في رثاء المكان.. (نحن خونة المكان!)..
(يتامى نحن في وطن بلا أبناء!)
من قصيدة: وقوفا على أبواب تدمر لوديع العبيدي
مغبوط هو الذي يولد ويموت ولا يخرج من بيته!..
مغبوط من يولد وينشأ ويشيخ في بيت آبائه وبلد أجدلده.
ما هي الحكمة وراء القول: ان الانسان مخلوق من تراب؟!..
كم مرة خطر لك وأنت تتذكّر هاته العبارة، أن تنحني وتشم رائحة التراب؟.. بل دعني أسألك.. هل سبق ان شممت رائحة تراب بيتك، محلتك، مدينتك؟.. لا أقول وطنك، لأن (الوطن) كلمة غريبة هذه الايام، وربما نتنة في المفهوم الامريكي.
(الوطن) كلمة غريبة..
فقدت معناها في عهود الاستبداد.. (قصيدة الآن نفكر بالجغرافيا لوديع العبيدي – مج/ اغنية الغبار/ عام 2000- مراكش)
Weil (Heimat) ein fremdes Wort ist
Das sein Bedeutung verloren hat
In der Zeit von
(Die Obdachlosen, von: Wadi Ubaidi, Band (Zufallig Entkommen), Provinz Verlag, Austria, 2006
لا رثاء لنا، نحن الذين خسرنا أوطاننا، مرة وإلى الأبد، ولا رثاء لكم أيضا، أنتم الذين خسرتم أوطانكم، مرة وإلى الأبد!. في ادبنا الكلاسيكي – أيام الخير-، كان يقال، فلان مات بعيدا عن وطنه، تم نقل جثمان المغترب ليدفن في وطنه. وكانت الحكومات (!!!) تتحمل نفقات نقل الجثامين على حسابها، عندما كان لتراب الوطن وللجثمان معنى! وقيمة. أعني قبل الآن. وعندما يعاقب احد ما، يحرم من الدفن في وطنه.
فلان الفلاني أوصى بدفن جثمانه الى جانب أمه أو والده أو زوجته أو قريته عندما يموت. وكان تنفيذ الوصية أمرا مقدسا، يراعيه الجميع، عندما كان للوصية وللموصى أهمية، وكان لجمهور وخلف المتوفي كرامة وضمير. اليوم انتهت كل هذه (الخزعبلات!) وصار أبناء الزمن الامريكي الجديد في حل من الضمير والمسؤولية والكرامة.
وأعرف كثيرا.. من الناس المغتربين، ومن الادباء والعلماء والمفكرين والشرفاء ماتوا في الغربة، ولم يكن لهم مجلس عزاء، ولم يشارك في تشييعهم غير الغرباء.
أحد أبناء أولئك، ردّ علي وانا أعزّيه وأوصيه ببعض ما يقتضي الفقيد، قال لي: انا ابن (بار) ولا أقصّر بحق والدي. هذا الابن البار – وهو ذو مركز- لم يفعل شيئا، وبعد عام من المناسبة، اقيم – شيء ما- أُلقيتْ فيه كلماتٌ يتيمة ولم يحضرها غير بضعة افراد.
ان اللغة قاتلة – تحولت اداة للقتل وللانتحار!- هاته الايام، وأبناء هذا الزمان يستخدمونها بلا معنى ولا احترام. – فاللغة أيضا تستحق الرثاء!-.
الحديث ليس عن اللغة ولا عن الموت ولا عن الغربة والمغترب، ولكن عن المكان، وهل للمكان علاقة بالوطن.
يوصف العراق وشعبه وتاريخه، بانه الأكثر - دموية-، وهم يدافعون عن وطنهم ويوسعون تخومه ويحمونه - بالروح والدم!. ولستُ بصدد التوصيف والتعليق عليه.. ولكنني أقول ان عراق القرن العشرين خاض حروبا مجيدة على أرضه وأرض جيرانه وأشقائه، و- كنت جزء من آخر وأخطر حروبه الستراتيجية- أعني حربي الخليج الاولى والثانية، التي امتدّت عقدا من السنوات!، بعدها سقط البيت العربي وبدأ التاريخ الأمريكي والذلّ الاجنبي يغزو العيون.
