب الجشع والطمع. ويعرف انقياء الضمير حجم الكارثة التي تسببت بها عمليات الاثراء السريع والنهب والفساد الاداري في بلدان الشرق الأوسط، عندما قامت طبقة الفلاحين وابناء الريف بتدمير قراهم وهجرها، بالمتاجرة واللجوء الى العشوائيات الحضرية لإنتاج مشاكل ادارية واقتصادية واجتماعية غير مبررة، وصولا الى فقدان القيم الاجتماعية وانحطاط الأخلاق وسيادة الفوضى والارهاب الاجتماعي.

من اجل هذا، ينبغي صدور قانون لازم جازم حازم، يقضي بحماية البيئات الطبيعة ومحيطاتها من أي تدخل خارجي وبغض النظر عن المبررات. ويمنع مخالفة هذا القانون منعا باتا.

فالغابات والبيئات الطبيعية في كل بلد هي ثروات وكنوز طبيعية قومية مقدسة. ليست كنوزا وثروات للمتاجرة وانما هي ثروات لاستمتاع الأهلين والترويح من الاعباء والضغوط النفسية والاجتماعية، وجزء أساس من تكوين الفرد والمجتمع المحلي.

(3)

اكتشاف الانسان لـ(يد)ه، واستخدامها للتدخل في تفاصيل البيئة الطبيعية وتغييرها لتطويعها لأغراضه وحسب اجتهاده، هو ما يصطلح عليه توينبي بـ(التكنولوجيا)/ (التكنيك/ التقنية). وبتعبير أدق، هي الاسلوب/ نظام العمل (التفكير) الفني. وفي وقت لاحق، سوف يظهر مصطلح [الحضارة- المدنية]، لوصف دور الانسان في الوجود وعلاقته بالاشياء داخل بيئته.

ففي مقابل [الطبيعة/ البيئة الطبيعية]، تظهر منظومة [تكنولوجيا/ حضارة/ مدنية]، وسوف يدخل الاثنان في صراع – مستميت-، قائم على المنافسة والهيمنة، حيث يدافع كل منهما عن حقه في الوجود، واثبات جدارته ضد الاخر. والضحية الكبرى والوحيدة في هاذا الصراع – كما في كل الصراعات- هو الانسان- [أنا وأنت]!.

آمن الانسان القديم بقداسة الطبيعة، واستنتج من ظواهر الطبيعة آلهة يتوسلها ويخضع لها ويتقي أضرارها. هذا الشعور الديني/ الميثولوجي ساعد في صيانة بكارة الطبيعة من التلوث والعبث حتى أمد معين.

في ظل وحضن الطبيعة بدأ الانسان حياته، وقام بتأسيس مستوطناته الأولى، ونشأة القرى الزراعية الأقدم. ففي ضفاف الانهار وسفوح الجبال وقمم الهضاب قامت أقدم المستوطنات المتحضرة التي كشفت عنها العثريات التاريخية.

الأقدم منها جميعا، يعود للمستوطنات/ القرى المائية في أهوار حوض الرافدين. وتقوم تلك القرى على بسط من جذوع وأغصان الشجر المفروشة، والمحكمة ببعضها بألياف البردي، ويهال فوقها تراب بسمك معين لتأسيس جزر اصطناعية صغيرة وخفيفة. وفوق تلك الجزر (الجبايش/ جمع جبيشة (كبيسة)) تقام بيوت وحجرات من لفائف البردي وأعواد القصب المعروفة – طريقة صنعها لليوم في جنوبي العراق-، يتوزع فيها العوائل والسكان الأقدمون. فالقرية الأولى، الاستيطان الأقدم، لم يتأسس على سطح الأرض، وانما على سطح الماء، كما سبق ذكره، وهي الحضارة السابقة لعصر سومر- الألفية الرابعة قبل الميلاد، والمعروفة في السجلات التاريخية بحضارة العُبَيد [Ubaid culture, state].

[Ur] لفظ سومري أكدي قديم جدا ومعناه (أرض)، وهي اسم أقدم مدينة/ عاصمة أو دولة معروفة في عصر سومر. موقعها اليوم في تل (المقيّر/ المكَيّر) القريب من موقع (اريدو) التاريخية، وعلى مسافة من مركز مدينة الناصرية/ ذيقار الحالية.

