"قصائد الإخوانيات" في حانة "جدل بيزنطي" في كاراكاس.. وكشْف المستور
"الإخوانيات" في "جدل بيزنطي" وكشْف المستور *
جلسة استثنائية بعنوان "قصائد الإخوانيات" نظمتها "حانة جدل بيزنطي" في كاراكاس، ضمن أمسياتها الشعرية التي تقيمها أسبوعياً مساء الجمعة. الجلسة كانت فكرة الصحافي والناشر والكاتب المعروف رياض الريس الذي كان جمع الكثير من هذه القصائد التي كتبها شعراء وذلك بعدما استضاف في بيته العديد من مثل هذه الجلسات. كما أشرف على تنظيم هذه السهرة الخاصة الصديقة فاطمة بيضون إضافة إلى الشعراء المنظمين في الحانة. وشارك في هذه الجلسة كلٌّ من الشعراء طارق ناصر الدين، عصام العبدالله، شوقي بزيع وحسن عبدالله الذين قدّمهم الشاعر جودت فخر الدين. في هذه التغطية نثبّت أبياتاً عديدة قيلت في المناسبة وكان الشعراء نظموها في مناسبات مختلفة، وذلك لأهمية هذه القصائد وموقع كاتبيها في المشهد الشعري العربي. وهي قصائد تنشر للمرة الأولي بعدما كان أصحابها رفضوا نشرها من قبل لأسباب سيقدّرها القارئ بعد إتمام قراءته لهذه التغطية.
بالطبع ليس شعر الاخوانيات جديداً في الأدب العربي. هو شعر يعود تاريخه إلى ماض قديم حين كان الشعراء يجتمعون في قصور الملوك ودواوين الأمراء وفي مجالس الشرب واللهو. كما أن الكثير من هذا الشعر كُتب كنوع من المبارزة أو المداعبة أو التحبّب أو حتى الهجاء.
صحيح أن مثل هذا الشعر لم يشكل عصب التراث العربي لكنه جزء أساسي من هذا التراث الذي ظلَّ حاضراً من العصور القديمة إلى يومنا هذا سواء في مصر على أيدي شعراء أمثال نجيب سرور أم لبنان على أيدي شعراء كتبوه في أوقات لهوهم واجتماعهم كما عند شعراء جبل عامل في لبنان أمثال موسى الزين شرارة، جعفر الأمين، عبد الحسين عبد الله، الشيخ محمد نجيب مروة وآخرين. حتى شعراء الخمسينات والستينات وبينهم شعراء مجلة شعر كتبوا هذا النوع في جلساتهم المغلقة أمثال بدر شاكر السيّاب، أدونيس، يوسف الخال وشوقي أبي شقرا. في كل حال، ثمة قيمة فنية لهذا الشعر وإن كانت قيمته السياسية والاجتماعية أوضح وأكثر حضوراً. شعر كهذا يكشف في جانب منه الحياة السياسية والاجتماعية لكاتبيه بطريقة مباشرة ليس فيها مواربة، ذلك أنه شعر يقوم على اللحظة والراهن، مستعيناً بمظاهر حياتية من زمن ناظميه، وكل ذلك بلغة تعكس مستوي الأدب في ذلك الزمن أو ذاك.
تأتي أهمية جلسة شعر الاخوانيات التي نظمتها "جدل بيزنطي" كونها أقيمت في وقت تشهد فيه بيروت حالة من التشنج والفرز والاصطفاف قلَّ نظيرها في التاريخ الحديث للبنان. هكذا تشكل هذه الحانة، التي دأبت على استضافة الشعر يوماً في الأسبوع منذ أكثر من سنة ونصف السنة، جزيرة في هذه المدينة المنقسمة إلى شوارع وطوائف وأحزاب وربما ثقافات مختلفة.