في الحرب الأولى انقسم العرب قسمين، قسم مع العراق والآخر مع ايران. في الحرب الثانية وقف (كل) العرب ضد العراق، والكل هلّلوا للفاتح الغازي الامريكي ومازالوا يهللون حتى يوم القيامة.
يومذاك كان تصريحٌ لأحد الخليجيين فحواه، الولايات المتحدة تأتي لإخراج العراق من الكويت، من يساعدنا لإخراج الأمريكان من بلادنا؟.. بقي هذا السؤال بغير جواب كالعادة!.
الموضوع لا علاقة له بالحرب والدم، ولا بامريكا والسياسة، وانما هو عن المكان.
*
هل اكتشفت المكان، هل يشكل المكان ثيمة لديك، في نظرك، في فكرك وشعورك؟..
لا ضرورة لتكون شاعرا او فنانا حتى يكون المكان والمساحة والحيز والالوان، ثيمة لديك. فكل شخص، أو كائن موجود في المكان. ومن غير مكان لا يوجد كائن.
لاحظ التشابه اللفظي وتركيبة الحروف ايضا: [مكان، كائن]. لا يمكن الفصل بين الاثنين. والانسان هو كائن فيزياوي. كتلة ووزن وزخم. من هنا ادعوك يا عزيزي لاستفزاز طفولتك النائمة، إلى أول (تحسّس) للمكان في وعيك وحياتك. وهل هو مكان قروي أو حضري، زراعي أو مدني، تراب، خشبة، حديد، المنيوم؟..
من خلال تعريفك، تعرفك الاول على المكان والمادة الأولى في حياتك سأقول لك من أنت، ولا أقول أكشف عن شخصيتك ومستقبلك على طريقة العرافين وضاربي الرمل!.
السؤال الثاني في هذا السياق: هل كان المكان الأول ثابتا مستقرا، أو متحولا قلقا في حياتك؟
وهذا يقربنا أكثر، اعني يقربك انت من فهم شخصيتك ولغز طبيعتك!.
التعريف الأول: ان الانسان كائن فيزياوي!.
التعريف الثالي: ان المكان لا وجود له في العقلية العربية، اللاوعي العربي/ الشرق أوسطي.
صحيح ان كثيرين منا، من اجدادنا، ماتوا ولم يغادروا قراهم أو بيوت أجدادهم، لكن احساسهم بالمكان كان (هشا) سائبا ومن غير ملامح.
وللأسف، فأن الدين – باستثناء التوراة التي صادرت الأرض من أهلها وشكلت عنصرا تدميريا للبيئة- لم يؤسس للمكان الانساني، المكان الوجودي، في تكوين الشخصية الشرق - أوسطية. والنتيجة.. هي الخسران.. فالمسيحية خسرت الأرض غير مأسوف عليها، ومازالت تخسر وتتراجع من غير وعي أو يقظة لثيمة المكان المسيحي أو الوجودي.
والاسلام المحكوم بعقلية بدوية فتح جغرافيا المكان (لله الأرض جميعا/ هاجروا/ اسعوا في الأرض) لاغيا تلك الثيمة الوجودية بين المرء والبيت والمحلة. وكانت النتيجة، ان الاسلام الذي خرج من الحجاز أو نجد، انطلق بعيدا في الأطراف، ولم يعرف العودة إلى مسقط رأسه.
وإنني أفهم مغزى المسعى السعودي الراهن في محاولة (استعادة) السيطرة على الاسلام واعادة تجميعه من الأقاصي والمنافي، ليعود إلى (وطنه) بعد اغتراب أربعة عشر قرنا. فالتباعد والتشظّي يخرج بالشيء عن أصله وملامحه وسماته وانتمائه الاجتماعي والمحلي.
