في رثاء المكان (2) - المكان المهاجر..
.jpg)
"شوسع الدنيه وما لمّتني"
(فؤاد سالم في أغنية تانيني)
شقتي نصف قبر
ولكنها كافية
أخشى إذا فقدتها..
مَنْ يمنحني شقة ثانية!..
(وديع العبيدي- دخول في خبر كان)
..
المكان دالة إنسانية الانسان، ومعيار مدنيته وتطوره، والمعيار الذي يميزه عن عالم الحيوان.. لا يستطيع انسان اليوم أن يعيش في الشارع، يأكل ويتغوّط وينام ويقرأ.. إنه بحاجة إلى مكان في زاوية من زوايا المدينة، وواحدة من مبانيها، بحسب ظروفه وامكانياته ومزاجه.
عندما فكرت في الانتقال من النمسا إلى لندن، كان المكان هو سبب الأزمة.. مغزى التغيير.. المكان المحض.. وبالتاكيد.. لو كانت علاقتي بالمكان النمساوي على ما يرام.. لما خطر لي أمر التغيير أو الانتقال.. لكن أين هي تلك العلاقة المتكاملة التي تحقق الإشباع.. الطمأنينة، الألفة، السعادة، الانتماء..
كنت أعيش في النمسا كوطنٍ ثانٍ لا بديلَ له، عندي سكن وعمل ووقت فراغ وأصدقاء نلتقي من وقت لآخر.. ذات عطلة عبرتُ الحدود وسافرتُ إلى ايطاليا.. شعرتُ بهواء جديد يتخلّل قصباتي وبخفّة تلتبس الكائن الذي في داخلي.. ايطاليا جميلة، هواؤها أنقى من غيرها.. الناس والعلاقات فيها أكثر سلاسة.. الطيور والناس والسيارات والقوارب والتماثيل والظواهر الجوية تتعايش بانسجام وألفة.. عدتُ أدراجي وأنا مشغول بالهاجس.. ايتاليانو.. ايتالو.. ايتلي.. ايتل.. ايتلك.. ايتالك.. ميتالك.. لكن اللغة الايطالية صعبة.. تبدو شفاهية.. رطانة وتهريج.. كيف يتهامس الايطاليون.. الغناء الاوبرالي وترانيم الكنيسة العسكرية.. لا.. لا..
بعد مدة زرت مدريد.. حاولت أن أعيش بكل معنى الحياة.. ما معنى هذ العبارة عمليا.. حاولت أن أكون حرا.. أتحلل من كل اعتبار.. أعود من نقطة الصفر.. وأولد من جديد.. انظر للأشياء مثل أول مرة.. أنظر إلى شفاه الناس وهم يتكلمون ويبتسمون ويقبلون بعضهم.. وأحاول أن أتعلم.. انزلقت على سحابة الزمن من أقصى المدينة إلى أقصاها.. من ليلها إلى نهارها.. وإلى حدّ ما.. ساعدتْ سمرةُ بشرتي أن أضيع بين المهاجرين وأهلها من أصول جنوبية.. مرّ اسبوع وأنا لا أستطيع أن أتفاهم أو أتبادل كلمة مع صاحبة الفندق.. الوجوه سمحة وجميلة.. ولكن اللسان عضلة يابسة، واللغة كائن ميت.. هكذا وجدتُني أغادرها متسلحا ببقايا ونتف من ذكريات ودعابات خاطئة..