حانة تُعدُّ على ضيقها مكاناً رمزياً لحيوية العاصمة اللبنانية وقدرتها على إشاعة الفرح وتنشيط الثقافة وإحياء الأدب في وقت ينشغل فيه الجميع- سياسيين وجماهير ـ عن التأدب.
تقديم لاختبار الشعراء
إذاً، قدّم جودت فخر الدين الشعراء الأربعة بحادثة تدحرج هيثم الأمين (أستاذ جامعي في الأدب العربي وأحد روّاد جدل) من أعلى الجبل في بلدته الجنوبية الصوّانة فانكسر إبطه.
عندها كتب حسن عبدالله في هذه الحادثة شعراً:
تلقَّتـْك في شوق المحبّين رجمة فضمّـك منها سـاعدان وبـاطُ
وهل يتـأذّى سيـِّدٌ وابُنُ سيـِّد أخـو سيـدٍ بالسيـدات محـاطُ
يسارك مازالت يسارك في الندى وإن لفّـها تحت القمـاش قمـاطُ
وأنفـُك ما زال الأشـمَّ كعهـده وهل يَلجم الأنفَ الأشـمَ ربـاطُ
فما عابه خيط الطبيـب بعـالم بـه بعضُ أفـواه الأنـام تخاط
ثم ألقى جودت فخر الدين قصيدة نظمها لهذه الغاية ومنها:
والآن لا أبغـي هنـا تقديـْمَهـم لكنني ألقـي بهـم في المَعْـمَعَـة
لو قيـل لي قـدّم إلينـا واحـداً لأبيتُ معتـذراً ..فكيـف بأربعـة
كلٌّ يقـدّم نفسـه فــي شعـره فيكون إمـَّـا فطحـلاً أو إمَّـعـة
والشـاعر النِّحريـر يعرف أنـه فرس الرهان فإن جرى يجروا معه
جـاؤوا إليكم بالقصـائد فاحْكُموا هذا شجـاع بينهم أو صَعْصَعَـه
هـُم صحـْبتي لكننـا في الشـِّعر لا نـرْجـُـو التَّجـاملَ منـْفـَعـَة
في الشعر نُطْري مَنْ يُجيد ومن يسىءْ نـَفْـتـكْ به فتكاً ونلعن مركعه.
وبعد هذا التقديم الشعري انتقل في القصيدة نفسها واصفاً هؤلاء الشعراء في مقهى كافيه دو باريس حيث يجلسون يومياً:
حسـنٌ(1) بـه نجـْمٌ خفيـفٌ ظلَّه مستنْفرٌ، إن قيـل شيء زعزعه
ويخوض في موضوعه لا يرتجي إقنـاعنا أو يرْتَجي أن نقـنعـه
يهوي الجـدال بذاتـه ويحب إنْ راجعتَه في الأمـر أن يسترجعه
وتـراه يحكـي في العلــوم وفــي النجـــومِ وينبغـي مستسلماً أن تسمعه
أما السيــاسة فهـو فيها هـائج أبـداً ولا تدري الذي قد أزْمَعـه
في مجلس المقهى عصامٌ(2) قابعٌ هو ركْـنُه والوقت كأسٌ مترعة.
وختم جودت بالكلام على الشعر والشعراء:
والشعر تهذيـب النفـوس فكيــف أمسـى للعضــاريط السّفيـهة مـزرعة
فـي كـل يــوم تلتـقـي بشـُويْعـِر يهـديـك ديـوانـاً له قد وقَّـعــه.
