البشرية لم تقل كلمتها بعد

روبير غانم قرأها 6
  

كأنها خرساء! أجل. البشرية، هذه المرة، برمتها: لم تقل كلمتها بعد... منذ ما قبل "البيغ – بنغ"، الانفجار الخلائقي الذي انشأ الكون حتى هذه اللحظة بالذات.

نقول، تقولون، يقولون: وما هي مواصفات هذه الحضارة التي انشتلت على الكوكب الأرضي منذ انشائه (وجودياً)، رغم ان "الوجود أبعد من كل موجود"، كما يقول هايدغر، ونحن بدورنا نجيب عن هذا التساؤل الصافع الكاوي صارخين بحسم: هذه الحضارة، بل الحضارات كلها، لا تمثل سوى ثرثرات سرابية خادعة، بنسب مختلفة، طبعاً، لأن الذين طبعوا بصماتهم على صفحات التاريخ، في مختلف المجالات، وبنسب مختلفة ايضاً، لا يستطيع العقل (الفكر) المتمثل بالكائن (الإنسان) ان يتجاهل ما قدّموه للبشرية، وفي مختلف المجالات كذلك، مع ان هذا "التقديم" لم يقدّم شيئاً عظيماً مغايراً لما يجب ان ينوجد. استطاع، مثلا، ان يقتحم الزمان والمطلق (المطلق والزمان)، وهاتان كلمتان لم توضعا لمشهدية التنميق المبهر، بل هما، من جوانب متعددة، تشكلان "الكل" وسط جزائر من الأجزاء المتناثرة كأوراق الخريف الصفراء الذاهبة الى ترابية الارض وليس الى شفافية السماء.

هذا هو الكائن (الإنسان)، كما يجب ان يكون، يعني ان يصير، والا سيظل مشتّتاً مفتّتاً شَحوب التطلعات، هرباً من الجدّية والتحدّي الضروريين في التوغل الى مدائن الخيال وأقاليم النفس، الذي، إن لم يسعَ الى إدراكها، يظل إنسان الهامش وليس إنسان الابتكار: كائناً، يظل، مجوَّفاً بلا هوية. "حيوان ناطق"، كما وصفه أرسطو، الذي أراده ناطقاً بالمُثُل الأفلاطيونية: الحق والخير والجمال، وليس بالكذب والشر و"القباحة".

الى هنا، وعبر الهنالكات المتمادية غموضاً واستشرافاً وافتراضات، نطرح المشكلة الأساس في موضوعنا (الدراسة النسبية)، معلنين ان الفكر البشري لم يقدّم في مجالات الأدب والشعر والفلسفة، والفنون بعامة، كما في المجالات الثقافية المبدعة والمتشعبة سوى نزر يسير لم ينفلش على الأمداء الكونية ليحولها من حالة الركود الى حالة الغليان البهائي الذي يحقق المستحيلات.

على هذا الصعيد، يجب ان لا ننسى ما فعله ويفعله الاجترار والسلفيّات والتقليديّات والممنوعات على اختلاف أنواعها والأشكال، مما أضرّ وأخّر كثيراً بروز "ما يجب ان يكون" الى العالم، مخترقاً السدود والحدود، بل حدود اللامتناهيات وفضاءات التخيل، كما حدده هيغل، حيث يبعدنا، عبر المجاز والحتمية التاريخية كما حددها توينبي الى عوالم اخرى غير هذا العالم المعروف، وأكوان اخرى غير هذا الكون "المعروف"، متخطياً التخيل – الخيال العادي المشترك لدى جميع الناس، متحدياً الممنوعات كلها، مبتكراً ما لم تره عين وتسمع به اذن، وبهذا يكون الفكر قد راح يلعب دوره الطليعي الرائد، مستوحيا أفلاطون في دعوته من خلال "الجمهورية" الى ترك الكائن (الانسان) يفعل ما يريد، على مختلف الصعد، ضمن حدود معقولة لا تشكل عوائق تمنع الفكر عن سَبْر المطلقات والازمنة التي لم تأت وربما لن تأتي ابدا.

