في رثاء التنوير.. (2- 2)

وديع العبيدي قرأها 1,176

في رثاء التنوير.. (2- 2) 

"ان من اهم وظائف العلم تنوير الانسان ومساعدته على إدراك طبيعة الاشياء والقوى المحيطة به وأسبابها وآثارها".

 سليمان مظهر

لا تنوير بلا مدنية.. ولا مدنية بلا حضارة، ولا حضارة بلا إبداع، ولا إبداع بلا حرية!

هذه اجابة موجزة عن سبب عدم ظهور (تنوير) في تاريخ الشرق، ومنه تاريخ العرب، وفاقد الشيء.. لا يعطيه. والواقع، ان (التنوير) ليس الشيء الوحيد الغائب في حياتنا وتراثنا، وانما كل ثمار التنوير وأسبابه. ولأننا نفتقد الاسباب والتنائج، ونريد أن نوجد عبر الزمن، ولا نندثر، فلابد من الحصول على التنوير، بطريقة الاستيراد او القرصنة، أو معجزة من الغيب!.

وجود العرب على ضفاف المتوسط، جعلهم أقرب لاوربا وتفاعلاتها ومنتجاتها. فلم لم يستفد العرب/ عالم الشرق المتوسطي من هذا الامتياز، ويسخّروه لمنفعتهم؟!. لكن في منظور الواقع الميداني، فإن العرب هم آخر المستفيدين من أوربا، وألدّ أعدائها أيضا. وهنا تكمن المفارقة الوجودية والحضارية!.

ودعنا نتصور- افتراضيا- للحظة أكادمية أو شعرية، لو كان الوفاق الجغرافي وفاقا انسانيا وحضاريا بين شمال المتوسط وشرقه وجنوبه!!.. إذن كيف كان للصورة أن تكون الآن، وكيف كان لصورة العالم والمجتمع البشري أن تكون، بالنتيجة. لكي نفهم فقط، ان إشكالية مجتمع شرق المتوسط هي سبب الاضطراب وعدم الاستقرار العالمي، وأن العالم كله ينزف بسبب اشكالية الشرق وتخلفه.

من هنا نفهم، ان ما يرتع فيه الشرق الأوسط ومجتمعاته وحكوماته السخرة، ليس استيرادا من الخارج، وانما الحاجة الوحيدة مع التخلف التاريخي، (made-in). وليس التباكي والتظلم والتبرير غير امعان في التمادي في الحضيض.

فَهِمَ الصينيون أصولَ الحياة وقواعد الوجود والصراع والمواجهة التاريخية، ومثلهم الروس، ومثلهم الأفارقة والهنود وسكان أميركا الجنوبية. وامتاز العرب – مجتمعات شرق المتوسط- عن الجميع بالانغلاق والعجز عن فهم الآخر ومواجهته والتواصل معه، بغير لغة الخوف والكراهية.

خلال القرن السابع الميلادي لم يكن أهل شبه جزيرة العرب كيانا سياسيا أو ثقافيا، ذي مكانة وأهمية في شرق المتوسط. وعندما بدأ كيانهم السياسي الثقافي بالظهور، قام على أسس وقواعد مشوّهة ومغلوطة، كالتالي:

1-           العداء والبغضاء والعنف تجاه الشرق والغرب [فارس وروما].

2-           المبدأ العبراني البغيض: (كل من ليس معنا فهو ضدّنا).

3-           سيادة العالم والهيمنة والتسلّط وازدراء الامم باعتبار (العرب) الامة الفضلى على الأرض، وعلى بقية الامم الانضمام اليها والخضوع وتقديم الخدمة أو الجزية.

هذا الخطاب السياسي القومي ليس غير نسخة مشوهة من التجربة العبرانية التي فشلت في تحقيق سيادتها العسكرية والتمدّد خارج شريط غرب نهر الاردن الذي ارتسمه لهم القائد المدياني يوشع بن نون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وما زالوا للساعة محشورين فيه، وسط الحماية الدولية.

كانت أمام العرب يومئذ ثلاث أمثلة أكثر نضجا وحنكة لاحتذائها في بنائها القومي السياسي:

1-           المثال الفارسي، وهو الأكثر انسجاما مع واقع التعددية الاثنية للمنطقة، وذلك بتسلسل الزعامة العائلية/ القبلية/ القومية وبناء نظام ملكي يوحد البلاد والعباد تحت سلطته كما هو سائد لليوم في ايران وزعامة العرق الفارسي على مقدرات الحكم والسياسة والدين.

2-           المثال البيزنطي – روماني/ (اغريقي مزدوج)، وهو الأكثر نضجا وتقدما وريادة في العالم يومئذ.

3-           المثال الحبشي الدين/ سياسي والقائم على أساس دولة علمانية ذات هوية دينية مسيحية منفتحة متسامحة، والتي كان نفوذها يمتد حتى شرق البحر الأحمر، شمال صنعاء.

ان عدم أخذ عرب الحجاز بأحد هاته الأمثلة يمنح القارئ فرصة المراجعة والتأويل والتقييم. وثمة، كيف يمكن ايجاد مخرج لاشكاليات الحاضر واختناقاته التدميرية، من دون تقديس الماضي، وقلب قواعد الفهم والرؤية والتحليل، كما يفعل الكتاب الاسلاميون، المحتقنون بعقد القراءة الاوربية المشوهة. وقد سبق الذكر، ان بوادر الأفكار الاسلامية المتطرفة، كانت ردود أفعال سطحية لمراحل الهزيمة العسكرية والسياسية والثقافية أمام الآخر (أوربا)، وفي حالة خدر ديني تحشيشي، للذّة الصعود العسكري السريع للعرب في القرن الأول، دون أخذ بالاعتبار، الطبيعة التكتيكية والاشكالية الداخلية لبيزنطة يومذاك. ولو كان الانتصار العربي/ المسلم عن جدارة لما سقطت الدولة الفتية في براثن الفتنة الداخلية، وتحت أقدام المغول شر سقطة.

فأين كانت القوة العسكرية والدفاعات الستراتيجية والبناء الاجتماعي والفكري لدولة قامت على العسف والاستبداد والمصادرة. وأبرز رموز تلك الدعوة بإيجاز: [ابن التيمية [1263- 1328م] إبّان احتلال المغول للشام، ابو الاعلى المودوي [1903- 1979م] إبّان الاشكاليات السياسية للاحتلال الانجليزي لشبه جزيرة الهند وفرز دول خاصة بالمسلمين عن سواهم، سيد قطب [1906- 1966م] الذي تطرّف دينيا عقب فشله الأدبي خلال العصر الذهبي للثقافة المصرية، منتجا فكرة (الحاكمية الالهية) الطوباوية عبر دمج فكرة أوغسطين [354- 430م] في (مدينة الله) مع فكرة المودوي حول (الجامعة الاسلامية) والتي سبق لجمال الدين الافغاني [1838- 1897م] الدعوة لها والعمل لاجلها.]. فكل هاته التجارب، بنيت على أساس العداء والبغضاء للآخر المختلف. هذا المختلف مصدر غيض المسلم البدوي لتمكُّنه من الحضارة وقواعد التفوّق في كل شيء حسب منظور ابن خلدون [1332- 1406م]، ممثلة في:

1-           العقيدة المسيحية المتّسمة بالقوة الذاتية الروحية وأخلاقية التسامح والتعاون، التي كانت وما زالت مصدر استفزاز المسلم وتذكيره بالهزيمة الروحية والعالمية..

2-           أوليات الثقافة الآرامية/ السريانية السابقة للعربية والاسلام في مجتمعات الشرق الأوسط...

3-           الدولة الرومانية ونفوذها الامبراطوري العالمي وتمثيلها للعمران والحضارة وامتداداتها في البلدان الغربية اليوم.

ان قراءة العوامل والظروف المحلية الذاتية والموضوعية، في شبه جزيرة العرب وتفاعلاتها السياسية والاجتماعية والقبلية ومماحكاتها المحلية والاقليمية، ليست يسيرة ولا متيسّرة اليوم. لكن مصطلح (الجاهلية) الاسلامي وحظر تداول أو اعتبار شيء ما من تاريخ ما قبل الهجرة، يترك أسئلة كبيرة فاغرةً فاها في وجه المستقبل. وهو أمر يعني سكان الجزيرة وتاريخهم الاجتماعي والثقافي ونسبهم العائلي والقبلي المردوم والملغى تحت (حكم الجاهلية) – حاولت الوهابية استحياءه مجددا-، وقد أكدت دراسات الدكتور جواد علي [1907- 1987م] كونه أكثر رقيّا وانفتاحا من البديل الاسلامي، وبدلالة نسخ العقيدة الاسلامية لكثير من مظاهرها وأصولها، وفي مقدمتها اركان الاسلام والتقويم العربي/القمري/ الهجري وكثير سواه.

فمنع الاطلاع على تاريخ الجزيرة السابق، الغاية منه التستّر على اصول العقيدة، وإقناع الناس بكونها ديانة جديدة نازلة من السماء توا!.

وليس هنا مجال دراسة هاته المفصلية الستراتيجية، بقدر ما هي دعوة للقارئ للخوض في الثقوب السوداء والزوايا الملغية في تاريخه وهويته. وفي الطريق لإعادة بناء الشخصية العربية/ شرق أوسطية، الممتلئة والواثقة من ذاتها، بغير مجاهيل وغيبيات وأسئلة محرّمة أو استفزازية.