أول الشعراء الذين تناوبوا على قراءة قصائدهم كان طارق ناصر الدين أو المير، أي الأمير، كما ينادونه بسبب اللقب الذي لحق عائلته منذ العثمانيين إلى اليوم. قصيدة ربما كانت الأجرأ تناول فيها الشاعر أصدقاءه في مقهي كافيه دو باريس ومقهى سيتي كافيه. وشملت القصيدة شعراء وروائيين وفنانين تشكيليين ورجال سياسة وحزبيين وصحافيين وأساتذة جامعيين جميعهم معروف في لبنان أو في العالم العربي على درجات، وهم بحسب ورودهم في القصيدة، عصام العبدالله، شوقي بزيع، حسن عبدالله، رشيد الضعيف، جودت فخرالدين، هيثم الأمين، زهير غانم، علي نصّار، موسى وهبة، خليل حكيم، عباس بيضون، ناجي بيضون، فيصل سلمان، علي سرور، صفوان حيدر، علوية صبح، خيرات الزين، منح الصلح، عبد الرحمن الزعتري، حسين كنعان، عدنان شرارة، رياض الريس، فاطمة بيضون، أحمد طبّارة، فيصل الطبش، غازي قهوجي، غسان مطر، جبران عريجي، نهاد حشيشو، زهير جيباوي وهاشم قاسم:
|
أحبـَّائي .. لقد أسَّسْـتُ تـاجـي |
بفضل هجـائكم فصفـا مزاجـي | |
|
وأشْعُـر أننـي ذئـْبُ القـوافـي |
وأنتـم تحت نـابـي كالنِّـعـاجِ | |
|
عصـامٌ ولْـدُ عبـْدَاللهِ يَـبـْـدو |
مَليـكاً فـوقَ عـرشٍ من زجـاج | |
|
إذا اصطـاد العجـوزَ جثـا عليها |
كـَفيـْـلٍ دونَ أنيــابٍ وعـاج | |
|
بكل عيـونه الخمسيـن يـَزنـي |
كما تـزني الرّمـال على البِـلاج | |
|
وشَوقي.. فـاق ديكَ الجنِّ زهْـواً |
فإنْ كَعَـرُوه قـَوقـَأ كالـدّجـاج | |
|
أتى حسَـنٌ كشَيْـبـُوبٍ بِرُمْـحٍ |
طويـلٍ.. وانْتـَخى تحت العجـاج | |
|
رشيـدٌ رُشْـدُه مِـنْ سـاق أنْثى |
صريـعُ الهوى أضاعتْه السَّـواجي | |
|
فمفعـول بـه زوجـاً تعيـسـاً |
ومفعـول بـه بعْـدَ الـــزَّواج | |
|
وجودت فاق برجَ المرِّ(3) طـولاً |
ويحْلم أن يطــولَ بلا اعوجـاج | |
|
يسـائل نفسه يَـلْـقى جـوابــاً |
وحيـداً ليس بعد سوى الكـراجِ(4) | |
|
وهَيـْـثَم سيِّـد الأبَـوَيـن لكـن |
بـلا أبَوَيـْه نُـوريُّ النَّـتــاج | |
|
إذا راقَـبْـتـَه سَـتَـراه دَومَــاً |
يُعـاقـِر أو يُنـاقـِر أو يهـاجي | |
|
علـي نصّــار باع الكعْـك يوماً |
فكـرَّس نفسه كأديـبِ صـاجِ(5) | |
|
ومُـوسـى لا كلـيـمٌ لا سميْـعٌ |
فخَمْسُ حواسِّـه قـيْـدُ العـلاج | |
|
خليــلٌ وجهُـه حَسَـنٌ ولَكــنْ |
بِلِحْيَتِـه الكثيـرُ مِن الأحــاجي | |
|
ورأس الشيـْب منتـَصب نـزولاً |
بِبَيـضُـونَيـه: عبَّـاسٌ ونـاجي | |
|
وفيصـلُ فَـصَّـلوه بـلا قيـاسٍ |
