مباركة أنتِ بين النساء – شعر مهجة قحف – ترجمة لطفي حداد
كانت قصيدة "الجدّ" أوّل إنتاجها الشعري المميّز والناضج، وهي مهداة إلى جدّها محمّد مبارك، وحين قرأها والدُها قال لها بفرح: تبتهج القبيلة العربيّة لميلاد صبي وولادة مهر ونبوغ شاعر، فقالت: لكنّي أكتب الشعر منذ سنوات! فقال: لكنّ تميّزك ونضوجك يبدأ من هذه القصيدة. اليوم نبغ لنا شاعر.
هكذا تكلّم لطفي حدّاد الشاعر والأديب في مقدّمته لمجموعة "مباركة أنتِ بين النساء" للشاعرة الأميركيّة السوريّة الأصل مهجة قحف، وهي قصائد تأمّليّة في سيّدات شهيرات منهنّ مريم "أمّ عيسى" وهاجر "أمّ إسماعيل" وآسيا "أمّ موسى" وبلقيس التي رآها الملك سليمان، وتبلغ بمجموعها 22 قصيدة نقلها حدّاد ذاته من الإنكليزيّة إلى العربيّة بتوفيق يعكس دأبه في عالم الكلمة الأدبيّة والفكريّة، وهو الأميركي السوري الأصل أيضاً، ويعيش في ولاية أنديانا، وله في الشعر: "الحبّ يطرق بابي" و"يغزل حبّك دانتيلا المنفى" وغيرهما، وله في عالم القصّة والرواية: "الغرباء ونبوءة في صحراء" و"الأجراس تقرع في بيت لحم" وغيرهما، وفي الفكر له: "مانديلا سوريا / رياض الترك" و"زنزانة بلا جدران" و"يسوع التاريخ" و"الإسلام بعيون مسيحيّة".
ويؤكّد حدّاد أن الشاعرة مهجة قحف هي ثمرة حوار فكري ولاهوتي وأدبي بين حضارتين (الإسلام والمسيحيّة) ابتدأتا في الشرق ثمّ انتشرتا في الأرض قاطبة. وأردف أن الشاعرة التي في شعرها بحث عن الذات وعالم روحاني إنساني خالص إنتاجها الشعري تلفحه نسائم طيّبة من كتابات يوحنّا الصليب ودانييل مور الصوفيّة بإطار تواصلي مع المحدود والمطلق ـ الزمني واللازمني ـ النهائي واللانهائي.
والمتجوِّل في شعاب المجموعة التي تقع في 78 صفحة من القطع الوسط وصاردة عن منشورات مؤسّسة صدى المهجر الثقافيّة وتوزيع الدار العربيّة للعلوم ـ لبنان سيلحظ مدى الشكّ في نفس الشاعرة تجاه المدينة في كلّ زمان ومكان حيث أحزمة الفقر المدقع والنفي الداخلي والهزء والإستكبار و"هم كذلك أهل المدينة" مثلما سيلحظ إسقاطات من الزمن الراهن على الزمن الغابر لا تبدأ بالكلمة والفعل ولا تنتهي بالأمل ومنها: عصب العيون باسم الحريّة، والفوضويّة والنظام المضطرب، وفرعون والمحافظون الجدد، ولماذا يكرهوننا؟، ونستحق أن نملك الصحراء وكنوزها (النفط)، وهكذا تجري قوى السوق، وإلقاء القنابل فوق رؤوسهم، وإيمان أصولي وحشي، ويفجِّر نفسه في السوق، وطفلة تنتحر وسط الجنود المدجّجين بالسلاح، وعلينا أن نزيل الإرهابيين من الوجود وإلى ما هنالك، وهي إسقاطات لها وعليها، ومشروعة بشرط أن يكون لها مكانها في النصّ المبدع.
ومشارب الشاعرة مهجة قحف الروحيّة، وهي المولودة في دمشق سنة 1967 وحائزة على دكتوراه وتدرِّس الأدب المقارن في جامعة أركنسا حيث زوجها الدكتور نجيب الغضبان هو أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة ذاتها مشاربها الروحيّة هذه لا تحثّها على الدعوة لاستمرار تكامل الأديان تعارفاً وتودّداً وقبولاً بالآخر وحسب بل تحثّها شعراً أيضاً، وكما يظهر جليّاً في المجموعة وعلى نحو مباشر أحياناً، إلى معارضة اللجوجين في الدين والتكفيريين عموماً.
صحيح أن الألم هو طريق عند الشاعرة إلى المعرفة، إنّما المحنة والواقع المرّ لهما قصب السبق في الدعوة للبحث عن عالم آخر.
هنا قصيدة من المجموعة المترجمة إلى العربيّة، روحها هي العذراء مريم:
لو كنتُ أجد في الأرض متّسعاً ليأسي
وأخبئ نفسي كشيء منسي
في جذع شجرة ميتة مزدرى مثلي
ولا أسمع أو يسمعني أحد
مريم، هل سيتدفّق الماء من الينبوع؟
ما الثمار التي ستتساقط منّي؟
وأي صوت يدعوني
أن أشرب، وآكل وأعيش؟، مريم!
من أين تأتي الراحة عندما لا أملك شيئاً لأعطيه؟
لو أجد فسحة في الأرض!
مثلك يا مريم حيث سعف النخيل تمتدّ
لتحمي الشابات الوحيدات من العيون الوقحة
بحنان تعطيهنّ ظلاً مقدّساً
أخبريني أين أبحث عن مكان كهذا؟
وهل ستنحني السعف؟
أخبريني، مريم
لو أستطيع أن أجد!.
Shawki1@optusnet.com.au