فكرة الدولة العربية/ الاسلامية، بدأت ونمت وتبلورت بالتدرّج، ولم تكن قرارا سياسيا جاهزا بدأ تطبيقه في لحظة معينة. ان هاته الدولة بدأت فكرتها بعد الهجرة من مكة الى (يثرب)/ دولة المدينة، وتحولت الى واقعة تاريخية بعد موت محمد بن عبدالله ممثلا بصراع (السقيفة) ومفاوضات عمر بن الخطاب مع الأنصار.

فمن الناحية العملية التاريخية، يعتبر عمر بن الخطاب مؤسس ومهندس الدولة العربية، ولولا حضوره لما أوتيت أُكُلَها. والمعروف ان عمر هو من أنشأ بيت المال وأسس الدواوين وعيّن السفارات، وبنى مؤسسة خاصة لقضايا الامن الداخلي وأعمال الشرطة التي تجوب الأسواق وأطراف المدينة ليل نهار.

وكان أول من وزّع الجيوش وفصل بينها وبين قادتها، لكي لا يستقل القائد بجيشه، ويستخدمه لأغراض خاصة مستقلا عن سلطة الحكم، كما فعل عمرو ابن العاص إذ استقل بمصر إمارة خاصة به. فخشي ان يكرر خالد بن الوليد الأمر في العراق، فنقله ليلتحق بجيش الشام تحت إمرة قائد آخر.   

لكن جوهر تلك التجربة السياسية، ورؤيتها المستقبلية للحكم والمجتمع بقيت غائبة. وما يهمُّني في هاته المطالعة، هو الموقف من الآخر/(العلاقات الخارجية، الاقليمية والدولية)، الموقف من الحضارة والعلوم. والمحصلة العامة سلبية، وغير مناسبة (بدوية منغلقة!).

فمع اهتمام عمر بالاداريات، لكن همّه الرئيس كان احتلال العالم، وإخضاع البلدان لسيطرته، فأرسل الجيوش شرقا وغربا، معتمدا لغة الاحتلال والنهب والتدمير وربط الأمصار الجديدة لولاة عرب من حاشيته، وبشكل يمتنع على البلاد المحتلة استعادة أمرها أو الانعتاق من الاحتلال الأجنبي.

ضمن هذا الاستقراء نجد ان عموم الشرق الذي امتد إليه نفوذ العرب المسلمين، ما يزال متخلّفا، بدائيا، منقطعا عن الانتاج والحضارة والحريات الاساسية والعقل، عاجزا عن النهوض والقيام بأمره (دون معونة خارجية). وهذا هو حال الشرق حتى الهند وشمال افريقيا حتى الاطلسي. فما هي اغراءات الفردوس الاسلامي الذي دعى اليه ابن التيمية وعبد الوهاب [1703- 1791م] والمودوي وسيد قطب وصولا للخميني [1902/ 1979- 1989م] في (ولاية الفقيه)؟!.     

الجواب متروك للقارئ والمواطن شرق أوسطي، لكونه المتضرر والمستفيد منها، وبحسب صناديق الاقتراع الأمريكية!.

*

كانت ايران أقدم جهة شرقية اصطدمت بالغرب – ممثلا بالاغريق- منذ القرن الرابع قبل الميلاد. ولكي لا يذهب القارئ بعيدا، كان الاغريق يجاورون حدود بلاد فارس/ ايران. والاغريق هم الذين أطلقوا كلمة [pars] على حكام ايران. والكلمة تعني (الغازي- من الفعل يغزو). ذلك ان  أسيا الصغرى/ شبه جزيرة الاناضول/ مقاطعة غلاطية/ تركيا الحالية كانت اغريقية الأصل والسكان والثقافة والعمران.

وكان معبد أفيجيان/ أفسس أكبر معبد لعبادة الالهة (أرتميس) الاغريقية، والتي ستتحول الى كنيسة (الحكمة المقدسة)/ سانت صوفيا، التي تحولت بلغة الترك الى (أيا صوفيا) وأحد أكبر جوامعها منذ عهد محمد الفاتح [1429- 1481م]. وكان اسلوب الغزو الايراني يومها – كما اليوم- يعتمد طريقة (الكر والفر) البدوية المتعارَفة في تراث عرب الجزيرة. ويعتبر الفرس في أصولهم – بدوا- يعتمدون الغزو والسلب نظاما للمعيشة والاستمرار في الوجود.

فلغة العداء والتوسع التي تسكن العقلية الفارسية قديمة، في أصولها ومعطيات واقعها الجيوبوليتيكي، تتعدى صراعها  مع العثمانيين أو انعكاساته مع نظام صدام حسين، لتجد متنفّسها عقب رحيله وتنصيب ثلّة من عبيدها على مقدرات العراق، وعبره الامتداد نحو سوريا ولبنان، مستغلة طبيعة صراعات النفوذ الانكلو امريكية حول المنطقة.

فالاطماع الايرانية في أراضي جيرانها، هي الدافع الرئيس لظهور شخصية الاسكندر المقدوني في القرن الثالث قبل الميلاد، والذي سوف يتزوج ثلاثة من نساء ملك فارس، ويمتد نفوذه شرقا حتى حدود الصين خلال ثمانية سنوات. لكن موته المبكر، غير البعيد عن غدر المرأة الايرانية، سوف يسمح لبعض الجيوب الايرانية بالتنفس والتمدد مجددا شرق المتوسط – النفوذ الساساني-.

سمح موت الاسكندر ومشروعه الهللنستي العالمي، بتنامي قوة – روما- الامبراطورية، و قوة – القسطنطينية/ استانبول- البيزنطية الامبراطورية بالتعاقب. ويستمر الفرس الساسانيون في مناهضة الرومان والبيزنطيين، بين كرّ وفرّ، حتى استهلكت القوة العسكرية للطرفين. وفي هاته المفصلية التاريخية، كانت قوة ثالثة تراقب ساحة الصراع الامبراطوري، وخريطة شرق المتوسط السياسية.

وهكذا بدأ الهجوم العربي الجنوبي على الطرف الأضعف والمنهك – ايران- في معركة ذيقار (604م)، والتي سيشكل انتصار العرب فيها، مقدمة الصعود العربي(*) ومواجهة الفرس في معارك القادسية، والروم في معارك اليرموك (636م).  

رغم التراكم والانتفاخ في أعداد الكتاب والأحزاب والجمعيات القوموية والنهضوية، وتعدد المحاولات والتجارب التنموية والنهضوية العربية، بغض النظر عن طابعها العسكري أو السياسي غير المتكامل، كان للمراهقة الفكرية والسياسية والدينية، وأثر المناكفات والحساسيات والأطماع الشخصية، دور في تدمير تلك التجارب والمحاولات وشخصيات القادة والمميزين تاريخيا.

ما أعنيه ان النهضة العربية – تجربة الدولة الوطنية- في القرن العشرين، كانت محصورة بين محذورين: خارجي، ممثلا بمراكز القوى الاقليمية والدولية، وداخلي، ممثلا بكل من مراكز النفوذ التقليدية [الاقطاع الديني والتجاري والقبلي/ملاكي الأرض] وممثلي الحداثة الغربية بضمنهم الشيوعيون والمثقفون اليمينيون على حد سواء. فكانت التجربة التنموية يتيمة وسط حقل من الاشواك والالغام. وعندما سقطت تلك التجربة، تبرأ الجميع من مسؤولياتهم، وتباروا في تجريم القادة والانظمة الفدائية.

لماذا لم يتعاون الجميع لانجاح تلك التجربة بدل المعارضة الرخيصة والنقد المجاني: [من لا يعمل لا يخطئ!]، [المعارضة طريقا للسلطة!]، [من ليس معنا فهو ضدنا!].

لقد ارتكب عبد الناصر خطأ تاريخيا بدعوة الأحزاب والحركات الوطنية لحل نفسها والانضمام للعمل الموحد في إطار تنظيم موحد. ولكن: بغير ذلك الاجراء، هل كان ثمة أمل لنجاح التنمية الوطنية، وبرامج الأحزاب وولاءاتها يناطح بعضها الأخر، ويسخر [حالة الوطن] لمشروع طوباوي أو يرهنه لجهة خارجية، سواء كانت موسكو أو واشنطن أو لندن أو طهران أو انقرة أو الرياض؟..

هل ثمة قاسم وطني ومجتمعي مشترك للحركات والتيارات السياسية والفكرية داخل المجتمع العربي؟..

هل الأحزاب والتيارات الموجودة في عراقستان الدمقراطي تجتمع على محور وطني مجتمعي ولو في الحد الأدنى. هل ثمة حزب وطني حقيقي واحد؟.. أم أن الدمقراطية الرأسمالية الشكلية أنتجت أحزابا تجارية ذات مشاريع تخريبية وأهداف نهب وسلب على حساب الدولة والمجتمع، وخلق مافيات مسلحة وسياسية ورأسمالية تقسم المجتمع الى طبقتين، استغلالية متنفذة مدعومة، وأخرى طبقة فقيرة مستضعفة عديمة الحقوق والمكانة.

 مع مبتدأ القرن العشرين، حاولت انجلتره انتاج طبقة برجوازية تتصدر المجتمع، وحين فشلت، استعانت بالطبقة الدينية، وصنعت طبقة عسكرتاريا مدعومة منها، سرعان ما تحولت لعدو لدود، حين رفضت ان تكون أداة لها تتسلط على شعبها. فكان مشروع الشرق الأوسط الجديد للبيت الأبيض، يقوم على تصفية الانظمة العسكرية في المنطقة العربية، وهو ما تم تحت لافتة الربيع العربي منذ أواخر 2010 ابتداء بتونس وليس انتهاء بسوريا، مرورا بكل من [العراق، مصر، ليبيا، اليمن]. وهذا سبب عدم شمول التغيير الانظمة الملكية، وهي الأكثر رجعية وقروسطية دينية، والأبعد في ممارساتها عن مواثيق حقوق الانسان، والأكثر قمعا للحركات والتيارات السياسية والفكرية المناهضة للغرب.      