فَـنَطَّ وغَـطَّ في كـلِّ الفجــاج | |
|
وصفْـوانٌ أميـرُ الشِّعر فيـكـمْ |
فخيْـر الشعر جـاء من ارتجـاج | |
|
بَـدَتْ عُـلْـويَّـةٌ فينـا كصبْـحٍ |
مُثيـرِ الضّـوء عَـْبِ الإختـلاج | |
|
تَهُـمُّ بهـا عُـيُـونٌ جـائعـاتٌ |
كلَـيـلٍ هَـمَّ إثـْماً بالسِّـــراج | |
|
وخَيــراتٌ مواسِمُهـا حــرامٌ |
علينـا .. نحنُ كالمـاء الأجــاج | |
|
فـلا خصبٌ ولا وعْـدٌ بخصـبٍ |
لقـد فرغ الرَّصيـد من القِجــاج | |
|
ومن مقهى الحزيـْـنة تابعــوني |
إلى مقهى المديـْنـــة غير راج | |
|
فهـا مُنـَحٌ كَـدبُّــور تَشَظَّـتْ |
مَعَاقِصُـهُ فـأزَّ على انْـزِعـاج | |
|
وعَدْنـانٌ غـلامُ الأنْـسِ فيْنـــا |
بعَـذْبِ فـمٍ تَعَـرْكَـج بالـدِّراج | |
|
وحُمْـرَةُ خـدِّه روج الصَّـبــايا |
وسَحْـبَةُ سـاقه خبـزُ الكِمــاج | |
|
ريـاضٌ ريّـسُ النَّـشْريـن كتْـباً |
وأعراضـاً أقـول ولا أداجــي | |
|
مُلوكـيُّ الرؤى والفجـرُ صــاحٍ |
وسُـوقيُّ الهـوى والليــلُ داج | |
|
وفـاطمـةٌ مواقـِفُهـا حـَديــدٌ |
وحتى بحِصِّـهـا دون انْــزلاج | |
|
وفيصلُ حجُّـنا المبْـرورُ طَبْـشٌ |
وبَطْـشٌ من سيـوفِ بني عجـاج | |
|
ولـولا السكَّـريِّ لكـان فحْــلاً |
تحيـط به الأرامـل بابْتهـــاج | |
|
وغسَّـان بِـلا مَطَـرٍ يَبـــاسٌ |
ونقـْصٌ مثـل أمـوال الخــراج | |
|
وجبـرانُ العُـرَيْـجيُّ المُغَـنِّـي |
على ليــلاه ظـلَّ بلا انْـدمـاج | |
|
أراد الحزب(6) حصناً كيف يبنـي |
وبابُ الحصْن مخلـُوعُ الرّتـاج؟! | |
|
أحبـائي .. أنـا قد نِلـْتُ منْكُـمْ |
خـذوها من يـدي دون انْـزِعاج | |
|
لأنَّ المّـدحَ عـارُ الشّعـر دومـاً |
فأجْمَـلُ مـا نقـومُ به التَّـهاجي. |
|
(1) |
أي حسن عبدالله |
|
(2) |
عصام العبدالله |
|
(3) |
أطول بناء في بيروت |
|
(4) |
عنوان آخر كتب جودت فخر الدين |
|
(5) |
يقصد رواية بائع الكعك لعلى نصّار، والصاج تعني التنّور في المحكية اللبنانية |
|
(6) |
جبران كان رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي |
شاعر المحكية عصام العبدالله الذي نظم سابقاً العديد من الشعر الكلاسيكي من غير أن ينشره، اكتفى بقصيدة واحدة مقتضبة بعنوان "اللحم" نثبّت هنا معظم أبياتها:
|
اللَّـحمُ أم شحْمُ المطـابع والورقْ |
والحبر أم كأسٌ يُحَبْحِبُـها العرقْ | |
|
أكلـوا الحروف فأمسكتْ أفكارُهم |
وتليـْنُ لو أخذوا مع الرز المَرق | |
|