لكن (الوطن) مفردة غائبة في القرآن، وغائبة في الانجيل، وغائبة في (كنزاربا) و(أفستا). قبل أيام، وبعد انعكاسات التجربة المصرية العاصفة منذ عام (2010م) والمرامي الخفية لضرب موقع (الاقباط) في الاجتماع المصري/ الهوية والبناء، حاول اللاهوتي المصري يوسف ناثان ادخال مفهوم (الوطن) والوطنية في الانجيل. على اعتبار ان عبارة (عاد إلى البيت)- (مر 3: 30) تمعنى (عاد إلى وطنه)، معتبرا الناصرة، هي (البيت، المدينة) والجليل هي (وطن) المسيح يسوع الناصري الجليلي.
لماذا لا يكون ليسوع ابن الناصرة (وطن) على الأرض. ولماذا لا يفتخر الجليليون والناصريون بكونهم شعبه؟..علما ان مقاطعة الجليل الرومانية –كان لها حاكم ربع مستقل- كات تمتد داخل حدود لبنان وسورية والاردن الحالية، وكان لابد للمواطن الا يفقد – وطنيته- في المسيح، مثل الأقباط والسريان والآشوريين والكلدانيين، وتكون جزء من الهوية الوطنية، بدل تفتيت اللاهوت بلدانيا، والدخول في صراعات كنسية بلدانية.
في نفس هذا الاتجاه، عمل العرب/ المسلمون عبر الزمن، وفي المرحلة الآخيرة من (الاسلام السياسي) على ادخال عناصر اسلامية في دساتير وثقافات المجتمعات وانتاج هوية اجتماعية ثقافية – اسلامية-.هي في نفس الوقت، مفرق سياديني للتنافس على الزعامة الدينية، كما هو محتدم اليوم [الازهر، السعودية، ايران، تركيا، باكستان، ماليزيا] ناهيك عن محاولة بعض البلدان الاوربية احتكار المرجعية الاسلامية لصالحها، كما هو الامر بين بريطانيا والمانيا إلى جانب محاولات خجولة من قبل ايطاليا والصين.
لقد جاء اكتشاف المكان متأخرا، ولكنه المكان السياسي، على أسس ومزاعم دينية. وكل ما تتدخل فيه السياسة، تفسده. ومثله الدين.
المكان ثيمة وجودية شخصية، اجتماعية وطنية، ثقافية انسانية!، وكل ما عداه، فهو ضده
*
تجربة ذاتية..
تعود علاقتي بالمكان إلى ايام طفولتي. وكل علاقة تبدأ بالفقدان.
فنحن لا نحسُّ بالأشياء التي نعيشها أو تعيش فينا، ونقيم فيها، وانما نفتقدها عقب الفقدان والضياع. وأنا ارجو لغيري حظّا أفضل مني.
المدينة التي ولدت فيها اسمها (جلولاء)، نعم تلك المدينة المرتبطة في كتب التراث بمعركة (جلولاء)-(637م) أي ستة عشرة عاما من الهجرة، وذلك عقب معركة المدائن (طبسفون) العاصمة الصيفية لشاه ايران- خسرو- بين النهرين.
هذه العلاقة بالمكان ليست ذاتية، وانما شخصية. صحيح انني ولدت هناك، لكن اقامتي فيها لا تتعدّى ستَّ سنوات متفرقة. هناك عاش أجدادي من جهة الوالدين، وكانت حصّةُ والدي بيتاً ورثه عن ابيه ولم يحافظ عليه. علاقتي الشخصية الأثيرة كانت مع جدي من طرف الأم، وهي علاقة حميمة مميزة. ولعلني الوحيد الاقرب إليه بين كل أحفاده.
والعلاقة بالجد تمر ايضا من خلال العلاقة المميزة بالام الى حد ما. الواقع ان والدتي – كالعادة- ارتبطت بالابن الاكبر، ولم أكن أنا ذاك، مما ترتبت عليه انعكاسات نفسية، جعلتني امضي الى بيت الجد والاقامة عنده مدة عامين، كانت تعادل عمرا بكامله.