فكيف التقت المبادئ الغربية في المجتمع والدولة، مع أنظمة بدائية مخالفة لتوجهاتها الثقافية؟.. يقول الجواب، ان العصر الامريكي يقوم على المصالح التجارية وليس مبادئ الحضارة وحقوق الانسان!.

الغريب ان المثقف/ المتعلم العربي يدرك من دراسة تاريخ اوربا الوسيط والمعاصر، ان حكومات وحكام أوربا لم يكونوا ملائكة تماما، ورغم انه يدافع عنهم لدى القدح، يكون أول القادحين بأنظمة وحكام بلاده، وفق مسطرة قياسية مزدوجة، طالما تأثرت بحساسيات ومبررات طائفية اجتماعية.

والسؤال هو كيف يسمح العربي لنفسه أن يذبح بلده على سندان مزاجه الشخصي والقبلي أو التبعية الخارجية؟. وما زال البعض يعتبر الخلاف والاختلاف مع مواطنيه درجة عليهم، ونغرا في نفوسهم.

لا يخطر لأحد أن يأخذ بالاعتبار المخلفات الاجتماعية والنفسية المتوارثة والفاعلة عبر الزمن، في رسم خريطة العلاقات والمواقف الشخصية بين أبناء المجتمع والبلد الواحد. وقد حان الأوان لتقديم دراسات اكادمية اجتمانفسية شاملة وأثرها على التحزب والتطيف والموالات غير الوطنية.

لقد وشى أحد الاعراب بالنعمان بن المنذر [582- 609م] لدى ملك الفرس، نتيجة مقتل والده على يد النعمان. فكانت تلك الوشاية، نهاية للحكم العربي لمملكة المناذرة التاريخية. والسؤال هو هل كان قتل والده – المقدس- بغير سبب واجب؟. وهل كان يجرؤ على النطق أو الشكوى لو كان قاتل والده ملكا مهوبا، كالحجاج مثلا، أو كان احد شيوخ الدين أو كسرى نفسه. بدوي آخر قام باغتيال الشاعر الفيلسوف ابا الطيب المتنبي [915- 965م] بحجة هجائه لأمه. حب الثأر والانتقام وتنفيس عقد النقص الشخصية، تقابل عدم الوعي بالانتماء والتنصل من المسؤولية، وتملق الاجانب لكسب الاعطيات.

هاته النزعات الرخيصة والمريضة، تتحكم في حركة التاريخ السياسي والاجتماعي العربي. وبنفس السياق، لم يصدق البعض، ان تفتح العواصم الغربية بابا لتوزيع المكافآت، لكل من يسعى اليها بشكوى ضد صدام حسين، حتى ضاقت بهم اروقة العواصم الغربية، وانتشرت دكاكين المعارضة العراقية، وتنافست البلدان الاقليمية والعربية لاجتذاب الجواسيس من كل فريق وملة، حتى أثرى الجميع، وافتقر الوطن. فماذا قدمت دكاكين المعارضة للعراق غير الخراب والخيانة. راجعوا اعلام المعارضة ونشرياتهم خلال تسعينيات القرن الماضي، تجدوا أصول الفكر السياسي العربي!.

والسؤال الجوهري هو: كيف تشكو ابن بلدك وأخاك لعدوك وللغريب؟..

أيخشى ابن آدم أهله؟..

ويطلب منخى لدى الغرباء!  

- (العراق ثلاثا) من ديوان (اغنية الغبار) لوديع العبيدي-

هل يشكو الانجليزي أو الالماني أو الروسي أو الامريكي بلده وحكومته لدولة عدوة، تريد الحاق الدمار بلده،؟..

هكذا ذبحت الوطنية العراقية، ونفق الانتماء العراقي، وصار ساسة العراق يفتخرون بالدور الايراني والامريكي والانجليزي أكثر من انتمائهم للعراق، والشعور بالمسؤولية أزاء خمسة ملايين أرملة وضعفهن من اليتامى، ومعدلات قياسية في أعداد البغايا والمفسدين والعهر السياسي. لقد توفرت التسعينيات وما بعدها على قوافل من المعارضة المرتزقة ضد بلدها. فأين هي المعارضة الوطنية اليوم، وقد ذبح العراق وأهله الشرفاء وسيما سكان المحافظات الستة، من الوريد للوريد، مهانين مذلين مهجرين، متهمين وموزعين على الخيام والشوارع والسجون والبلدان، بينما يتبارى الساسة والبرلمانيون والوزراء ومن لفَّ لفهم بالمناصب والمحاصصات وتزوير الصفقات والجاهات المبتذلة.

لا أستطيع أن أكتم هذا الجرح، وأنا اتصدى لاشكالية فكرية عربية أو اقليمية. ان مصر هي أقل بلد في عدد اللاجئين منها في الخارج، رغم أنها الأولى في نسبة المهاجرين والعاملين خارج بلدهم.

العراق هو البلد العربي الأول في نسبة اللاجئين، لسبب ولغيره. والطريف ان اللجوء للخارج لم ينقطع بعد رحيل صدام، بل زاد وتضاعف. سواء من الجنوب (!!)، أو الكرد ولهم دولتهم شبه المستقلة منذ 1991م. وفي لندن وانجلتره تحديدا، يتصدر الشيعة والكرد قطاع الأعمال الحرة وملكية العقارات والتجارة والشركات الاهلية. وغير قليل منهم من تجار الحرب ومرتزقة المليشيات. وما تزال انجلتره ولبنان والامارات هي المستودعات الأمينة لسرقات لصوص العهد الجديد.

(الدكتور ابراهيم) عنوان رواية عراقية للكاتب الراحل ذوالنون أيوب [1908- 1988م]، صدرت في ثلاثينيات القرن العشرين، أي من أوائل الروايات العراقية، تشخص مرضا اجتماعيا مقدسا في المجتمع العراقي، اسمه [قانون الشعليّه]، وبموجب هذا القانون لا يمكن وضع حجر على حجر في العراق.

وماذا بعد؟.. هل تغير الوضع؟.. نعم.. زاد سوءا وتخلفا!.  

*

هل يمكن الحديث عن تنوير عربي، مصري، عراقي، شامي، سعودي؟..

وما هي رسالة هذا التنوير العربي إذا كان ثمة له وجود؟..

كيف تتبنى مشروعا تنويريا رساليا، ولم تنجح في بناء مجتمع مدينة صغيرة، ولا انتاج أبسط مستلزمات حضارة، وما زالت البداوة والصراعات والحساسيات البلدانية والقبلية والطائفية، والجدل لأجل الجدل تبلط حياتنا ووجودنا اليومي!.

ابرز موجات التنويريين خلال القرن الماضي بايجاز..

- الانتلجنسيا العثمانية، وهي الموجة التي استفادت من اصلاحات السلطان احمد الثالث [1673/ 1703- 1730م].

- النهضويون العرب ورواد التنوير- بين اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهي حقبة ظهور الافكار التقدمية والتأسيسية.

- القومويون العرب، بدأ بالمتأثرين بحركة الاتحاد والترقي حتى أتباع الثقافة البريطانية والجامعة الاميركية.

- جيل الريادة الاكادمية والادبية عقب الحرب العالمية الثانية، مع عودة الدفعات الاولى للخريجين وطلبة البعثات لخدمة بلدانهم.

وفي كل هاته الحالات، يعترف الشرق المسلم/ العربي بفقره وجوعه الحضاري والثقافي، ويعتمد طريقة الاستيراد/ الاستعارة/ التقليد لاستيفاء حاجته للحد الادنى من مضاهاة العالم المتقدم/ (الغرب).

كيف كانت الحال، قبل ألف عام، أي في صدر الدولة العباسية؟..

مع ظهور دولة بني العباس في بغداد، خمد أوار الصراع العسكري والعرقي المحتدم بين الفرس وبيزنطه، وابتدأت مرحلة مميزة من علاقات دبلوماسية وثقافية متبادلة بين أباطرة بيزنطة وملوك وولاة العرب، ليس في الاقاليم الحدودية المتحاذية، فحسب، وانما مع حكام بغداد أنفسهم، وانعقدت صلات (شخصية) بين هارون الرشيد وولده مع اباطرة القسطنطينية، - أعتقد ان هذا الفصل اختزله المؤرخون العرب المعاصرون رغم وضوحه وأهميته في المدونات الغربية: البيزنطية والرومانية تحديدا!-.

لقد استقدم اباطرة بيزنطة معلمين وعلماء عربا لتعليم اللغة العربية وثقافتها في جامعات بيزنطة، وبالمقابل، اوفد معلمون وعلماء بيزنطيين الى بغداد، للتبادل الثقافي والتلاقح الحضاري بين العاصمتين.

فبغداد الحضارة العباسية لم تبزغ من – فراغ- وانما من جهود التعاون والتبادل المبكرة بين الشرق والغرب. وتحدث المدونات الغربية، ان امبراطور بيزنطة زار بغداد ودامت زيارته ستة أشهر، اطلع فيها على مختلف مضامير الحياة والحكم ومجالات العلوم والفنون والمظاهر الاجتماعية؛ وبديهي، اصطحب الامبراطور فريقا من الساسة والعلماء والفلاسفة يرافقونه ويسجلون ويدرسون الحضارة البغدادية.