يا ريّسَ الزّمن الضّحوك ونجمَه(1) |
ورفيـفَ ملح الناس والناسُ حُرق | |
|
ركبـوا العواصف أنتَ أدري بالذي |
يهوى السِّباحة أو ينـاضلُ للغرق | |
|
رمضـانُ ليـل، ألصِّيـام نهـاره |
والليـل أحلـى للمَوَدَّة والشَّـبـق | |
|
والصُّحْبُ نَحْـلٌ والمَوَدَّة شهْدُهـُم |
ولَهـُمْ طنيـنٌ.. إنّهـم آخرْ رَمَق | |
|
قـاموا وقد أخذ الخـوانُ عقـولَهم |
بَدَلَ الصّـلاةِ، الطّيباتُ لِمَنْ سَبَـق | |
|
إخلـَعْ عليهمْ يـا رياضُ خليْـعَـة |
أو صُبَّهـا صبـَّاً فكأسُكَ مِنْ حَبَقْ. |
|
(1) |
يقصد رياض الريس |
شوقي في غيبته الكبرى
الشاعر شوقي بزيع أثبت إلى جانب الشاعر حسن عبدالله قدرة على النظم مع حسّ الفكاهة العالية. وقد قرأ شوقي ثلاث قصائد، الأولى بعنوان "الكلام الكيّس في بلاط رياض الريّس"، كأنْ هو عرسُ بين نهرين التي ودّع فيها العزوبة بعد الخمسين بزواجه من ريم ضاهر التي تصغره بنصف سنوات عمره، وثلاثية اليمن التي نظمها بالاشتراك مع أدونيس، عبد العزيز المقالح وجودت فخر الدين. وأبرز ما ورد في القصيدة الأولى التي بدأها بالحديث عن تقدّم العمر وفوات فرصة الزواج:
|
ذَوَتْ وردةُ الأيـام والرُّوح تَيْبسُ |
وأنتَ على صخْر التَّمنّع تجلُـسُ | |
|
وحيداً ولا إنسٍ بحمْـراءَ سِنْتـِرٍ |
يعزِّيك أو أنثـى عليـْكَ تُبَهْـلِسُ | |
|
تُحدّق في قلب الظـلام بطرحَـةٍ |
تلـوح وتخبـو ثم يلمـع محْـبَسُ | |
|
تجاوزتَ سـِنَّ الأربعيـن بستَّـةٍ |
وأشْهَـرتَ أسنـاناً علاها التسَوُّسُ | |
|
فحدِّق بِحَسُّـونٍ ومحفـوظُ قـبلَـه |
وخاطرُ والصُّحبُ الذين تعنَّسوا(1) | |
|
وخذْ عبـرةً منهمْ وقد راحَ بعضُهمْ |
يبول على بعضٍ وبعضٌ يُهَلـْوِسُ | |
|
ولدتَ ببرج الْجَدي حتى إذا نَمَـتْ |
قرونُك في الأعوام رُحْت تُـتَيـِّسُ | |
|
كفـاك عناداً فالرّفـاق تسـاقطـوا |
معـاً بَواليـن المنـاعة نَـفَّسـوا | |
|
وصَحْـبُك لكُّوا صوفةً حول ذيلِهـم |
فليس بهـم إلا أصـمٌّ وأخـْـرَسُ | |
|
تنادوا إلى قصر الحريريْ(2) جميعُهم |
فلمـا أتى صلُّـوا عليـه وملَّسـوا | |
|
وهذا إلى قصر المصيلح زاحفٌ(3) |
وذاك من الأعْتــاب لا يتَـكنَّـس | |
|
وهذا إلى السلطـان يرفـعُ مدْحَـه |
وهذا أيـادي الحاكميــن يبَـوّس | |
|
وما همَّهمْ فَـقْـرُ العبـاد وجوعُهمْ |
وما همَّ مَن يمضي ومَـن يتَـرَأّس | |
|
بل الهمُّ أن تبقـى الولائم رحْـبَـةً |
ويكثر معْمـولٌ ويحلو مُلـَبَّـس(4) | |
|
دع الغمَّ وارحلْ نحو فدم غضَنْـفَرٍ |