حدث أمر عابر اقتضى مني زيارة لندن.. لندن التي رفضتها أمرارا وارتبطت صورتها في ثقافتي بأمور لا علاقة لها بالواقع.. أنا الآن في لندن.. أنا الآن خارج لندن.. أنا الآن في لندن ثانية.. ثالثة.. رابعة.. أنا أقيم في.. لندن.. أتمشى في شوارعها.. أنظر إلى فسيفسائها الاجتماعية.. وجوه شرطتها النسائية الناعمة.. شرطتها غير المسلحة الفائقة الأدب، عكس كلّ شرطة العالم.. وعكس تلك المقولة البرجوازية التي حفظناها من برامج التثقيف الحزبي.. إذا سقط الرجل أصبح شرطيا.. درت في الهايد بارك عدة دورات.. وترددت على آحادها ومواعظ (السبيكرز كورنر) حتى حفظت وجوه معظم روادها.. لندن وإلْفتها الغريبة.. لماذا لم أزرها قبل عشرين عاما.. أو أكثر.. في لحظة نسيت.. نسيت.. انمسحتْ قسمات المدن الأخرى وبصماتها.. غضون صيفها وارتعاشات شتاءاتها.. أنا الآن ممتد في الزمان والمكان.. مثل خريطة بلا حدود.. لندن المدينة العالمية الصغيرة.. المدينة العالم.. الميتروبوليتان.. لندنستان وهندستان وعربستان وأفريكستان.. ولندن أي شيء إلا نفسها..
كل مدينة تعرف بناسها وثقافتها، إلا لندن فهويتها منفصلة عن الناس المقيمين فيها وثقافاتهم المستهلكة في شوارعها وأحيائها.. هذه الأحياء والناس لن يكونوا هكذا لو كانوا في بلادهم، أو أي بلد آخر.. لندن وحدها تعطيهم هذه النكهة.. الحركة والحيوية والطموح اللامعقول..
في البدء كنت أرفضها وأعاملها بتوجّس.. ثم راوغتني وراودتني عن نفسي رغما عني.. ثم اكتشفت.. أنها ليست تابعة لنمط الحركة السائدة فيها.. هؤلاء "الغلابى التعبانين".. لن يستطيعوا الحياة إلا في هكذا مدينة.. لندن هي التي تفهمهم.. تحتضنهم.. بسوّءاتهم وتخلّفهم وغرورهم البدائي.. أفارقة وعرب وباكستانيين وتايلند ومغول.. فرنجة ومورسكيين واغريق وترك وفرس وأكراد.. علمانيين ومؤامنة وانتهازيين وجواسيس.. لندن مدينة المنكسرين المهزومين في داخلهم.. مدينة الاختلاف المنسجم.. والاضطراب المطمئن..
*
في كل زيارة تختلف إقامتي عن الأخرى.. أقضي معظم الوقت خارجا.. في ليل متأخّر أعود للنوم وأستيقظ في اليوم الثاني بنفس الدوامة.. ذات مرّة أخبرني الصديق - حسب زعمه- أن الأفضل أن لا أعود بعد التاسعة أو العاشرة على أكبر تقدير، لأن المدام (الانجليزية) تغلق الباب مبكرا.. ولأن الباص (82) يستغرق أكثر من ساعة في رحلته.. فإن عليّ تدارك الوقت والتنازل عن جانب من حريتي في مسألة الوقت..
تحدثت في الموضوع مع أحد الأصدقاء.. فقال انه يعرف مكتب عقار قريب.. ذهبنا اليه وكانت لديه شقة على وشك الخلوّ بعد أربعة أيام.. الشقة قريبة من مكتبه في كلبرن هاي رود.. طرق الباب عدة طرقات ولم تفتح.. أخرج مفتاحه ودخل الحجرة وهو يصيح هالو هالو.. فجأة تقدم رجلٌ من الباب وقال بصورة احتجاج.. غير مسموح لك بدخول الشقة ونحن لم نغادرها بعد.. قال له الدلال الإيراني باعتداد: لقد طرقت الباب عدة طرقات ولم يرد أحد.. إن لديّ زبوناً لمعاينة الشقة لا أكثر.. ودمدم الرجل ثانية فاعتذر الشاب ثلاث مرات وقال انه مستعد لمغادرة الشقة على أن يعطيه موعدا للمعاينة.. وافق الرجل بزعلٍ بادٍ ودخل حجرة على يمين الباب.. دعانا للمعاينة باشارةٍ من يده ودمدمةٍ شفاه بمعنى (لا تهتمو).. نصف خطوة في الحجرة ثم انسحبنا.. كانت حجرة نوم ضيقة يملؤها سريرٌ مزدوج.. ثم دخلنا وراءه بابا آخر فكانت صالة كما يفترض ومواد مرزومة، وفي مكان ما كانت فتاة مرتبكة تعدّل من وضع ثيابها، لم تلتفت الينا، فانسحبنا سريعا، وسمعنا الباب يصطفق وراءنا بقوة.. اعتذر صاحب المكتب للساكنين مرة أخيرة قبل المغادرة.. فيما كنا نحن ننزل الدرجات أمامه كأننا في حالة هروب.