وبالمقابل، توجهت الدعوة لخليفة بغداد لرد الزيارة ولمدة نصف العام، رفقة ساسته وعلمائه وأدبائه. وكان الملك الضيف ينزل في احد قصور الحكم مع حاشيته، متبعا برنامجا دقيقا للاطلاع على حضارة الاخر وعمرانه المدني والاجتماعي.

وفي إزاء مظاهر العمران والفخامة والاكسسوارات الذهبية التي تزين قصور بيزنطة وكنائسها العظيمة، اعجب بعض اباطرتهم بالبساطة في العمران وطراز الحياة للرشيد وعلاقته برعيته، كما يرد في المدونات.

ان هاته الفقرة مهمة لفهم كيفية وصول كتب الاغارقة لايدي العرب، ليس عن طريق الغزو، ولا القرصنة، وانما الهدايا المتبادلة بين الطرفين، والعلماء والطلبة الموفدين من كل طرف للاخر.

فكما ترجم العرب علوم الغرب وفلسفته، ترجم الاغارقة البيزنطيون، ما توفر من تراث العرب والهند ومكتبات الشرق للغة الاغريقية. والواضح المهم من ذلك، مقدار ثقة كل طرف بنفسه وبالاخر، بعيدا عن مشاعر الخوف والبغضاء والتشكيك بنوايا الآخر واحتقاره أو- تكفيره-. ان نصف عام في بلد مختلف، ليس امرا سهل التصور، ولذلك أوتيت بغداد العباسيين في الصدر الاول ثمارها النافعة والمبهرة.

وبغياب تلك المعلومة المختزلة من كتب التاريخ، اساء النظام والمجتمع العربي والمسلم، فهم الطرف الاخر من الحضارة والمدنية والعمران العصري، وعلى حساب خسارتنا الذاتية حتى اليوم.

من هذا المنظور، وبالعلاقة!، فشل مشروع الهجرة العربي والثقافي في الاستفادة من حضارة الاخر، ونقل تجربته الثقافية والعمرانية لبلداننا. ويأتي المدُّ الاسلامي السياسي المتأخر، واصطناع (الدين) ومظاهره البدوية المتخلفة، هوية ثقافية اجتماعية للتمايز على حساب الاخر، امعانا في تدمير تجربة التبادل والتلاقح والتحضر المدني.

ان الغرب، الغني صاحب الوفرة والتراكم العقلي، ليس بحاجة لنا، وانما الشرق المتخلف والجائع والمجدب حضاريا، بحاجة للتعلم والاغتناء والتحرر من عقده البدوية الجامدة.

وكما كانت السلفية البدوية وراء انكسار الزمالة المدنية الحضارية بين بغداد والقسطنطينية، كانت الانكشارية الاسلامية وراء احباط التجربة الحضارية الانفتاحية للسلطان احمد الثالث، وهاته للمرة الثالثة، كانت وراء تدمير التنمية الوطنية والحضارة العمرانية للدولة العربية في القرن العشرين، في صورة ما يعرف اليوم بالاسلام السياسي، بشقيه البدوي العربي من الجنوب، والبويهي الصفوي من الشرق. ولا غرابة ان يتأرجح الشرق الأوسط، ومجتمع المهجر، بين هاتين الفرقتين.

ما أود التنويه اليه، هو طريقة فهم القول. فالخلاف بين الحضارة والبداوة، والعناصر القومية والعنصرية الدينية، من محركات التاريخ البشري. لكن المعيارية خلال ذلك، ونقطة الفيصل هي بيد الفرد/ المجتمع. والمسؤولية، كل المسؤولية، ليس في الفكرة أو التيار الديني، وانما في الغوغاء والقطيع المستلَب والعبيد، من متعصبين وموالين لهذا الطرف أو ذاك، على حساب المصلحة العامة والوطنية والحضارة.

ومن أجل هؤلاء الغوغاء العجزة/– فاقدي الرأي والارادة- جاءت الدمقراطية الغربية التجارية، لحفر قبور العرب بأيديهم!.

فالانحطاط الراهن في الشرق الأوسط هو مسؤولية المواطنين العرب أولا، ومسؤولية الطابور الخامس الديني اللاهث وراء الوهابية والشيعة الصفوية وبغطاء أنكلواميركي.

*

التربية المشوهة.. أو (الخيانة الوطنية)..   

في علم الجيولوجيا تتراكم طبقات الأرض مع الزمن، واحدة فوق الاخرى، وفي دراسة عمر النبات، يتم حساب حلقات النمو المتسلسلة فوق جدر النبات. طبقات التراب وحلقات الجذع تنمو منسجمة متناغمة الواحدة مع الاخرى. وكذلك – يفترض- ان تنمو المجتمعات عبر الزمن، والمقصود – طبعا- مجتمعات الغرب المنسجمة ثقافيا واجتماعيا.

اما مجتمعات الشرق الأوسط فهي أكثر شبها بطبقات الصراصر المتراكبة ظهور بعضها، حيث القوي والسوقي يمتطي الضعيف والملتزم اخلاقيا. كل واحد من مجتمعاتنا هي مجتمعات إثنية/ غزوية متعاقبة بامتياز. ولا تفوت دورة زمنية قبل ظهور غزو جديد يسحق سابقه، وهو غزو عسكري وحشي اقتصادي استيطاني عرقي عنصري. وهكذا تتبدل اللغة والثقافة والمعتقد والأهواء مع كل دولة حاكم.

وشكرا للاستبداد السياسي والعنف الامني الذي يقمع الأورام التاريخية من الظهور فوق الجلد وتلويث الهواء والبيئة. وعندما تضعف قبضة الحكم، أو تتردى امور الحكم، كما حصل مع النظام العراقي السابق أواخر القرن العشرين، ظهرت الأورام والآفات وطبقات الصراصر وهي تتنازع السلطة والارض والخطاب الثقافي. لذلك قلت..

حائط الصمت..

انهار على روحي..

وفقست تحته سحالي صفراء..

سحالي خضراء، برتقالية وملونة!..

من قصيدة: رسالة لم تصل الى جلجامش!-

وهاته السحالي تحاول ابتلاع بعضها والانتفاخ على حساب الكل، لفرض خطابها الايديولوجي ومصادرة الوطن وأهله خلال ذلك. فالخطاب الشيعي المغازل لايران هو لغة الاعلام ومعيار نشريات وزارة الثقافة وهيئة الاعلام الداخلي والثقافة التي يتم تسويقها باسم العراق وتهميش وإلغاء سواها.

الثقافة الخلدونية التي تصدرت مناهج التعليم في العهد الملكي تجاوزت الانتلجنسيا التركية العثمانية السابقة والرائدة في العراق – مثلا-. ومع وصول العهد الجمهوري تم اختزال الاجيال الملكية من الاكاديميا ومهندسي الثقافة والفكر والعمران المدني، لبدء جيل اكاديمي تالي يراوح بين الخطاب القومي العروبي والماركسي الشيوعي المؤدلجين.

في عام 1978م بدأت سياسة التبعيث: [بعثثة المجتمع والدولة والاعلام والتعليم]، واضطر جيل ثقافي اكاديمي للهروب من بلدهم، بينما اودع غيرهم السجن.  فكل مرحلة من تلك المراحل تصادر نشريات ما قبلها وتمنعه من التداول. وهو ما حصل مع حكم الاحتلال وتصدر الايديولوجيا الدينية الصفوية، وتصفية ثقافة النظام السابق ورموز العراق في كافة المجالات ومن بينها مؤسسات الجامعة والاعلام والمجتمع، لصالح ثقافة شيعية النسب، ايرانية الهوى صفوية الانتماء، والغاء ما عداها.

وفي وقت متأخر، بعد عام 2007 بدأ الشعور بالفراغ الثقافي والحضاري العراقي، و(ما العراق الا ثقافة على مدى الزمن!). بدأت مؤسسات الحكم الرسمية والدينية في اصطناع مؤسسات وأقنية وأنشطة لانتاج جيل ثقافي موالٍ للحكم والخطاب الزهراوي الصفوي، وما زال التهالك في هذا الاتجاه، رغم خيبة الجهد وعجز الوسيلة.

ان ما يزيد عن ثلثي الانتلجنسيا العراقية المتقدمة والرائدة تقيم خارج الوطن، محرومة من حق العودة والمواطنة، خارج شروط الايديولوجيا والتزكية الايرانية. علما أن اكبر نسبة من عدد الاغتيالات والتصفيات الجسدية في صفوف الاكادميين والادباء والصحفين، تمت خلال العقد الأول من الاحتلال، وما زالت المؤسسات والنقابات المهنية تخشى من نشر قوائم شهدائها وضحاياها في وسائل الاعلام، خشية ارهاب الحكم ومليشياته الصغوية الانكشارية.

كل عصابة حكم تريد تبييض وجهها بثلة من الادباء والكتاب والصحفيين، يدبجون القصائد والمقالات التلفيقية عن العصر الذهبي والفرع التجاري من جنة عدن.

وهاته اللعبة الرخيصة بعيدة كل البعد عن تنمية الانسان، وخطاب التنوير وتحرير العقل والارادة الوطنية الانسانية.

سيقول قائل، ان دور الدولة والثقافة الرسمية، محدود في عصر الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. ولا أتهم هذا القائل بالتحشيش، ولكني أتساءل عن نسبة مستخدمي النت والقادرين على ادارة حسابات خاصة على النت، ناهيك عن انعدام حرية الرأي والارادة والرقابة المشددة لليمين الديني على المستخدمين.