يُسمّى ريـاضاً والعشيـرة ريِّـس | |
|
له دار نشْـر لا يُشُق غبـارهـا |
ولا ضمَّ ما تحوي من العلم فهرس | |
|
نقـيٌ كأن الثـَّلجَ بعضُ صفـاته |
كريمٌ ومَن جـاروا أيـاديه أفْلَسوا | |
|
وليس، وقد هامتْ به وردةُ الندى، |
يجاريه مَن زكُّوا وضحُّوا وخمَّسوا | |
|
ترى الناس أفواجـاً على باب بيْته |
فكُـردٌ وأعْرابٌ وفرسٌ وشَركسُ | |
|
يسـابقُه غليـونه نحـوَ ضيـْفه |
ويحميه من شمس الضغينة بُرْنسُ | |
|
وتحنو على أركيـْلة الشِّعر كفُّـه |
فيرقص تِنْـباكٌ ويزْهُـو مُدَبَّـس | |
|
له دار نشْـر لا يُشُق غبـارهـا |
ولا ضمَّ ما تحوي من العلم فهرس | |
|
نقـيٌ كأن الثـَّلجَ بعضُ صفـاته |
كريمٌ ومَن جـاروا أيـاديه أفْلَسوا | |
|
وليس، وقد هامتْ به وردةُ الندى، |
يجاريه مَن زكُّوا وضحُّوا وخمَّسوا | |
|
ترى الناس أفواجـاً على باب بيْته |
فكُـردٌ وأعْرابٌ وفرسٌ وشَركسُ | |
|
يسـابقُه غليـونه نحـوَ ضيـْفه |
ويحميه من شمس الضغينة بُرْنسُ | |
|
يحيط به من آل عبدالله فـارس(5) |
شديـدٍ على الأعداء أمْردُ أمْـلس | |
|
تراه على الكورنيش يجلس ساهماً |
يأصئص بِزْراً إن تعـذَّر تُـرْمسُ | |
|
ويجمع ما لا يجمع الْجِـن عقلَـه |
فطـَوراً عروبيٌ وطوراً مفَـرْنَسُ | |
|
يحدّث حيناً في الشّاوِرْما وأصلِـها |
ويبصر عظـمَ الفكـر إذْ يتَكلَّـس | |
|
على حذَرٍ يمشي كـأنْ وهو مُقْبِلٌ |
يــداه على أقـدامـه تتجـَسَّس | |
|
ويبدو عصامُ الفـذُّ كالدّيـك جالساً |
إذا صاح في المقهى فلا صوت يَنْبُس | |
|
ويأكُـل صحنَي لوبِيـاء بِلُـقْمَـةٍ |
ويقطُـرُ مِن فَـكَّيه فـولٌ مُدَمَّـسُ | |
|
يُمَشْوِرُ في الحمْـرا ذهـاباً وجيئة |
ويشْلـح كالبرق الثِّـياب ويلْبَـس | |
|
وأما الغلام الغُرُّ يحيى بْن جابرٍ(6) |
فسـاع إلـى أمجـاده مُـتَحَمِّـس | |
|
لشِدَّة مـا يهْوى النَّميْـمَـةَ قلـبُـه |
ينـمُّ علينـا مثلمــا يتـنَـفَّـس | |
|
يؤلِّبُ بعضاً ضِدَّ بعض ويـدّعـي |
حيـاداً وللحرب الضَّروس يُؤسِّس | |
|
وحدّث عن الحسّون روحــاً فإنه |
هزبْرٌ(7) بحب الغانيات موسْـوَس | |
|
إذا خطـرتْ بنـتٌ أمـام عيـونه |
يكـزُّ على أسنــانه يتـأمَّــسُ | |
|
وإن لاح باضتْ في يديـه دجاجـةُ |
المعنى وصيصانُ البلاغة فـقّسـوا | |
|
مضى العمر ما حققْتَ مجداً ولا غنىً |
وهل يغتَـني الإنسـان وهو مدرِّس | |
|
فمـا ترتجي والبنيويـون قد بنـوا |
بنايــاتهم والألسنيـُّون يُلَحْـوسوا | |