يعود تاريخ (أور) إلى عصر (العُبَيد) السابق، أي ما قبل الطوفان – بحسب التاريخ الديني-واللفظ (أور) يدخل في أسماء عديد اسماء المدن والاشخاص القديمة، كما يمثل الاصل اللغوي المشتقة منه مفردة (أرض) في اللغات الارامية (المشتقة من البابلية الاكدية). واللغات الأوربية اللاتينية الحديثة [earth, Erde].

قامت مدينة أور على تلة بيضوية الشكل مرتفعة عن سطح الأرض. وكان موقعها يومئذ على مصب نهر الفرات في حوض الخليج العربي قبل أن يتغير مجراه ويلتقي بنهر دجلة على مسافة مائة وثلاثين كيلومترا شمال مدينة البصرة الحالية.

في العصر السومري ازداد عدد المدن، وزاد انتشارها شمالا على ضفاف الرافدين. وعمومها مستوطنات زراعية ترعى ريا أو سيحا. وفيما اقيمت البيوت في عصر (العُبَيد) من الجذوع والقصب ولفائف البردي، انشئت المدن السومرية من الطين (الطوب) المجفف في حرارة الشمس.

يمكن تصور مبلغ الحذر والدقة في تعامل الانسان القديم مع الطبيعة، ومشتقاتها الرأسمالية.

فقطع الاشجار لم يكن جذريا، ولا عاما، ويتجه للقادرة منها على الانبات والنمو مجددا، وكذلك قطع القصب والبردي الذي يعود ينمو باستمرار، وتجف سيقانه وأليافه العليا بفعل حرارة الجو باستمرار، وتتحول إلى فضلات تقتضي التنظيف ورفعها باستمرار. هاته العملية تدعى اليوم في أوربا ريسايكلن (recycle).

لاينكر فضل التكنولوجيا العاقلة والحضارة العقلانية في إنتاج المدنية وتحسين أنماط الحياة وأنظمة العمل واستحصال القوت، وبشكل يضيف معاني جديدة للحياة الانسانية. وعندما ينظر المرء للتاريخ، ينظر لحظاته المضيئة وإضافاته الابداعية ومنجزاته الجديرة في ذلك كفاية .

كيف تختصر آلاف السنين، وربما ملايينها في سطرين وأربعة مسميات، ليس من بينها السياسة ولا الدين ولا المال. فالغاية من وجود الحياة هي البناء والعمران والانسجام الحقيقي (تناغم _ تناسق).

سومر، أثينا، النهضة الاوربية، المدنية الحديثة. هذه هي محصلة تاريخ العالم، والمنجز البشري المتألق. اقتران العقل بالحكمة مقابل البساطة ومنطق الطبيعة. وأعتقد أن ثمة منطقا للزمن. منطقا للتاريخ يعيد غربلة تواريخ البشر، ويطرح فضلاتها الدورية في البحر، فلا تؤثر نتانتها على المجمل العام.

ومن ضمن تلك النتانة، هي مهزلة واشنطن [washingtown] ما بعد الحداثة، لجعل النموذج الامريكي الوحشي، نمطا لحياة البشرية وزيا موحدا ترتديه الشعوب بقوة الناتو وشروط مؤسسة النقد الدولي.

ان الخط الفاصل بين الانسانية والوحشية، هو احترام الطبيعة، لأنها سرّ الوجود. والمعتدون على الطبيعة ليسوا أقوى منها، بل أعجز منها على العطاء النبيل الراقي بغير مقابل.

استخدمت أوربا القومية اصطلاح (الاستعمار) لاضفاء غطاء ديني على قرصنتها الدموية ونهبها بلاد العالم، وما زالت مخلفاتها الهمجية الانكلومريكية في الشرق الأوسط وجنوب أسيا. لكن مصطلح الاستعمار لم ينفِ جرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية واستخدامات الاسلحة المحظورة والوسائل والاساليب غير المشروعة للقضاء على البشر واستصال المجتمعات والشعوب القديمة.

من غير هذا المعيار، سوف يخلط المرء بين ممارسات بريطانيا الفاشية والمنجز العقلي الأوربي، بين الهمجية الأمركية والحضارة الغربية التي لا تخلو من أخطاء.

(4)

[Die Natur schlaegt zuruck!]

(الطبيعة تنتقم لنفسها!)

حتى في الطبيعة، وضوابطها، ثمة خطوط حمر، حدود المسموح، وغير المسموح. ومن يتجاوز المسموح، يتحمل النتائج. نتائج انتقام الطبيعة.