*
الفارق بين المكان النمساوي والمكان اللندني هو الحميمية.
في النمسا لم يكن ينقصني غير الراحة النفسية أو الحميمية. هذا الأمر العصي على التعريف او الفهم. انه شعور سريري غامض، ربما في اللاوعي، مرتبط بحبل السرّة المدفون في مكان ما من اللاوعي.
يختلف الأمر جذريا مع لندن، حيث يشعر فيها الأمر، بعلاقة حميمة بين قدميه والشارع، بين طعم الهواء والرئتين. أقول هذا وأنا أبغض لندن الاستعمارية وموقفها العدواني من العراق من تشرشل حتى بلير الكذاب.
لكنّ بغضي السياسي، والموقف النفسي أمران ينفصلان هنا. كنت أحبّ النمسا لحدٍّ ما، وأفتخر لأنها لم تكن بلدا استعماريا، ولم تستعمر بلداننا خلال التاريخ. والمجتمع النمساوي أليفٌ ومهذّبٌ سيّما خارج المدينة.
أكاد أقول عن لندن، كما قال الاسكندر عن العراق، ثمة شيئٌ في الهواء والتراب!!.
لا يوجد تفسيرٌ آخر.
الانجليزي الانسان لا وجود له في لندن، وهو بلا طعم ولا رائحة وشخصٌ ملتوٍ وغيره من صفات مهينة. لكن المكان الانجليزي لا يأخذ طبيعته من الانسان الانجليزي. وأنا هنا اتحدّث عن لندن تحديدا، لأنها مفردة، ولا صلة لها بأيّ مدينة أخرى. وهذه سمة أخرى لانجلترا. أن كل مدينة لها طبيعة مختلفة ولا ترتبط مع سواها بصلة عائلية أو نفسية أو قومية. لندن هي المفردة.
وما أزال بعد عشر سنوات من إقامة مستمرة فيها أحاول تفكيك رموزها، والدخول، أو سرقة أسرارها الداخلية.
يعود تأسيس لندن الى العام (43م) على أيدي الرومان. ولندن الأصلية الاصيلة تقع عبر النهر. وكانت قرية أو مجرّد بضعة بيوت، حوّلها الرومان الى مستوطنة وبنوا فيها (حامية) رومانية وجعلوا لها حاكماً رومانياً.
وللمناسبة، كانت زوجة الحاكم الروماني للندن، أول من اعتنق المسيحية، وأول من تم وصفها بالـ(ملحدة) من قبل بني قومها، لتركها رموزهم الدينية. والمفارقة الجديرة بالتأمل هنا، ان مصطلحات [مؤمن/ ملحد] لا تتصل بالله، ولكنها تنبع من الدين الاجتماعي. وكل من يغادر أو يخالف عقيدة المجتمع فهو ملحد/ كافر، مرتدّ. ومن يشاركهم العقيدة فهو المؤمن وماسك مفاتيح الجنان.
قرر الجيش الروماني بناء جسر على التيمز للاتصال بطريق مرور التجار، ووضع بعض الجنود على الضفة المقابلة من النهر، وهكذا بدأت فكرة المدينة المنقسمة على جانبي التيمز. وحتى نهاية القرن الثاني الميلادي، كانت لندن مجرد قرية صغيرة، ومحمية عسكرية رومانية. ولابد من اشارة هنا، ان احد اغراض الرومان من الامتداد في الأرض ليس الهيمنة فحسب، استصلاح/ استعمار أراضٍ جديدة، وانما تلبية الحاجة المتزايدة والمستمرة للحصول على مقاتلين جدد.