|
لِتَعْـذُرْ يراعي يا ريـاض فإننـي |
بما حدَسَتْ نيـران قلبـك أحْـدُس | |
|
وراءك أنّـى شئتَ يا خيـرَ ريِّـس |
فإن نِمْتَ نِمْنـا أو تثاءبْتَ نَنْـعسُ. |
|
(1) |
يقصد حسن عبدالله، الشاعر والمسرحي الذي رحل قبل عام ونيّف عصام محفوظ والناقد نزيه خاطر الذين تجاوزا الستين ولم يتزوجوا |
|
(2) |
قبل استشهاده |
|
(3) |
قصر الرئيس نبيه برّي |
|
(4) |
نوعان من الحلوى |
|
(5) |
يقصد القاص عماد العبدالله |
|
(6) |
الشاعر يحيي جابر |
|
(7) |
أي أسد ويقصد حسن عبدالله |
بعد هذه القصيدة قرأ بزيع قصيدة طويلة كان ألقاها في عرسه، مودّعاً بها عزوبته بطريقة طريفة، منها هذه الأبيات:
|
خليليَّ جرّانـي إلى قَدَري جـرّا |
فمثـل الذي ينتـابني الآن ما مرّا | |
|
وردّا على عينـَيَّ سحرَ طفـولة |
تسيل على الأطلال دمعتها الحرّى | |
|
وقصّـا على الأجيال قصة شاعر |
تحكّـمَ حبُّ الغانيـات به دهـرا | |
|
تقـلّب في مضـغ اللذاذات فكُّـه |
فمـا لحمةٌ إلا ويَزْلُطهـا هبْـرا | |
|
خليلـيَّ قودانـي إلى القفص الـذي ارتضيـتُ فقد صارت عزوبيـَّتي ذكـرى | ||
|
ونوحـا على الباب الذي أنا داخلٌ |
كما دخل المهديُّ غيبتَه الكبـرى. | |
أدونيس يفتتح هجاء الطائرة
بالطبع اكتفينا هنا ببعض الأبيات لطول القصيدة وقصر المقام من جهة ولإفساح المجال للقصيدة التالية التي كتبها كلٌّ من أدونيس، جودت فخر الدين، شوقي بزيع قبل أن يضيف إليها عبد العزيز المقالح مقطعاً آخر، ليكتب شوقي مقطعاً إضافياً في بيروت في زاهي وهبي عندما استضاف الدكتور خالد الكركي. أما مناسبة القصيدة الأصلية فهي سفر أدونيس وفخر الدين وبزيع إلى اليمن على طائرة يمنية. وقد طلبوا الخمر فقيل لهم لا يوجد خمر على الخطوط الجوية اليمنية.
عندها قال أدونيس: لنهجُ هذه الطائرة وبدأ بهذا البيت:
|
وطيّارةٍ شمطـاءُ مِن دون خمْرةٍ |
ركبنا بها يوماً وطرْنا إلى اليمنْ | |
|
فلا امـْرأة نفتـضُّ ليل جمـالها |
ولا كأس تروينـا ولا ذَكَرٌ حَسَنْ | |
|
فيا حمْيـَرَ التاريخ كيف خدعتِنـا |
عروبـة هذا الدهر أشبه بالكفـنْ | |
هنا أردف جودت فخر الدين:
|
صحونا عليها صحوةً حميريَّـةً |
فمـا هزّنا سكرٌ ولا راقنا وسَنْ | |
|
وبتنـا كأنـا في سماواتِ محنة |
أكان علينا أن نطيـر فنُمتحـن؟ | |
|
أيـا زمناً يجري بنا دون بهجة |
تراك ستبقى غـافلاً أيها الزمن؟ |
بعد ذلك نظم شوقي بزيع ثمانية أبيات منها:
|
إذا لم يذق منهـا أدونيسُ جرعـة |