الميثولوجيا القديمة آمنت بذلك، وعلينا نحن اليوم، أبناء العصر الأمريكي، أن نؤمن بالطبيعة ونحترم ظواهرها. والمنطق التاريخي لن يبقى مشدوها طويلا، أمام ما يجري ويحدث من استهتار وتجاوز على القيم والمبادئ والضوابط والخطوط الطبيعية.

الطبيعة مقدسة، وعلينا احترام قداستها.

كل شخص حر في التزام أو عدم احترام قدسية الطبيعة، ولكنه حر تماما، في احتمال عواقب قراره، وعواقب تجاوزه على الأصول والضوابط.

الطبيعة – في هاته الحال- لا تقتصر على الاشجار والبحيرات ومجاري الانهار، ولا نسب مكونات الغازات الطبيعية وجداول المحيط الحيوي والفلزات واللافلزات، وانما هي الضوابط والقواعد الاخلاقية والانسانية شبه المختزلة رسميا وعولميا اليوم.

اعترف كثيرون أن المنجز العقلي والمدني خلال القرن العشرين، يعادل ما انجز خلال ملايين قبله. وبالمقابل، فإن حجم الخراب والدمار والهمجية التكنولوجية والفساد الاخلاقي السائد منذ استفراد واشنطن بسيادة الارض، سوف ينافس حجم الخراب والوحشية المتراكمة عبر ملايين السنين حتى يومه.

فلم يسبق، ان تلوث الماء والهواء، والأرض والفضاء، والانسان والشجر، والاخلاق والعلوم، والدين والسياسة، كما تحقق ناجزا في العقود الأخيرة، أو نصف القرن الأخير – كما يحلو للبعض تحديده-، والحبل على الغارب، والخراب في تقدم ونمو!.

(5)

الهايد بارك معلم تاريخي طبيعي من عهد الرومان، وهي محمية طبيعية لم تمسسها يد بشر في بعض مناطقها. لكن هذا الهايد بارك موضع قلق بوريس جونسن المحافظ لاستثماره في مشاريع مالية تجارية أو سياحية، أو تأجيره لأي شيخ نفطي يدر لهم بعض الملايين.

سبق أن اجريت انشطة رياضية وفنية كثيرة كانت الخطوط الحمراء تقسم البارك وتتوزع جحافل البوليس وعلامات الممنوع، وتقفل بوجه الزوار الفقراء. لكن أكثر منه، عندما يتم استقطاع أجزاء من أرضها وأشجارها لإقامة أبنية ومعارض تجارية.

الحضارة الامريكية بقيادة نبيها الفنان الفاشل رونالد ريغان أحدثت ديانة جديدة ابتلعت كل الديانات والدول والفلسفات والاخلاقيات السابقة عليها، هي دين المال والدولار.

قبل أن يفتح عينيه طفل الانترنت يحرك شفتيه ويبحث عن الدولار. الاله الجديد الذي بقي مهمشا من قبل، انهارت الدول والاديان والاخلاق والثقافات أمام حضرته؟!.

صار الكل يبيع الكل..

كيف نحافظ على الطبيعة، طبيعتنا والبيئة الطبيعية؟

-                  الامساك بأي قطعة جغرافية في المحلة أو الزقاق أو طرف المدينة واعلانها بيئة طبيعية وصيانة نباتاتها وحشائشها وطيورها وحشراتها من الانقراض، وتوفير مرفق ترويحي للسكان، للاستفادة منها بغير تلويثه أو الاضرار به!.

-                  الامتناع عن أي سلوك أو نشاط يسيء للطبيعة والبيئة الطبيعية، أو يجعلها مجالا للاستثمار او السياحة.

-                  نشر وترويج ثقافة وتعاليم صديقة للبيئة والحياة الطبيعية، الفيزياوية والاخلاقية والاصطناعية.

ان كثيرا من الاجهزة المنزلية والاستخدامات الالكترونية الشائعة لها أضرار مباشرة على البيئة، وعلى التكوين الطبيعي للانسان، ولابد من التيقظ لها وعدم الانجراف للاضرار بالذات والطبيعة.

ليكن شعارنا الضرورة. وكل ما يتجاوز الضرورة يقتضي المراجعة والنظر.

الانسان هو الذي يصنع الحياة، ويصنع الانسجام والتناغم المنسجم مع الطبيعة والنظام الكوني.

ان الانسان اليوم عبد رخيص للتكنولوجيا ومنتجاتها والسياسات المتعلقة بها رغما عن أنفه. ما يدعى ببشر العولمة هم قطيع العولمة وقوافل رقيقها التي استبدلت بهم الولايات المتحدة، قوافل رقيق أفريقيا وكينيا عبر قرون منصرمة.