بيت جدي أكبر من بيتنا، ولم يكن فيه غيره وزوجته الصامتة والهادئة تماما. وهناك حظوت بطفولة حقيقية، ورعاية باعتباري ابنهما الوحيد. ساعدت جدتي في كل أعمال البيت، وفي وقت فراغي، كنت (ألفّ) لها السجائر وأصفها في الصندوق المعدني الصغير الخاص بالدخان. وذات يوم، عاتبتني قائلة: أنت تجعلني أدخن أكثر!. فأنا أقضي وقتا وأتسلى بلفّ السيجارة على مهل. وأنت تجعلها جاهزة في يدي.
شعرت بالحزن والألم، لفعلتي، ووجدت انني بينما اردت ان اساعدها كنت أزيد ضررها.
في ذلك البيت كانت غرفة موصدة الباب، فيها كتب كثيرة، أكبر مجموعة أراها في حياتي يومئذ. وبذلتُ محاولات عدة، لاختراق ذلك الباب حتى وقعت بين يدي. أول كتاب قرأته، كان اسمه (من كل قطر شاعر) لخليل مطران، ومجموعة قصص بعنوان (طارق الليل) لتوما الخوري – على ما أذكر-.
كان لجدي دكان في السوق، وطلب مني أن ارافقه في العمل. في البدء كنت أجلس فقط وأراقب المارة. مع الوقت بدأ يكلفني ببعض الاشغال أو ايصال بعض التوصيات، ثم صار يتركني لوحدي ويعطيني المفتاح لأسبقه في الطريق بينما هو يمشي الهوينا.
كان جدي مستقيما صارما قليل الكلام. وطيلة ساعات طويلة لا تسمع كلمة. في البيت لا يسمح بأي صوت، وكل شيء يجري بالضرورة وفق نظام صارم. كان ذلك صعبا علي، ولكنني اجبرت نفسي عليه، حتى لا أعود لبيت اخوتي.
بعد مران طويل، صار جدي يتحدث الي قليلا، ويظهر محبته وعطفه. وصرت آنس للحديث اليه وتوجيه أسئلة كبيرة الحجم، غالبا عن الناس وتاريخ المدينة والعائلة. ولم يعد يتحرك من دوني، صرت كظله وموضع ثقته.
لقد سبق ان كتبت عن [جلولاء- سيرة مكان]/(موقع الحوار المتمدن- ع 2175 في 29/ 1/ 2008)، وأحاول عدم تكرار القول. لكن صورة جلولاء ترتبط بشخصية جدي، وصورة جدي ترتبط بجلولاء المدينة التي يعود بناؤها الحديث عقب الحرب العالمية الأولى وبناء الانجليز قاعدة عسكرية فيها، اقتضت بناء محطة سكك حديد رئيسة تربط بغداد بشمال العراق.
لكن تاريخ جلولاء قبل وصول الانجليز هو منطقة زراعية (لزم) لعائلة جدي. ولم تكن جلولاء يومها مدينة أو قرية، مستوطنة بشكل فعلي. أما موطن جدي أو أجدادي وبقية قدماء سكنة جلولاء فهو مديمة (قزلربات/ قزل اباد) التي صار اسمها (السعدية) في العهد الجمهوري.
كان جدي حتى زواجه مقيما في السعدية التي تبعد سبعة كيلومترات الى الجنوب من جلولاء. وكان لجدي عرزال/ مظال في الجزيرة التي يتولى زراعتها مع عائلته. وكان له غنم وماشية وراعٍ يعتني بها، ويسكن في المزرعة.
كانت المزرعة تغطي كل أراضي حوض نهر ديالى المار في صدر جلولاء، وفي وقت لاحق ابتنى جدي عددا من البيوت التي سوف ينمو عددها ليصل السبعين مع دخول الجيش الانكليزي والقوات المتحالفة معهم. وسوف يسكن عديد من أولئك العسكر مع عوائلهم في تلك البيوت، ولن يغادروها عند مغادرة الجيش، ومازالوا يُعتبرون من سكان وأهالي المدينة جيلا بعد جيل، ومنهم عوائل بولندية وهندية.