السؤال الاحصائي هنا، يتمثل بحجم الجمهور الديني السلفي والصفوي في بلد كالعراق. ويمكن للباحث الراصد مراقبة مد التشيع في تسمية الاشخاص والولادات ليس في النجف وكربلاء، وانما في الانبار والموصل ودهوك، لاكتشاف حجم الارهاب الفكري والقومي للمد الايراني الديني [التفريس والتشيع] في عموم العراق. بعدها نتكلم عن الثقافة والتنوير ودور المثقف السلبي والتنوير المعاكس.

*

الدين والتنوير..

قفز العرب من قلب الصحراء وجدب البداوة، في وسط المدنية وتسلطوا على الحضارة في رمشة عين. اعني ما حصل في القرنين السابع والعشرين الميلاديين. ان الحصول السهل على شيء ما معقد، له من الاضرار ما يفوق المنفعة؛ وفي مقدمة تلك الاضرار الخلقية والعقلية منها. ومن الواضح ان العقلية العربية/ الشرق- أوسطية تعاني من عجز بنيوي عن استيعاب المدنية، أي عن فهمها فهما لائقا.

تعرفُ المرضَ العربي من كلمة واحدة، عدم الاعتراف أو الاقرار بالعجز أو الغباء أو التخلف. إذن من أين جاء التخلف؟.. هنا يبدأ التبرير، وكيل الاتهامات للآخر!. من هنا أيضا يحتاج العرب المسيحية، لكي يتعلموا أهمية (الاعتراف) شريطة لابتدار القداس، وتنقية (الضمير) والغفران والتسامح داخل الجماعة، للتقدم للامام.

العربي يفهم كل حديث من قبل الاخر، نوعا من الجدل، والمبارزة الكلامية التي يمكن ان تتشعب خارج الموضوع. كل لقاء مع (مختلف) يفهمه المسلم من باب الاتهام ويقابله بالاتهام والاتهام المقابل. ليس الشخص العادي، بل ثمة جيش من الكتاب العرب والمسلمين، يتناولون قضايا الكون والمجتمع، من باب تبرير الذات، واتهام الآخر أو لومه وقلب التهمة/ الصاع صاعين نحوه!.

وهذا ما أدعوه التحشيش الاسلامي، وهو يقابل، - اسميا- باب الدفاعيات، في الليتورجيا المسيحية، مع اختلاف المنطق والخطاب. هذا النوع من الكتب والكتابات، برعت دور النشر العربية في نشره وترويجه منذ سبعينيات القرن المنصرم، وبتزايد حتى يومنا هذا.

دور النشر، هي أداة التنوير الاساسية التقليدية عبر الزمن، وهذا يفضح التنوير العربي المعاكس. التنوير المعاكس هو التجحيش والتبليد بدل التحرير والتنوير العقلي.

فعندما كانت بيروت تتقلب في مستنقعات الدم وصراعات الاخوة والطوائف كما دعيت لاحقا، كان تجار الحرب والدين يمارسون لعبتهم المفضلة، ويختارون أقصر الطرق لاحتلال جنتهم الأرضية. الاستيلاء على دور النشر اللبنانية واقتسامها بين اليسار واليمين الاسلامي.  بعض تلك الدور احتفظ بالاسم القديم لمراوغة القارئ، بينما انحرف اتجاه النشر والخطاب الايديولوجي، وبعضها اتخذ مسميات وعناوين جديدة، - كنت اتمنى من الأصالة اللبنانية- نشر قائمة ترصد تلك الحالة وتشرح متغيرات سوق وصناعة الكتاب اللبناني، لأن لبنان كان عقل العرب، بل عقل الشرق الأوسط منذ وضع الابجدية الفينقية.

في بداية التسعينيات العراقية، وانفتاح أشداق الحصار الوحشي، ازدهر ربيع هجرة العراقيين، وبيعت كثير من المطابع واغلقت دور النشر الاهلية، وتجار الحرب والدين الانتهازيون، ايضا في الواجهة. وتوجد اليوم كثير من الكتب بدون ناشر أو مطبعة أو سنة نشر ورقم ايداع، وبعضها يتخذ بيانات مزورة ملفقة، لا تتكرر ليحل محلها عنوان ورقم وهمي جديد. وهل ثمة وزارة ثقافة أو مؤسسة نشر واتحاد ناشرين يضبط السوق، ويعرف ما يجري بين ساقيه!.  وهل يجرؤ؟..

هاته بعض جوانب وزوايا وخفايا غياب التنوير العربي والوطني والانساني.

سوف يتساءل القارئ عن سبب تركيز الموضوع على العرب، منذ ظهورهم السياسي، وما علاقة ذلك بالتنوير المتصل بالحضارة الاوربية في القرن الثامن عشر الميلادي؟

من تعاليم يسوع المسيح، ان من يشعل المصباح، لا يضعه تحت المنضدة، وانما يرفعه في مكان عالٍ ليضئ نوره العالم!. وهذا هو جوهر ورسالة التنوير الاوربي الذي انتشر نوره في العالم خلال القرنين الاخيرين، وأفاد منه كثير من الشعوب التي ودعت ماضيها البدائي. ولكن المكان الوحيد الذي فشل فيه التنوير، وتعرقل دوره، هو العالم العربي/ جنوب وشرق المتوسط. والسبب وراءه..

-                   نظرة الكراهية والعداء التي ينظر بها العرب والمسلمون للغرب ومنتجاته الثقافية!..

-                   الترسبات التاريخية الجامدة في قاع اللاوعي العربي والمسلم، الذي ربط البداوة بالقداسة، ورفع تقاليدها الوحشية لمرتبة تعاليم سماوية مفروضة بلغة الاستبداد والغاء الاخر.  

واستمرار وانتشار العقلية البدوية وديمومة الاسلام لا تدين للقيمة الانسانية والروحية لهما، وانما للغة العنف والخوف/ الارهاب والارعاب، الاكثر تماديا منذ القرن الواحد والعشرين، بمرموزية السكين والسيف والدشداشة واللحية.

ان منظومة الارهاب البدوي الاسلامي نفي للحرية، ونفي لأصول وقواعد الحياة الطبيعية والبيئة الصحية لنمو الكائنات الحية. وغياب الحرية والارادة الشخصية عبر عشرات القرون، جعل من غيابها أمرا عاديا، بل قانونا طبيعيا، بما فيه عند من ينسبون أنفسهم للثقافة والانتلجنسيا الذين اختلطت دماؤهم وجيناتهم بمركبات هجينة وسامة، يعجزون عن الفكاك عنها.

وإذا تيسر لهم – بطريقة ما- كانت السكين والقصاص في انتظارهم. وفي تاريخ الاستبداد والاغتيال الثقافي والسياسي الاسلامي، مزيد لمن يريد التحقق من جدران السجن الخانق المتداخل في خلايا المخ والمخيخ العربي، وليس محيطه الاجتماعي فحسب. فالمشكلة الحقيقية دائما في الرأس!.

لقد زرع الفكر الاسلامي، وما يزال- عائقا عقليا ونفسيا، في داخل الشخصية العربية عن مراودة ومداولة الحضارة والعصرنة. وهو ما يجعلني اشكك في مفهومية الثقافة والعلمانية واللبرالية عند العرب، من غير موقف فكري ومنتوج حقيقي على أرض الواقع.

العصر الذهبي العباسي، وما يسمى – زورا وافتراء- بالحضارة العربية الاسلامية، شهدت وأسست لممارسات محاكمات الضمير والعقل ومحاكم التفيش والاغتيالات والارهاب الفكري، التي لم يصدر عنها لليوم غير كتاب أو كتابين، بعنوان واضح.

وكما كان القرن العشرون عصر النهضة العصرية، شهد من الارهاب الفكري والتصفيات الجسدية والفكرية والاعتقالات ما يندى لها الضمير، دون موقف أو اعلان صريح عن تلك الشوفينية/ الفاشية الدينية بشكل واضح/ جريء ومحترم.

ومن المؤسف/ او المخزي، ان تنتهي تجربة الدولة الوطنية المدنية، ممثلا بتجربة عبد الناصر [1918/ 1956- 1970م] الى القصاص من اللبراليين والشيوعيين ومغازلة الاسلامويين. وهي اشارة ينبغي درجها في قائمة أسباب فشل التنمية النهضوية العربية.

لقد كان بإمكان عبد الناصر، لو تحلى بالحكمة والجرأة التي لكمال أتاتورك [1881- 1938م] والحبيب بورقيبه [1903/ 1957- 1987/ 2000م]، ان ينقل العالم العربي والاسلامي – مرة وإلى الابد- الى الضفة الاخرى من الحضارة والتقدم المتصل.

لماذا لم تظهر شخصية عربية مستقلة فكريا ومتحررة من العبودية والغيبيات؟. ولم لم يتبوأ القيادة مثل هذا الشخص.. وكان جميع قادة العرب – باستثناء بورقيبه- من الوسطيين ومن الطبقة المتوسطة التي كان للاستعمار والتنوير الغربي دور في انتاجها ودعمها.

في هاته النقطة الضيقة، نجد تفاهة الفارق بين القيادة الملكية والقيادة الجمهورية، برغم شسع الضجيج الاعلامي وتخوين السالف. عقب موت عبد الناصر والمد الديني الرجعي قال بعضهم ان عبد الناصر كان – خونجيا- ومتعاونا مع قيادة التنظيم، وكان المأمول منه قيادة انقلاب – خونجي- (هكذا وبكل سذاجة!)، وابتعد جمال البنا [1920- 2013م] أكثر إذ رصف أكثر جماعة قيادة الثورة ضمن قوائم الاخوان والمتعاقدين معهم سياسيا ان لم يكن فكريا.