وكان الفكر العسكري القديم، يعتمد على الصفات القومية والقبلية للعسكر. وأتباع كل قبيلة أو قومية يشكّلون جيشا أو فرقة مستقلة، لا يختلط قوامها مع القطعات الاخرى من قبائل قومية أخرى. وفي الغالب، كان قائد الجيش من نفس القبيلة أو زعيمها القبلي تحديدا، ويدعى أميرا عليهم أو ملكا أحيانا، وتكون له ولجماعته أرضٌ ومؤونةٌ مستقلة وأجور سنوية جارية، ناهيك عن غنائم الحرب. وهذه الملاحظة، تفيد كيف نشأت المجتمعات والهويات المحلية في أوربا وبعض أطراف العالم، وتحولت الى هيئات قومية وشعوب مستقلة عبر الزمن. وكثير من شعوب اوربا أصلها قبائلَ مسلحة خدمت في الجيش الروماني، أي أنها شعوب (مسلحة) مبدئيا.
نمت لندن وتطورت تجاريا، وتوسّعت فيها أعمال الاستيطان. وكان التوسُّع السكاني في شمال التيمز أكبر من الضفة القديمة. ومع توسُّع الاستيطان، أصدر الحاكم الروماني يومها أمرا، بعدم قطع الغابات المقابلة على الضفة، والابتعاد مسافة وراءها، بعيدا عن موقع الحامية ومراكز الادارة الرومانية. وهذا الموقع اليوم هو موضع القصور الملكية ومراكز الحكومة، وما يتبعها ويتخللها من حدائق وباركات، انتهاء بحديقة الهايدبارك الشهيرة.
والمعروف ان الهايد بارك غابة بكر، لم تستوطن مطلقا، وأشجارها القديمة، قديمة جدا وأصيلة، وتجرى عليها دراسات بيئة وحيويات باستمرار، ويمنع لليوم، الإضرار بها أو خدش عذريّتها وبراءتها الأولى. وفي وقت لاحق، كما هو اليوم، جرى استخدام الغابات لتدريب وترويض الخيل الملكية، بينما بعضهم - الأمراء- يتسلّى فيها بالصيد، كما هي حديقة الامير البرت – زوج الملكة فكتوريا وهو ملحن ومؤلف موسيقي- المجاورة للهايد بارك، والمقابلة لقصره.
كل شبر، وكل شارع، وكل مبنى سكني أو تجاري أو خيري، تاريخه مدوَّن ومعروف وموثَّق في الأدبيات ومراكز الارشيف والتوثيق. ويمكن قراءة تفاصيل التاريخ من خلال عمر كل مبنى بما فيها التصليحات وتغير المالكين أو حتى بعض الشاغلين، وصولا للزلازل والفيضانات وآثار الحروب والقصف والاحتجاجات السياسية.
هذه هو الفارق بيننا وبينهم. بين المكان عندنا في الشرق الأوسط الفاقد بكارته وبراءته في تاريخ مجهول وعلى أيدي غزاة مجهولين، يعقب بعضهم بعضا، حتى ما يجري اليوم. ولا يهتم أحد بتدوينه، رغم أن عدد الكتاب والادباء في مجتمعاتنا أكثر من أعداد جيوشنا.
هل يكفي القول، ان ذاكرتنا شفاهية، وذاكرتهم تدوينية!.
هل حفظت الذاكرة الشفاهية تاريخ بيت أو نهر أو شارع أو مدينة في العراق، أين هي نفّر أو أشنونا القديمة. وهل سكانها اليوم هم أحفاد سكانها الأصليين القدماء أم هم أحفاد غزاة ومهاجرين بدو تعاقبوا على وراثة الارض ومن عليها؟ وما يزال الغزاة يتعاقبون، والمدن والبيوت واللغات والمسمّيات تتبدّل ويطيح الجديد بالقديم، حتى قال مظفر النواب:
هل وطنٌ هذا أم مبغى؟!..
وهل ثمة طريقة معجزية لإلغاء تاريخ البغي والبغاة والغزو والغزاة والبدو والبداة، واستعادة السكان الأصليين لأرضهم، وليرجع كل من حيث أتى!!؟.. قبل أن يتنافس الغزاة ويرفعوا شعاراتهم القومية، مزوّرين الاسماء والمعالم والبشر، لصالح هويتهم!.