مدينة قزلربات من أنشاء المغول واستيطان الجيش المتخلف عن العودة. والطابع الاجتماعي والثقافي للمدينة تركماني بلهجة أذربيجانية، ومثلها مجتمع وثقافة جلولاء – التي تخضع لتكريد وتفريس قسري بعد (2003م).
التركمانية هي لغتنا الاصلية في البيت والشارع والمعاملات التجارية والخطب الدينية حتى سبعينيات القرن الماضي وبدء سياسة التعريب.
المدينة التي عشت فيها تنحصر بين سلاسل جبال زاجروس الشاهقة ونهر ديالى. والجبال مختلفة العلول ومتدرجة الألوان، على ثلاثة مستويات لونية وعلوية. ويتجلل اعلاها بالثلوج الدائمة، وعندما تذوب في الربيع، تنهمر سيول جارفة، تغرق المدينة بالكامل.
الجبال تعزل المدينة عن الحدود الايرانية التي تبعد حوالي خمسة وعشرين كيومترا. بينما تبعد جلولاء عن بغداد العاصمة حوالي مائة وستين كيلومترا باتجاه شمال شرق. ومن جهة الشمال والغرب يتهادى مجرى نهر ديالى العميق نسبيا، وعليه جسران، احدهما للسابلة، والآخر للقطار من انشاء الانجليز بين الحربين..
ومن ناحية الجنوب ثمة وادي (العوسج) الذي يمتلئ بالمياه خلال الربيع وتنحصر بيوتنا داخل جزيرة مائية. وتربة الوادي رملية صافية، تختلف عن تربة المناطق المحيطة بها. وكنت أحب الجري/ العدو في طفولتي على عادة الصعاليك، ولا أسير سيرا. أذهب للسوق عدوا، وللمدرسة عدوا، ولا يستغرق الأمر بضعة دقائق.
العهد الجمهوري كان وبالا على المدينة والمجتمع العراقي خاصة، وعائلة جدي تحديدا. دفعت عوائلنا لمغادرة جلولاء للمدن الأكبر في المحافظة والى بغداد، حيث انتهت معظم عوائلنا منذ السبعينيات. ولم يبق في جلولاء غير جدي وزوجته، الذي سيتوفى عام 1972م وتلحق به جدتي بعد خمس سنوات، ويبقى بيتهم الكبير مهجورا حتى يتحول إلى انقاض.
كنت آمل من العائلة ان تعود الى مدينة قزلربات القريبة، لكن عوامل الهجرة وظروفها السياسية والاجتماعية القاسية كانت ترمي للنسيان وقتل الذكريات، بحسب القول الشائع [لا أرى ولا أسمع ولا قلبي يحترق].
فالفقدان هنا مضاعف، فقدان جلولاء وفقدان قزلربات وكلاهما تخضعان للمحاصصة والمليشيات الكردية والشيعية الفارسية اليوم.
قام والدي ببيع منزلنا في جلولاء، وكان موظفا في دائرة البريد، تنقلنا معه في أكثر من مدينة. فكانت علاقتي بالمكان قلقة مضطربة. والانتقال بالنسبة لطلبة المدارس مؤذٍ ويقتضي التعرف على اصدقاء ومعلمين جدد في كل مدينة، وقد لا تطول الاقامة عاما حتى ننتقل. وفي بعض المدن، بسبب تحدثنا اللغة التركمانية داخل العائلة، كنا نحظى بالتمييز ورمي الاحجار وملاحقتنا من قبل عرب المدينة الجديدة.
كل هذا يجري ونحن نتحرك داخل بلادنا الأصلية والمحلية والثقافية. وفي لحظة القرن العشرين، كان الزمن السياسي يتنقل بسرعة ويبتلع ثقافة لحساب أخرى. فعقب الثقافة التركمانية خلال قرون طويلة، احدث الانجليز حكما عربيا هاشميا، - وكان الأحرى قيام حكم تركماني على غرار خديوية مصر-، ثم قوميا بعثيا شوفونيا، انتقل مع الغزو الامريكي (2003م) الى صراع فارسي بشقيه كردي قومي متطرف وشيعي ديني متطرف.