فمن يستحق النهل من كأسها إذن؟! | |
|
ولو أنسيْ الحاجُ ما ذاق طعمهــا |
لمـا قال أشعاراً ولا كان باض لن | |
|
أطيــَّـارة هـذي التــي تحت أم أنـَّـا لفَـرْط الغيـظ نركبُ كـَـركَـدنْ | ||
|
ونَهْمِزُهـا همْزاً إذا حَرَدَتْ بنــا |
وإن برْطَعَتْ تِيـْهاً شَدَدْنا لها الرَّسَنْ | |
ثم أضاف عبد العزيز المقالح في اليمن إلى هذه الأبيات:
|
إذا كنتَ في صنعـا ولم تكُ سـاكناً |
ببرجٍ لغمضـانٍ فمـا أنت في اليمن | |
|
فـلا شعـر إلا في سمـاء سمائها |
ولا وزن إلا في مرابعهــا سكـنْ | |
|
ولا عبـَرتْ خيل الحَريْري بساحها |
ولا حِصَّ بعد الآن يعلو ويصعـَدنْ | |
|
حمى الله صنعـا من شرور كثيرة |
فلا مسَّـها ضـرٌّ ولا نـالها حزن |
بعد ذلك كانت أبيات لجودت وشوقي ثم قفلة ببيت من نظم أدونيس:
|
سـلام عليكم يا غـواةُ فشعركـم |
كوحـي ولكن لا سمـاءَ ولا سننْ. |
حسن عبدالله المعروف بذاكرته التي تحفظ الكثير من الشعر الكلاسيكي القديم وقدرته على النظم وتماسك لغته، لكن المعروف أيضاً بقصيدة التفعيلة الحديثة التي كتبها مطلاً منها على المواضيع اليومية بلغة سلسة ومقطرة وبأسلوب رشيق، مؤسساً بالفعل شعراً واقعياً وملفتاً قلَّ نظيره بين أقرانه، قرأ قصيدة في مديح رياض الريّس بعنوان "حوله نتشمَّس" نذكر منها هذه الأبيات:
|
رئس الكـرامَ من الأنـام الريّـسُ |
الكـاتب الفـذُّ الظريـفُ الكيّـسُ | |
|
كالشمس حين يطلُّ يبعثُ شخصُـه |
دفئـاً فنجلس حـولَـه نتـشَمَّـس | |
|
ويطيـب مجلسه ويحلـو قـولـُه |
أبـدأً، فمـا أحدٌ هنـالـك ينعـَس | |
|
أبـداً ومـا أحدٌ هنـالـك ينْـبس |
أبـدأً ومـا أحدٌ هنـالـك يعطـس | |
|
ذو الحـاجة المحشور يضغط نفسه |
ضغطـاً ويحبس بـولـَةً لا تُحبس | |
|
والكـلُّ مأخـوذٌ بسحر حضـوره |
والكـلُّ من عذْب الكـلام مسرْخس | |
|
رجـُلٌ إذا مـدَّ الولائــم للقـرى |
جـاعت بنا قبل الجسـوم الأنفـسُ | |
|
النـاشرون عـداك معظم نشـرهم |
مـرُّ المـَذاق وفـاسدٌ ومسـَـوَّس | |
|
النـاشرون عـداك يَنْشُر عرضَهم |
قـُرّاؤهم .. فكِتـابـُهم لا يـُؤنـس | |
|
غــالٍ وخــاوٍ كلـَّما أدنيْـتَـه |
للعين يدركـُك النُّعـاسُ فتنـْـعس | |
|
ما ضـاقت الدنيا على أحـرارهـا |
كـلا، وفي الدنيا ريـاضُ الريّـسُ | |
|
إن تـاه خـِلانُ الصّفــاء فبيتـُه |
في بلسَ(1) موجـودٌ لكي لا يبلسـوا. |
|
(1) |
شارع الجامعة الأمريكية في بيروت |
أرسلها الأديب الشاعر شوقي مسلماني - 17/05/2007