ان مصادرة التاريخ والقرصنة وتزويره والافتراء على الماضي ليس غريبا في تاريخ العرب السياسي والثقافي والاجتماعي، بل هو المأثور والمستأثر، حتى غياب الحقيقة والمنطق والمصداقية.

قام عبد الناصر بضرب الحركة الشيوعية ممالأة للسياسة الامبريالية ابان الحرب الباردة، وعندما عجز عن مسايرتها مال لممالأة المعسكر الاشستراكي ومجموعة دول عدم الانحياز ومغازلة التيار الديني الاقليمي، بكل ما يكتنف سياساته وعهده من تناقضات وتذبذب وانتهازية لا تليق بصوره الاعلامية كبطل قومي بلغ درجة من (تقديس الشعب)، كما في مضاعفات نكسة حزيران 1967م.

ان تقلبات عبد الناصر، جعلت منه أسوأ تجربة تحتذى في المشرق العربي، فقاد للفشل التاريخي عموم التجربة القومية والنهضوية للعرب، في العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن، الجماعة التي قلدته الحافر على الحافر، وانتهت بمصيره. فيما نجت تجربة الجزائر التي استقلت عن مصر واتخذت طريقها الخاص كما هو لليوم.

فالتقليد والاخلاص للزعامة (ظالما ومظلوما) صفة عربية عريقة، وسمة من سمات الحالة العبودية في توصيفها التاريخي والعلمي. فالزعيم معصوم ومقدس، ويتنزه عن النقد واللوم والعيوب. وهو ما يذكر بالموقف من شخصيات قادة المسلمين والزعامات الاسلامية القديمة والمعاصرة، وبشكل يجعلها أكثر قداسة وتنزيها من رب العالمين نفسه!.

من يقدس الماضي، لا أمل فيه لادراك المستقبل، ونقل خطى شعبه للامام!.

وظيفة التنوير، هي تعليم الانسان النظر للامام والتقدم، وعدم الالتفات للماضي مهما كانت قداسته وأمجاده.

ان الاضرار الحقيقية لسياسات عبد الناصر وزملائه العسكر في البلدان الاخرى، لم تدرس بمعزل عن المدح أو القدح في شخصياتهم، من قبل مناوئيهم السياسيين، وحتى الاطاريح الجامعية والمؤلفات الموضوعة من قبل أكادميين، ظهرت في ظل انظمة مناوئة، ولا تخرج – ثمة- عن مجال النفاق السياسي والاجتماعي، وما يدعى بالأدب السلطاني و(وعاظ السلاطين)، وهو الصفة العامة للتأليف العربي والاسلامي مدى الزمن. وما أكثر العلمانيين والاكادميين العرب اليوم ممن يمتدحون المد الاسلامي بجناحيه، بعدما كانوا يمتدحون الغرب ومظاهرالحداثة.

من مظاهر انحراف التجربة النهضوية الجمهورية، ظهور موجة قراءات التراث والمراجعات اللبرالية والشيوعية للارث الاسلامي. فإلى جانب كتابات المصريين عن صدر الاسلام وشخصياته والأمجاد القومية، ظهرت القراءات الماركسية للاسلام، للدكتور حسين مروه [1919- 1987م] وعزيز السيد جاسم [؟] وهادي العلوي [1933- 1998م]، فأين يمكن تصنيف هؤلاء: قوميين/ ماركسيين/ لبراليين/ اسلامويين، أم مجرد كوكتيل غير منسجم مع نفسه، كما هو حال الثقافة العربية والنظام العربي.

بالتأكيد.. أنا أكتب هنا وأعبر عن رأيي وتجربتي الذاتية كقارئ نقدي مذ ما ينيف على أربعة عقود، وأعترف انني قرأت لهؤلاء، واعجبت – في وقت ما- ببعض تلك الكتابات، ولكني عندما أقرأ روسو وسارتر وكامو وكولن ولسن وتولستوي وبلزاك وديستويفسكي وسواهم من الغربيين، فأنني لا افصل بين الشخصية والكتاب، بين الفكر والموقف. فالقراءة ليست -التقاط- أفكار وصور، والعمل على تضمينها ثانية في كتابات مقلدة، على غرار التأليف العربي، وانما القراءة – عندي- هي علاقة تعارف شخصية وتبادل أراء وافكار، وبشكل نافع وتنويري.

لقد تعرفت الى رجال دين عرب بحسب المهنة والصورة الاجتماعية، ولكنهم من الناحية الفكرية والحوار الثقافي، أكثر لبرالية من سواهم، وعندما أخلو الى نفسي، لا استطيع تقعيد الصورة مع الاطار. رأيت أيضا من يدعون أنفسهم كتابا ومؤلفين وأكادميين في مظهرهم العام، وفي داخلهم أكثر رجعية وغيبية ويمينية من أي مخلوق جامد؛ وهاته الأكثر ازدهارا اليوم.

التنوير فلسفة، والفلسفة منهج حياة وفكر. الحداثة مذهب وتكوين ونمو طبيعي متناسق فكرا وسلوكا. الانجيل يقول: اسلكوا في الروح وانموا في الكلمة!، والاسلام يقول: لكم في الرسول اسوة حسنة!. وماذا يقول الكاتب والمؤلف؟..

وما الفرق بين الكاتب والفلاح، والمثقف والراعي، حين يكون الكتاب والفكرة مجرد (بضاعة/ مهنة) يرتزق بها الشخص، على غرار الصيد لدى البدائيين، والنهب عند البدو. فكل ما يشغل الانسان العربي هو المعيشة والقبول الاجتماعي وإذا استزاد سعى للجاه منافقا لتيار النفوذ، فأين هي الاضافة الحضارية والإبداع العقلي؟.

غير قليل من القراء يصف كثيرا من الكتاب بالانتهازية وتملق السلطات، وهؤلاء مؤلفاتهم تملأ المكتبات، ويتبارى الناس لشرائها، بضمنهم اولئك الذين يقدحونهم في المجالس الخاصة، فهل الدافع هو (حسد عيشة)، أو (نقص جاه)؟.. من هذا المنظور كان الالتفاف والمراوغة وتغيير دهان المقدمات عاديا بحسب هوى السلطة، وتيارات النفوذ.

وفق هذا المنظور انتقل العرب من خانة اليهودية الى خانة المسيحية، ومن خانة الاثنتين إلى خانة الاسلام مع الزمن. استتركوا ايام العثمانيين، وتظاهروا بالحداثة في الثياب وصرعات الفكر ايام النهضة الحداثية، ثم عادوا الى سلامة المعيشة وهوان الفكر مع أسنة الارهاب، بين بداوة وتفريس. وهكذا يدور العربي على نفسه داخل حجرة السجن، مبتهجا بالطعام والثياب والالقاب المزيفة، بما يجعل من الواقع العربي ميدان سيرك أكثر منه بيئة مدنية طبيعية.

انفصام الفكر عن الحياة، هو سمة الشخصية والواقع العربي، وتلك هي الضربة القاضية التي سددها الفكر الاسلامي مرة وإلى الابد. وما يزال الخوف ونفاق المعيشة هو الهم والشاغل الأول.

ان على كل من يتهم نفسه بالثقافة والكتابة، ان يتحسس رأسه من قدميه، ويكون سائلا مسؤولا، راهنيا تاريخيا في نفس اللحظة، بغير انفصام في الذات أو الشخصية أو الجغرافيا والزمن. ومن عجز عن الامر، فالاسهل والاسلم له تعلم الحدادة والنجارة وزراعة الارض، وربما التجارة بعلف الدين، على تهمة الثقافة والتأليف والفلسفة.

ولو كان لهاته الادوات أهل في الشرق الأوسط، لما بقيت الحياة تراوح وتدور على نفسها ضمن دائرة الغيبيات والتقاط المعيشة. ولم يريد البعض ارتداء ثياب مسروقة، لا تليق بهم وبواقعهم!. والخطوة الاولى في هذا الاتجاه، هي الكف عن اعتبار الكتاب والمنتج الحداثي اكسسوارا نزين به بيوتنا ومكتباتنا، أو مظهرنا الخارجي، بينما داخلنا- مستنقع آسن- وصورة مشوهة (ناشز).

*

التنوير حركة علمانية..

ان رسالة التنوير تتمثل في "تحرير الناس من الخوف، الناجم عن الدين والآلهة والموت"- (أبيقور [341- 279 ق. م.]). وهذا يعني الحرية الكاملة في أبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية. فالحرية ليست أساس الحياة فحسب، وانما الأساس الصحيح لكل نشاط انساني صحيح. والعكس بالعكس. ومن هنا واقع المأساة في قراءة الحياة العربية، واغترابها عن نفسها وعن الحقيقة الوجودية.

"لم يَتوصَّل البشر كما تَوصَّلوا اليوم إلى إدراك معنى الحريَّة بكلِّ أبعادها، ولكن في الوقت نفسه تظهر أشكال جديدة من الإستعباد الإجتماعي والنفسي. فالأفراد والجماعات ظامئون لحياة حرَّة، وطريق الحريَّة وطريق الإستعباد مفتوحان أمامه، وكذلك طريق التقدُّم أو التقهقر، وطريق الأخوَّة والبغض.