للخروج من كل الأزمة الثقافية والسياسية والقومية اخترت شخصيا الحياة في مدينة البصرة جنوب العراق والمرفأ على الخليج. وقد أحببت البصرة السمحاء بطبيعتها وسكانها وانفتاحها الثقافي والاجتماعي، وصرت جزءاً منها وهي جزء مني، حتى طاردني القدر ايضا وحدث ما حدث في حرب الخليج الثانية وفي إثرها، جاء قرار الهجرة والاغتراب الابدي.
أين هو المكان إذن، في حياتي، وأين أنا من المكان. انه المكان الممسوح والممسوخ. لماذا، لأنه من غير امتداد وتواصل. انا لست امتدادا مكانيا لوالدي ولا لأجدادي. ولا أستطيع أن أريك الآن البيت الذي ولدت فيه، ولا الحجرة التي ولدت فيها، ولا المكان الذي كنت ألهو فيه أو بدأت أول مطالعاتي ومغامراتي خلال الطفولة أو المراهقة أو البلوغ.
حاولت تعلم الاستقرار في النمسا، وقد جاهدت بشدة لتحقيق هذا الهدف. ونجحت. ولكن الغزو الأمريكي اللعين لاحقني حيث أنا. وعشت حالة نفسية وفكرية صعبة جدا تلك المرحلة، كنت بحاجة لفضاء بلدي أو مكان يقربني منه. وشكرا لكل بلدان العروبة والاسلام التي رفعت اللئامة شعارا لها، وكشّرت في وجهي بغير حرج.
(لو عدنه بلد ننخاه.. ما جيناج يا نمسا!)
وأقول نفس الشيء للندن التي لا يمكن أن أودها وكتبت ذلك في قصائد ومقالات.
بين المكان الجلولائي، والمكان البصري والمكان الاوربي النمساوي والانجليزي، أنا بلا مكان.
كل هاته الأمكنة تبقى معومة ومغيبة في ذاتي.
*
هل المكان في اللغة؟.. (اللغة هي المنفى!)..
هذا ما يردّده بعض الشعراء ببغاويا. وأنا أعرف، وأنا أكتب هاته الكلمات، سيفحمني كثيرون، وربما يزدرون الموضوع ويفنّدون معظمه، وسوف أتهَم بالغرور، كالمألوف، ويقول أحدهم: قابل بس هو يعاني، خو مو بس هو مغترب وفاقد بلده؟.. وما أسهل الكلام، وما أصعب الاعتراف، وما أسهل اللؤم وعقدة البر الذاتي!.
أضع يدي بيد سكان أشور وشنعار الأصليين، والسريان الأصليين وكل المهجرين والمقطوعين ثقافيا واجتماعيا من بيوتهم ومدنهم – ولا أذكر السياسة والدين، سبب كل بلوانا- أمام ما حصل ويحصل لهم. ومن كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر.
الحجر، لا تقذفه بعيدا، ولا تدعه يغادر أصابعك.
امسكه جيدا.. تحسّسه، تلمسه، امسحه على خدك، قبله،
امتص رحيقه.. وضع قطعة منه في جيبك، إلى جانب قلبك، بدل هاتف الموبايل،
التصق به جيدا، انه قطعة من أرضك،
قطعة من جسدك، انه ابنك وأبوك وجدك..
وعندما تفقد قطعة الحجر، وتفقد الأرض..
تنقذف بصاروخ نيوتروني محترق في فضاء اللامكان. تعرف انك بلا وطن وبلا أهل.
في نفسي حزن لجيل الابناء، لجيل الزمن الراهن، جيل الضياع وغياب الوطن.
نحن ضيعنا وطننا.
أما الذي وراءنا، فلن يعرفوا ما هو الوطن.
فالوطن غائب وجودا ولغة من تكوينهم.
الله يرحمك يا وطن!.