أراك تقلب شفتيك، ولن يعجبك بعض الكلام، - أو كله-، وهذا هو السلاح الأمريكي الذي احتلت به عقول ونفوس ناشئة الشعوب والمجتعات المطيعة لها، والمخدرة بعناوينها البراقة الما بعد حداثية.

هل تتنازل عن متعة الانترنت، أو رفاهية الموبايل أو الغاء قسط من أقساط تدفعها ثمنا لخيوط الأثير؟..

عبر التاريخ تحول البشر من عبودية الأرض إلى عبودية الدين، ومن تجارة الرقيق الملون إلى عبودية التكنولوجيا والالكترون.

وأطلب من القارئ أن يجيب نفسه أولا: لماذا بسطت واشنطن خدمة النت مقدمة لاحتلالها البلدان؟.. لِمَ كان النت والموبايل والسلع الامريكية الداخلة أولا في العراق، بعد الاسلحة الفتاكة والجرثومية طبعا؟...

ولماذا تنشر النت في بعض بلاد وسط أفريقيا مجانا، وهم لا يجيدون القراءة، ولا أبسط مقومات الحياة الحضرية؟..

هل الانترنت نعمة أم نقمة يا صديقي!..

كيف كان العراقيون يعيشون قبل دخول النت والموبايل؟.. وما الذي تحسن مع دخول النت والموبايل والمخدرات والمافيات متعددة الأغراض؟..

ما هو الأولى في حياتك، النت والموبايل أم تراب بلدك؟..

حتى سنوات قليلة، كان ارتياد القطار ووسائل المواصلات، يضعنا أمام مشاهد القراء وهم يحتضنون الكتاب طيلة الطريق. كان الالمان مشهورين بالقراءة في وسائل المواصلات، وقرب محطة القطار تجد أكثر من مكتبة لخدمة المسافرين.

اليوم ، بالكاد تجد كتابا مرفوعا أو مفتوحا، في القطار، وبالكاد تجد شخصا، لم تحتضن كفاه جهار الايفون وأصابعه تتحرك بغير توقف. انتقلنا من ثقافة الكتاب الى ثقافة الموبايل والايفون. ولكن الايفون ليس للقراءة عادة، وانما للالعاب وسماع الاغاني.

المدارس الاوربية لا تستخدم الكتب في مناهجها، ولكن في أوقات الامتحانات توجد كتب مساعدة للمراجعة أو لنوعية الاسئلة المحتملة. طلبة اليوم ممنوعون من الثقافة والتعلم بغير ما يكفي خدمات الدولة.

جملة، هناك احتقار واستخفاف من قبل جيل اليوم، جيل الالعاب الالكترونية، نحو جيل أبائهم والأكبر منهم. هذا الاستخفاف تجده في قصص الافلام والالعاب والمغامرات المزروعة في اجهزة الالعاب بالعقول. فثقافة الطفل تصدر من الشاشة الصغيرة جدا، وتتحول لديه إلى ثوابت مقدسة.

ولجيل اليوم من الاعتداد والوقاحة لتحدي الآباء والسخرية منهم، واذا اقتضى الامر، الشكوى ضدهم في المدرسة أو البوليس.

يطلب بعض المدرسين تحديد ساعات استخدام الطفل للنت واجهزة الالعاب والسماع. وضرورة تدخل الاهل لمعرفة الصفحات والمواقع التي يدور بينها. ويطلبون بالمقابل، توجيه الاطفال لتخصيص كذا ساعة للدراسة ومراجعة الواجبات يوميا وخلال العطل. الاهل يهزون رؤوسهم، والمدرسة تسخر من نفسها. فالنظام الدراسي التربوي تم نسفه من أساسه مع تبديل المناهج والسياقات. ونسبة التسرب والتراجع العلمي والدراسي، ناهيك عن ارتفاع معدل الازمات والمشاكل والتحرش داخل المدارس، أو من قبل الطلبة في الشارع، مما يشكل شاغلا دائما للشرطة والبلدية.

ان حقوق الاطفال أكبر من حقوق الاهل، وحقوق التسيب أكبر من واجبات الانضباط والخضوع. ان انحدار القيم، هو مفتاح انحدار الانسان، ليس من الشجرة نحو الأرض، أنما انحدار القيم والمبادئ العامة.

العوائل الغربية والمقيمة في الغرب في انحلال وتسيب مستمر، وسعداء هم قليلو الاطفال، أو الملتزمون بعادات وتقاليد بدوية في الغرب.