غير أنَّ الإنسان يَتَّجه نحو الخير بملء حريَّته، هذه الحريَّة التي يعتبرها معاصرونا إعتباراً عظيماً ويبحثون عنها بكلِّ حماس، وهم في ذلك على حقٍّ، ولكن غالباً ما يُعزِّزونها بطريقة منحرفة. إذ يعرِّفونها على أنَّها إجازة لصنع كلِّ شيء يجلب السرور حتى وإن كان شراً. إنَّ وعي الناس في عصرنا لكرامة الشخص البشري يتزايد يوماً بعد يوم، كما أنَّه يتزايد عدد أولئك الذين يطلبون بإلحاح حتى يَتمكَّن الناس من أن يَتصرَّفوا وفقاً لآرائهم الخاصَّة مُتحمَّلين مسؤوليتهم ومُتمتّعين بكامل حريَّتهم، لا يواجههم ضغط، بل شعورهم بالواجب. يقول القديس بولس: ''إنَّكم أيُّها الأخوة، قد دُعيتم إلى الحريَّة'' (غلاطية 13/5)، هذه الدعوة هي رُكن أساسيّ من أركان إنجيل الخلاص. لقد جاء يسوع ''ليُبلِّغَ المأسورين بإطلاق سبيلهم ويفرج عن المظلومين'' (لوقا18/4). والكنيسة إذ تضطلع بدورها في فهم الأمور على ضوء الإنجيل الذي هو بطبيعته رسالة حريَّة وَتحرُّر، تتبنَّى هذه التَطلُّعات التي تنكشف على ضوء معاني الخلق والفداء. ''الحقيقة تُحرِّركم'' (يوحنا 32/8)، تتمحور هذه الحقيقة المُنزَلة من الله حول المسيح مُخلِّص العالم الذي منه - وهو ''الطريق والحقّ والحياة'' (يوحنا 6/14)".- (الأب سالم ساكا)*.

الحرية هي جوهر الفلسفة المسيحية للأخذ بيد الانسان من معاقل العبودية البدوية/ الاقطاعية/ الدينية، كما تمثلت في أقوال السيد المسيح ووصايا تلاميذه، والتي تجعل الحرية نقيضا للعبمودية، وترى العبودية لابليس/ الخطيئة/ الانحراف/ الخطأ. ومغزى الخطيئة ومرموزية ابليس (الشيطان) هو اسئثارها بالروح/ (دالة الحياة). فالعبودية لا تقتصر على الجسد أو الخاطر والرغبة أو الفكر، وانما كل ذلك مجتمعا عبر بوابة الروح.

أما الأمر الأخطر والأكثر أهمية، فهي ان تبعية ابليس ليست مسألة قدرية أو أمرا خارقيا مفروضا من خارج، وانما هو ملء إرادة الشخص، واستسلامه. وثمة، ففي قدرة الشخص (الحر) رفض الخضوع لأي قوة أو إرادة خارج جسده وإرادته، وبالضد من حريته ورغبته.

فيما يؤكد الاسلام ان كل انسان مرتهن بسلطة ابليس مذ لحظة خروجه للعالم، مما يترك تابع الاسلام مستسلما لسيطرة ابليس من جهة، وجملة طقوس ونصوص وقناعات، بوصفها مفاتيح ومعوذات للنجاة من ابليس، مهمشة بالتمام ومختزلة أي دور أو مكانة لارادة الفرد وقراره الشخصي.

ان من اشنع الامور تعليم الناس بأن الله (إله عبيد)، وان (العبودية) هي صورة العلاقة التي رسمها مع البشر. وهي صورة بدوية تتصل بالتقليد القبلي القديم وقيامه على قوام العبودية والغنائم وتجارة الرقيق التي نسخها الاسلام من واقعهم البدوي وواقع التعليم التوراتي، الذي يجعل (ابراهيم) أبا روحيا لهم. وكان ابراهيم تاجرا للعبيد وحيازة الغنائم والقطعان بوسيلة وغيرها، سبيلا للمعيشة والجاه.

وقد ركز القرآن على التجارة وامتدحها، الى حد قرن (العبادة) بالتجارة في غير ما موضع.. وما هي السلع والمنتجات المادية المتداولة في التجارة، غير البقر والبشر، الغلمان والجواري وملكات اليمين. هاته العبودية تجرد كائنات الله من القيمة والكرامة الانسانية، وتجعل السعر المادي – حتى على سبيل الحيلة والنصب- غاية ما يستحقه العبد والجارية.

هل يوجد اله واحد أم الاهان؟.. وهل يصدر عن الواحد تعليمان متناقضان؟.. هل يوجد اله بدوي يمجد طرز البداوة وتعاليمها، واله مدني تختلف مبادئه وتعاليمه برقي المدنية على البداوة والدم؟..

لقد اقتلع الاسلام فكرة الارادة الذاتية وقيمة الحرية من لاوعي الفرد، وذلك بحسب النظام البدوي/ القبلي/ الاقطاعي الذي يجعل الفرد تابعا لارادة القبيلة ومصالحها..

وما أنا  الا من غزية ان غزت.. غزوت وأن تقعد غزية اقعد

(دريد ابن الصمة)

وما فعلته اليهودية والاسلام هو اضفاء فكرة القداسة على نظام البداوة القبلية الغزوية (احمد القبانجي- الاسلام السياسي)، وحجر العقل المسلم عن التفكير أو محاولة التمرد والشك في قداسة البداوة والغزو.

هذا اللاوعي المؤكسد وراء عجز المسلم، عن الانفكاك عن عبوديته التاريخية، مهما ادعى من العلمانية واللبرالية والتحرر الفكري.

والحرية، بدورها، هي حرية واحدة وعلى مستوى واحد، وغير قابلة للتفكيك أو التشظّي أو التزوير والمصادرة والاستعارة،. ولذلك تم التأكيد على وصفها بالحرية الكاملة، اصطلاحا، وارتهانها بالثمار السلوكية من الجانب الاخر. "مَنِ اطَّلَعَ عَلَى النَّامُوسِ الْكَامِلِ ­ نَامُوسِ الْحُرِّيَّةِ ­ وَثَبَتَ، وَصَارَ لَيْسَ سَامِعًا نَاسِيًا، بَلْ عَامِلاً بِالْكَلِمَةِ، فَهذَا يَكُونُ مَغْبُوطًا فِي عَمَلِهِ!."- (يع 1: 25).

لهذا أيضا، يؤكد الفرنسي جان جاك روسو [1712- 1778م]، ان "كل شيء جيد في يد الخالق؛ ولكن كل شيء ينحط في يد الإنسان. يولد الإنسان حرا ولكن العائلة والمجتمع تقيده بعد ذلك بالقيود والتقاليد."

لهذا أيضا، لم تظهر فكرة التنوير الانساني في بيئة الشرق/ العبودية/ الاقطاعية/ الغيبية/ القطيعية؛ وانما ظهرت في بيئة الغرب/ المدنية/ الانتاجية/ الإبداعية/ الحرة والمتحررة في ذاتها.

فالتنوير هو: "خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد. والقصور العقلي هو: التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الحر أو السلوك المستقل في الحياة أو اتخاذ أي قرار بدون استشارة شخص/ الوصي الاجتماعي."-(ايمانويل كانت [1724- 1804م]).

ان معيارية قيمة التنوير لا سبيل لإلغائها، لأنها تشمل كل مظاهر الحياة المعاصرة، ومن ضمنها واقع العرب وأدوات معيشتهم وحياتهم اليومية. سواء في الثياب او الطعام والشراب أو السكن والمواصلات، ام في مجلات التعليم والميديا والتجارة والاقتصاد والتنظيم الاسري والخطاب الثقافي.

فإذا أصر العرب على أفضلية البداوة على الحضارة والتنوير، لابد لهم، من استئصال كل مظاهر الحداثة من حياتهم، بما فيها العمران والشوارع ومنازل الاسمنت والعودة للجمل والخيمة، لكي يكونوا سلفيين حقيقيين، بغير نفاق ورياء على أنفسهم والآخر. ونرجو ان يكونوا مستعدين لهذا التحدي، أو التنازل عن ادعاءات فارغة، واطلاق شعوبهم في طريق الحرية والتحرر، ليقرر كل فرد وضعه الخاص بمحض إرادته. وعندها، فقط، يكون لدمقراطية الصناديق والتصويت والاقتراع معنى غير منافق وغير مزور ولا محتال.

التنوير يبدأ بالعقل وينتهي بالعقل وينشر ثماره وأفياءه على الحياة والوجود، ويرسم صورة إبداعية جديدة وجديرة للحياة والعالم. والعقل مغلول ومشلول ومتهم في الثقافة الاسلامية وقواعدها البدوية. فهل من سبيل لمراجعة دور ومعنى (التنوير) في الثقافة العربية دون الوقوع في هوة النفاق الاجتماعي.

اشكالية التنوير، ليست محضا، وانما هي رأس الشبكة في منظومة الثقافة والانتاج الثقافي والعلمانية والنهضة واللبرالية والتحرير.

ليس التنوير سلعة أو صرعة  يمكن اقتناصها او استيردها أو شراؤها بالبترودولار واستنباتها او اصطناعها في تربة المجتمع العربي والاسلامي. الحاجة ماسة لتقليب التربة واطلاق حرية الانسان والغاء منظومة البداوة والغيبيات والقدر وقواعدها البدائية والقبلية الرجعية، من أجل منح الجيل المقبل، فرصة تنفس هواء الحرية والكرامة والحداثة الحقة، كمنتجين ومساهمين، وليس مجرد ملتقطين ومقلدين وغزاة.      

بفهم هاته الاشكالية، وتقعيدها بنيويا، سوف يلزمنا مراجعة كامل المنظومة الثقافية والاكادمية وكل قرصنتنا الحضارية على فضلات الحضارة والحداثة الغربية، لنصل مرحلة الكذب على الذات، ونتطاول على مصادر الحضارة والثقافة والمدنية، بل المصادر والاصول الدينية لمعتقداتنا التي تشوهت بالمزج ببداوتنا، والافتراء على الله قبل البشر، لارضاء عقد النقص والحقد في تكويننا العاجز عن النهوض.