اعتقد ان فكرة الخطيئة والزنا جاءت من تاريخ عمليات البغي والغزو والمسخ الجارية في الشرق الأوسط، -بغير انقطاع-، والذي يعتبره البعض منشأ الاستيطان والحضارة والمدنية!.
وقد استمرت لندن مقاطعة تابعة للامبراطورية الرومانية حتى سقوط الامبراطورية رسميا. ولكن ما حدث خلال ذلك هو نشأة الأمم والممالك الأوربية وفي صدارتها مملكة الغال/ فرنسا التي مدّت نفوذها الى شمال انجلترا وسكوتلندا وايرلندا.
وبتعدُّد مناطق النفوذ والمرجعيات القبلية، تعدَّدت الهويات ومراكز الحكم في الجزر البرطانية، وعاشت البلاد حروبا متعدّدة وطويلة فيما بينها وبين كل من فرنسا وألمانيا التي تسيطر أو تدعم بعض الممالك والمقاطعات فيها. وكان من أثر تلك الحروب وما تقتضيه من تحالفات وتسفر عنه من نتائج، اختزال الممالك السبعة إلى ثلاثة رئيسة (سكوتلندا، ويلز، انجلترا).
شهدت الألف سنة الأخيرة صراعا سياسيا وعسكريا بين مملكة الشمال الفرنسية، ومملكة انجلترا التي خلفت الحكم الروماني. وفي المفهوم الانجليزي يتضمن الصراع والحرب تقنية الحيلة والخداع والدسائس اكثر من الواجهة العسكرية.
ومع حصول أزمة توريث في سكوتلندا انتهز ملك انجلترا هنري الثامن [1491/ 1509- 1547م] الظرف، لإعلان نفسه ملكا على المملكتين، ونقل مقرّه شمالا. وفيما بين [1535- 1542م] انجز الاتحاد القانوني مع ويلز.
ومنذئذ ابتدع نظام تغيير مقر الملك بين لندن وسكوتلندا، مناصفة خلال السنة. وتتعمّد الملكة الحالية استخدام اللهجة الاسكتلندية في خطاب العرش السنوي، للتغطية على مظاهر الخلاف السياسي بين العاصمتين. والمعروف ان اسكتلندا وحزبها القومي ماتزال، تصر على الاستقلال الذي تم الالتفاف عليه بسبب تداخل مؤسسات الدولة وسيما التمويل المالي، حيث بلغت الأزمة الذروة بعد نجاح اول استفتاء حول الانفصال العام الماضي. والاصرار على ارسال ممثلية مستقلة لها في الاتحاد الاوربي والهيئات الدولية.
أما أبرز وأشهر مظاهر الخلاف التاريخية داخليا وخارجيا- مع فرنسا- فتتمثل بقصة الملكة الشهيدة ماري [1516/ 1535- 1558م] التي خلفت والدها على العرش وذلك بدعم من فرنسا الكاثوليكية. وكان هنري الثامن قد انشقّ عن كنيسة روما بسبب زيجاته الكثيرة، وحول انجلتره للبروتستانتية. فعملت ماري على اعادة المذهب الكاثوليكي، مما أضرم جذوة الخلاف الديني والسياسي داخل البلاط، ونجحت القوى الوطنية داخل البلاط في عزل ماري واعلان اختها – من أم ثانية- اليزابيث الاولى [1533/ 1558- 1603م] ملكة بروتستانتية على البلاد.
فالملك هنري الثامن المعروف بالسفّاح هو بطل توحيد المملكة -المتحدة- ومؤسّس الكنيسة الانجليكانية البروتستانتية، وجعل نفسه رأس الكنيسة – كما هو جار حتى اليوم-.
المعروف ان الانجليز – قوميا- من اكثر الشعوب افتخارا بقوميتهم وأنفسهم وهويتهم، وهو أمر يناقض واقع الحال وصيروتهم التاريخية وما تكتنفه من ملابسات وخلافات وفضائح ومبالغات ايضا. وانما موضع افتخارهم يعود لوقوف القدر الى جانبهم، واتّساع مملكتهم الامبراطورية للهيمنة على أطراف العالم ووسطه، بالاعتماد على الحيلة والكذب – بحسب وصف جمال الدين الافغاني [1838- 1897م]، دون امكانيات حقيقية مميزة عسكريا واقتصاديا. وأنا اضيف لسماتهم التاريخية تقنية النهب المنظم في مجال الاقتصاديات المالية. فبريطانيا العظمى تعتاش على الغنائم واستغلال مستعمراتها أكثر من أي بلد آخر عبر الزمن.