اللبرالية التي كانت شعارا للثورة الفرنسية، ومفتاح نهضة الشعوب والمجتمع المدني (لبرتي)، صارت عنوانا للتسيب والتحلل والانحطاط الاجتماعي والاخلاقي وممهدا للفساد الاداري والسياسي السائد في البلدان المتحررة.

(5)

(العودة الى القرية..)

في القرن الماضي برزت ظواهر اجتماعية هجينة، لجماعات مضطربة السلوك في نقاط متفاوتة، في المسافة بين القرية والمدينة. يومذاك كان يمكن الحديث عن مدينة الى حد ما شرق المتوسط. وكان حلم الفلاحين والطبقات الدنيا، الالتحاق بحياة المدينة وكرز معيشتها ورفاهها. فبالنسبة لهم كانت المدنية والحضارة مجرد ظواهر وسلع يمكن سرقتها أو اقتناؤها من الخارج.

فالوعي خارج عملية التحول، وملتصق بمخلفاته المقدسة.

ولعبت ظروف متعددة مضطربة على هزيمة المدينة ومجتمعها، لخدمة واقع الغزو الريفي والاجنبي معا. فترييف المدن والعواصم – بغداد مثلا- هو تأكيد لهزيمة العراق المدنية والثقافية، الى جانب الهزيمة العسكرية والسياسية، جراء طوابير، فقدت العلاقة بالأرض، بحثا وراء الدولار.

المجتمع الجديد ليس مجتمعا ريفيا. وليس مدنيا. ليس مثقفا، ولا جاهلا. ولكنه هجين متثاقف وانتهازي بجدارة.

هذه العملية التي تكررت في كل البلدان العربية تقريبا، وبشكل أنتج طبقة أو طبقات جاهزةً للبيع والشراء، وتكون طابورا خامسا لقاء إشباعها المادي وسدّ نقصها المدني والثقافي.

لقد خسرنا القرية الطبيعية، وخسرنا المدينة الحقيقية.

في أوربا كان نظام الحكم، طبقة الساسة، يتكاملون مع الطبقة المثقفة السائدة، وكانت الطبقة العسكرية في خدمة المجتمع. فالطبقات النخبوية مجتمعة تتعاون وتتكامل في مشاريعها وبرامجها، ، وبشكل اسفر عن انضاج ثمار التنمية والحداثة الغربية في العالم. ولكن البنى التحتية، الثقافية والسياسية، والدينية، متناحرة، غير منسجمة، ويعمل كل منها لخدمة ذاته على حساب الوطن والمجتمع.

في المديمة الريفية، التي أسفر عنها سقوط النظام والفساد الاداري انتشرت العشوائيات، وتحولت الحدائق والمنتجعات العامة، وحدائق البيوت الجانبية الى مبان وشقق سكنية دون ضوابط عمرانية وخرائط بلدية للبناء والاسكان.

فالطفل الذي ينشأ في المدينة لا يرى صورة مدينة، وانما ابنية وشوارع مشوهة، تتمازج فيها عربات الخيل مع السيارات الحديثة، وأضوية المرور الى جوار فوضى القيادة والمرور.

فالتشوه الطبيعي، بعد تدمير البيئة الطبيعية، ترسم صورة مضطربة وحالة مشوهة، تنتج اناسا مشوهين في دواخلهم ومضطربين سلوكهم، ولذا يتم التركيز على الثقياب وتقليد المظاهر الغربية، كصلة وحيدة، للهروب من الذات والواقع الى واقع حلمي افتراضي، تتم ممارسته ومعيشته من خلال الصور والمجاملات ومواقع التواصل الاجتماعي.

ان الطبيعة/ البيئة المشوهة مثل حالة شخص مريض، يعتاش على الأدوية، والمعالجة الطبية، ويراد له الاشتراك في سباق الساحة والميدان، الى جانب رياضيين معبرين، اتمّوا برامج تدريبية كافية.

(6)

الطريق الوحيد امام البشرية، هو تجاوز ما بعد الحداثة ومنتجاتها وراعيها، للعودة الى الطبيعة، والحداثة العقلانية.

اليوم أكثر من غيره.. الانسان هو مفتاح وبطل الخلاص والتغيير..

وهو – بخنوعه وجموده- مطية الخراب والانحلال!.

العالم لا يحتاج الى معجزة، يحتاجك أنت.. يحتاج انسانا واعيا عاقلا مسؤولاً جديرا بوجوده.