من حقنا ان لا نرى أنفسنا، ونفتخر بعيوبنا وضغائننا، ولكن للاخرين أيضا حقهم في رؤيتنا وافتضاح عيوبنا ومضار تخلفنا غير المبرر، امام انطلاقة كل مجتمعات الارض للامان، ونكوصنا في تمجيد البداوة وما وراءها.

ومن هنا يقتضي للكاتب والمؤلفين والاكادميين والمثقفين والشيوعيين واللبراليين، ان يراجعوا أنفسهم، ويكتشفوا أدواتهم الخاصة والملائمة لبيئتهم، بعيدا عن القرصنة والافتراء. وبذلك فقط، يمكن لانتاجهم ونشاطهم أن يجد مبرره وقيمته!. 

والطريق لاكتشاف الذات لابد ان يمر بمراحل: العقلانية، النهضة، الاصلاح، والتنوير، للوصول للرومانية والرومنطيقية التي تغنى بها العرب، اسوة بالغرب، على سبيل التقليد الاجوف، قبل قرن من اليوم!..

*

أم حسب العرب والمسلمون ان الارض ستميد من دونهم، والبشرية سوف ينقصها الهواء!..

·                 (حشاشين)/ [Assasin] اصطلاح استخدمته المدونة الغربية دالة على العرب/ المسلمين؛ واستخدمت مصادر بيزنطية اصطلاح [sarasin] لنفس الغرض. واستخدام لفظة (حشاشين) هنا ترجمة للاصطلاح الغربي -[العرب في منظور الآخر]-، ومنه لفظة (تحشيش، المشتقة من (حشاشين) ووصف تقنيتهم الجارية مع أتباعهم. علما ان المقطع [sin] يرجع لكلمة (قِن/ قيان، أقنان) السائدة في العربية بمعنى (عبد)، ومعنى الاصطلاح (عبيد سارة) كناية عن (أولاد الجارية) أي – هاجر جارية سارة زوجة ابراهيم، واعتبار العرب أنهم (اولاد اسماعيل) ولد هاجر.

·                 من المفترض ان الفرس جيران العرب، لا يفصل بينهما غير الماء – حوض الرافدين وحوض الخليج-. وتلفظ كلمة (حوض) بلغة فارس (حوز) وتحرف إلى (هوز/ خوز) التي تطلق على مقاطعة عربستان (خوزستان). ولفظة (حوزة دينية) لدى شيعة العراق تتبع لفظها الفارسي من المصدر السابق.

لم ينظر ساسة الفرس، اسوة بساسة الغرب، باهتمام أو طمع إلى شبه جزيرة العرب، كما لم يجدوا في أهلها تهديدا لملكهم. لكنهم لم ينظروا لهم أيضا بالجدية والاحترام. ونلمس ان سيف بن ذي يزن [516- 574م] الملك الحميري لليمن، حين استنجد بكسرى انوشروان، اجابه بعد تردد، لأنه لم يجد في أرض اليمن ثروة تثير طمعه. وبعد انتصار ذي يزن على ملك الحبشة النجاشي، والقضاء على نفوذ مملكة (أكسوم)/ -[100- 940م] غرب البحر الأحمر- شمال اليمن؛ جعلت اليمن تابعة للنفوذ الفارسي وتدفع جزية سنوية لملكها. ولم تثبت فارس أية علاقات ودية مع جيرانها أو غيرهم عبر التاريخ، معنية أولا وأخيرا بالهيمنة والسلب، وكما تسبب في استنزاف امكانيات العراق عبر طابورها الذي ربته في أحضانها قبلئذ.

ومنذ عهود سحيقة كانت قبائل عربية مشهورة تقيم غرب الهضبة الايرانية والى الشرق من جبال راكروس الفاصلة بين العراق وايران، كما كان تجار ايران يتنقلون بحرية بين الشام والحجاز عبر خطوط التجارة القديمة.

ويبدو ان نظرة العنجهية والكبرياء التي نظر بها ملوك فارس للامم، انقلبت ضدهم عبر الزمن. وقد أثار انتصار عرب العراق على الفرس الشعور القومي لدى عرب الجزيرة، لتوحيد القبائل تحت قوة مركزية ذات طابع ديني تحت راية (التوحيد). والواقع ان الفترة ما بين معركتي ذيقار والقادسية[604- 636م] شهدت ولادة الاسلام واندفاعه شمالا. وقد جاء تمادي نفوذ فارس عبر العراق إلى الشام – يومذاك كما اليوم!!- واحتلالها لبيت المقدس – قارن لافتات جيش القدس الايراني!!-، تأكيدا لاطماع ايران وسياساتها العدائية تجاه العرب. فكاد قرار العرب طرد الوجود الفارسي من العراق والشام واليمن، مستفيدا من آثار هزيمة الفرس أمام (هرقل) ملك الروم البيزنطيين (627م)، للقضاء على مركز نفوذهم وملاحفتهم شرقا حتى حدود الصين. يلحظ القارئ هنا مدى المقاربة والمطابقة بين ظهور الاسكندر المقدوني (ذي القرنين)/ الملك الصالح والقوي - (سورة الكهف 86)، ومحوه النفوذ الفارسي من الوجود، وما تكرر على أيدي العرب في القرن السابع الميلادي – حوالي ألف عام بينهما-. لقد أخطأ الذين عارضوا العراق وناهضوه في معركة القادسية الثانية، خطأ قوميا استراتيجيا، بكل المعايير والابعاد.  

·                 مشروع الشرق الأوسط الجديد، من طروحات الامن القومي الامريكي، يختلف الفقهاء السياسيون في تأريخه، يعيده البعض لانعكاسات حرب تشرين 1973م، وما رافقها من أزمة النفط العالمي، واستخدامه [سلاحا في المعركة] أو [أداة للسيطرة والهيمنة الدولية]. فالهدف الرئيسي الأولي للمشروع هو السيطرة على نفط الخليج، وعدم السماح باحتمالية تهديد المصالح الغربية والاقتصاد العالمي. وكان أول اشاراتها مبادرة نيكسن حول قوات الانتشار السريع المرابط على ظهر قطعات الاسطول السادس في الخليج، بحيث تؤمن السيطرة على حقول النفط جنوبي العراق خلال (خمس دقائق) كما يرد في التحقيقات. ومن هذا المنظور يأتي الدعم الأأمريكي الغربي وأذنابه العربية لسيناريو حربي ايران والكويت، لتدمير انظمة الحكم في أكبر بلدين نفطيين، مناهضين للمصالح الأميركية. وكل ما حصل في العراق من ملابسات سياسية وعسكرية، منذئذ، مرورا بوصول الخميني وصدام حسين للسلطة (1978م) حتى يومنا هذا ضمن حيثيات المشروع. وقد أعلنت الولايات المتحدة وحلفها الداعم عسكريا للبلدين، ما أسمته [سياسة الاحتواء المزدوج]. وفي وقت لاحق استخدم بوش الابن شعار [محور الشر!].  وللأسف، لم ينتبه المثقف العراقي والعرابي ولا القوى السياسية والفكرية لمخاطر ما يجري على الامن القومي العربي والاقليمي، تحت ذرائع ومبررات لا تمت للفكر والمسؤولية بصلة.

ويعاني العراق منذ مقررات الحصار الدولي [1990- 2003م] والاحتلال الفاشي [2003م- ~] من سيناريو تدمير البنى والقواعد المادية والاجتماعية والثقافية للوطنية العراقية وتجريد العراقيين من أية روابط وقواسم مصيرية تجمعهم شعبا موحدا منتميا لأرض ووطن تاريخي، من خلال تفتيتيه سياسيا وعرقيا وطائفيا، يحارب بعضهم البعض، ويسرق بعضه البعض، ويتاجر كل طرف لصالح ولاءات خارجية، على حساب أهله ومواطنيه.

صحيح ان مبادئ الفوضى الخلاقة للبيت الأبيض عادت وبالا على الغرب، ولم تحقق لها ما أملته خيالاتها، وبشكل جعل ادارة اوباما تنسحب من لعب دور معهود في المنطقة، وتنفرط من تحالفاتها الاقليمية، محاولة التحالف مع طهران، لمناكفة موسكو، على حساب الرياض هاته المرة. ويرى دونالد رامب مرشح الرئاسة الجمهودي، ان ازاحة صدام والقذافي كان خطأً استراتيجيا، زاد مخاطر الامن القومي الامريكي. 

·                 جمال البنا [1920- 2013م] كاتب ومؤلف مصري شقيق أصغر لحسن البنا [1906- 1949م]، وهو كاتب متذبذب الرأي والفكر. رفض الانضمام لتنظيم الاخوان الذي عاش ظروفا غير ودية خلال الحكم الجمهوري، وقدم نفسه ماركسيا، وداعية لتحسين ظروف العمال والشغيلة، وبعد تغلغل المد الاسلامي خلال عهد مبارك وخلفائه، تحول الى داعية اسلامي والدعاية لشخصنة شقيقه وحركته والمبالغة في دوره السياسي والتاريخي، وبما رسم له صورة انتهازية تسعى للشهرة ونرجسية الذات والعائلة التي وصفها (عائلة العظماء!). وهو مثال للاضطراب وانعدام الاصالة والصدقية الفكرية.       

·                 الأب سالم ساكا- الحرية المسيحية:

cese-iq.net/sada_alnahrayn/sd_5/m_5_11.htm