أما موضع فخرهم القومي بحسب مؤرّخيهم ومنهم ارنولد توينبي [1889- 1975م] فيعود لمنجزات الملكتين اليزابيث الاولى والملكة فكتوريا [1819/ 1837- 1901م]. الأولى رائدة العمران والازدهار الاقتصادي والثقافي، والثانية وسعت النفوذ البريطاني الى أقصى حدوده في ايامها.
حتى أيام هنري الثامن كانت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاط والبلاد، مع وجود لغات محلية مختلفة للسكان، لكنها ليست الانجليزية المعروفة. وبعد سيطرة سلالة تيودور على الحكم، وفي أيام اليزابيث الاولى حيث اهتمّت بالبناء وتوطيد الحكم، ازدهرت حركة الثقافة والمسرح بدلالة وليم شيكسبير [1564- 1616م] والذي يحتفل مائة وأربعة وخمسون بلدا في العالم هذا العام، بمرور خمسة قرون على وفاته وإحياء ذكراه وأعماله بلغات مختلفة دوليا.
وليم شيكسبير الشاعر والممثل المغمور من ستاتفورد زمانه، هو المؤسس الحقيقي أو الأبرز للهوية واللغة الانجليزية، ويعود له الفضل في وضع البنى والقواعد اللغوية والتعبيرية للغة الانجليزية، والتي صارت اللغة الاولى في العالم بغير منازع، رغم كونها من أحدثها.
ولدت الانجليزية وتطورت من اندماج لغة الفايكنغ بالجيرمانية - الانجلوسكسونية- الى جانب اللاتينية الرومانية. حيث يجري تهذيبها وتطويعها عبر مسرح شيكسبير واعماله الأساسية حتى اليوم في تعلم الانجليزية. ولو لم تكن الانجليزية لغة انجلترا، ماذا كانت ستكون. ان الانجليز حتى اليوم، شأن كثير من الأوربيين، يعتزّون بلهجاتهم القروية والمحلية أكثر من حفاوتهم باللغة الوطنية.
هل لكل هذا التاريخ السياسي والثقافي والاستعماري، صلة أو أثر على طبيعة الأرض اللندنية؟..
الأرض النمساوية مرتبطة بالشخصية النمساوية، والأرض الالمانية مرتبطة بالشخصية الالمانية، هناك تتحسّس الانسان من لون الأرض ورائحة الحشائش والأشجار والرصيف. لكن الأمر خلافه في لندن. الأرض مستقلة بتكوينها وطبيعتها، ومهما تنقّلت وسرتْ ونمتْ على الارض وبتَّ في العراء، فلا يخطر لك الانسان الانجليزي.
الشخصية الانجليزية سالبة في موضوع الارض. عندما تتعامل مع الشخص الانجليزي لا يخطر لك موضوع الارض. وعندما تتعامل مع الارض لا يحضر الانسان.
يقول المتدينون ان انجلترا ارض مباركة، ارض قديسين، فيها بركة خاصة. عجيب هو الدفء والأمان والحميمية فيها، حتى تعجز عن الفكاك منها او مفارقتها.
شخصيا، لدي احساس خاص بالارض، نتيجة قلق المكان الأول في تكويني، وعندما أسافر، أشعر بحنين خاص لدى العودة، كأني عائد الى أهلي (!). هبوط الطائرة يعطيني شعورا خالصا بالدفء، رغم أني بعدها أجد نفسي بلا مكان خاص أو سكن أو أحد معين ينتظرني!.
لو أمكن تمديد ساعة الوصول/ الهبوط الى ساعات أو ايام أو العمر كله، سيكون ذلك هو لذّة الفردوس.
ربما كانت لحظة الموت، او العودة للتراب، هي تلك التي وصفها الفرويديون بالعودة الى الرحم. ذلك هو سرّ الاغتراب الوجودي.
[Pirates]- قراصنة، هم السكان الاصليون لانجلترا ومركزهم اليوم وسط انجلترا شرقا. وأنا اسميهم ببدو البحر. جاؤوا من الشمال على موجات، وكانوا يقرصنون ويعودون الى مناطقهم الثلجية شمال النروج. غلاظٌ، أفظاظُ، لكنهم بسطاء وطيبو القلب. ورغم مكانتهم في رفد القومية الانجليزية، لكن مكانتهم مهمشة ومقموعة في المجتمع الانجليزي، ويجري السخرية من طريقة تحدثهم بصوت عال وبشع. يتم وصفهم بالفلاحين، واغلبهم يعملون في المناجم بظروفها غير الانسانية وأرقام ضحاياها المستمرة دون اهتمام من الحكومة لتحسين أوضاعهم.
العائلة المالكة الحالية تنحدر من أصول جيرمانية معروفة. والمجتمع الانجليزي هو مجتمع ارستقراطي، يتحكّم فيه العرْق والمال. والارستقراطية التاريخية القوية ما زالت امتداداتها الاجتماعية والاسرية، حتى لو كان نفوذها السياسي والاقتصادي محدودا. أما الطبقة الوسطى فهي الرأسمالية الصاعدة، ومنها تخرج كوادر الدولة واعضاء الاحزاب والحكومة.
وفي قاع المجتمع يوجد الخاملون، اقتصاديا والعاجزون عن امتلاك الاموال والعقارات، سواء كانوا انجليز، بريطانيين، أو مهاجرين. وهم كثر، وهؤلاء تلتقيهم في الشوارع والبارات في الاماسي، ومنهم الشحاذون، والمتسكعون، تعرفهم من مظاهرهم. الشهادة العلمية والثقافة لا أهمية لها بغير مركز سياسي أو اقتصادي.
وقد اصدرت حكومة كامبرون الحالية قرارات مشدّدة بحقّ الإقامة والهجرة، تتعلق باستقبال الاجانب من أصحاب الأموال (امتلاك ثلاثمائة ألف جنيه استرليني)، وتفضيلهم في الاقامة والاستثمار والدم.
يقابلها عدم السماح بالزواج بين الاصول الانجليزية والمهاجرين حتى من المولودين في بريطانيا. وتحصر زيجات الأجانب بالأجانب من حملة الاقامة والجنسية فحسب. انه قرار متأخر لحماية الدم والهوية الانجليزية من الانسياب.
إذن.. هل لندن هي المراد..
لندن مدينة جميلة ودافئة، وتستطيع أن تبيت في الشارع ولا تفقد دفئها. ولكنه دفءٌ كاذب!.
مهما كنت وبقيت وعملت فيها، ستبقى غريبا ومهاجرا، ومرفوضا، طالما كنت بلا مال ومركز سياسي واقتصادي.
لندن وانجلترا وبريطانيا هي البلد الوحيد التي يهاجرها سنويا حوالي نصف مليون من سكانها الأصليين، يغادرون الى استراليا ونيوزيلنده وأحيانا كندا وامريكا.
لندن ميتروبوليتان.. هي مركز سياحي تجاري، بغير حدود أو أخلاق. ويمكنك أن تستثمر أو تكون مادة للاستغلال واداة عمل رخيصة.
وفي كل مركز طبي توجد استمارات مجانية، يمكن لمن يشاء ملؤها والتبرع بجثته أو بعض أعضائه لاغراض طبية أو علمية أو للمحتاجين. فأجور الدفن والموت باهظة التكاليف.
وحتى عشرين عاما، كان القانون البريطاني يمنح كل فرد حرية التخلُّص من حياته على أيدي الاطباء، على أن يكون بكامل وعيه وإدراكه. وقد تم تعليق القانون جراء احتجاجات منظمات حقوق الإنسان والكنائس، ولكنه لم يتم الغاؤها.
والحديث متصل ومتشعب.
(شوسع الدنيه وما لمّتني)- شطر من اغنية (تانيني) للمبدع فؤاد سالم.
* مقطع الشعري للكاتب من مجموعة -دخول في خبر كان- القاهرة- 2004
***