اذاً، عبر هذا المنظار، تكون البشرية "لم تقل كلمتها بعد"، ويصبح ضرورياً جدا على جمهرة الخلاّقين ان يتهيأوا لاقتحام المطلق والزمان، ليكونوا خير سفراء الى المعرفة التي بدون التوصل الى حدودها، مثلا، او فتح ثقب، مهما كان صغيراً، في جدرانها المتوهمة، يظل العجز الخلاّق هو سيد الساح، ويظل الثوار الحقيقيون في عالم المعرفة، يتشاسعون في عالم التأوهات والحسرات، لأنهم يلمسون بأيديهم مرارات التخلف البشري الذي يغلّف هذا الذي "يُرى"، كما ذاك الذي "لا يُرى".

عبر ههنا نعلن صادقين مأزومين منفتحين على آفاق التشبث باختراق طبقات الوعي الى اللاوعي المدرك، ان الخفر المصطنع والتقليد التفيه المسطح البالي هما في أساس عدم جعلنا نفتّق براعم الإدهاش اللامنظورة وصولاً الى ابتكار دنيا من الحروف والكلمات، كما عبر الريشة والإزميل والوتر: الى دنياوات من الرسم والنحت والموسيقى والتمثيل، تكون – الدنيا – ذات حضور يجذّرنا في أرض النبوءات القديمة الاستشرافية، كما في أرض النورانيات المعاصرة، حيث لا يكفي ان نتسلق سلالم حضارة الخارج البرانية (التكنولوجيا) بل ما هو الأهم، تسلُّق حضارة الداخل (النفس – المعرفة): و"تحسب انك جرم صغير/ وفيك انطوى العالم الاكبر".

من هذه الزاوية نخرج الى مقولات تعلن ان فعل الكتابة، والخلق بعامة، يصير حالاّ في شرايين مدائن البهاء، متى تحول الكائن (الانسان) عن نسيان ذواته في دواخل البلادة ورفع العتب الكتابي والفني، وكأن عملية الخلق ليست سوى مدمكة أفكار ترابية فقط، الى فعل ملفوح بنكهة النبوءات التي تعطي المعنى كله لعملية الخلق الابداعي، وعند ذاك، تنوضع البشرية على الخط المؤدي الى الانبهار، لا بأثر تقليدي من هنا او هناك، بل بأثر يخضّ بال التاريخ ممهدا لكتابة أسفار تكوين جديدة، تمهد بدورها لمستقبلية في تطوير اللغة وتفجيرها من الداخل، كما الريشة والازميل والوتر، وآنئذ نبدأ في انتظار ولادات جديدة تتخطّى الممنوعات كلها، تلك التي تحذّر ببلاهة من اختراق التقليد، لا الى تجديد فحسب، بل الى استحضار عملية خلق مبتكرة توصل الى الحقائق والمعارف، واذا سقطت في منتصف الطريق، يكون لها شرف المحاولة، وفي هذا يتنزه المجد الابداعي كله بين التمايز والتغاير، وتزدهر الحروف والكلمات وتغصّ بالمعاني والمباني المتفوقة.

اعطوني لغة جديدة، كل لغات الأرض لا تتّسع لأفكاري. أجل، يقولها ايّ هجّاس رهّاص وابن حدس، يكون، في تكوينه الأساسي، مهيأً لاختراق العادي والمألوف كما حجب الزمان، وهدّافاً لكشف الستائر عن النوافذ الناقلتنا الى مستقبل الإضاءات والبهاءات التي وحدها تجعل النور يتهاطل في شرايين خيالاتنا وتخيلاتنا، فلا نعود مشرّدين في أودية التّيه والبهتان والنفاق وطعن كرامة الخلق في أعمق أعماقها، كما لا نعود نتكاذب ونتخادع لنقدّم أدبا يعشش فيه البرص، وينشتل في أرض جدباء قحلاء لا تنبت سوى القحط والقتامة.

خلقنا اليوم في غرفة العناية الفائقة، ولن يستفيق من الغيبوبة المهلكة، الا متى تحوّل القلم والريشة الى منارة تهدي الى كيفية كسر طوق الممنوعات، وتنشيط الميول الهادفة الى ابتكار عالم من الإبداع، تكون مسافاته مسوّرة ببهاءات لم يشهدها الفكر والخلق بعامة، منذ اندلاع اول لهب خلاّق في بداية التاريخ المدون حتى اليوم.

"على قلق كأن الريح تحتي..."، ولأن الفكر يقود العالم، فهذا "العالم" الهش المتآكل، لن يكون خلاصه الحقيقي الا على أيدي من لم يقولوا كلماتهم بعد، وسيقولونها: طالعة من جراح الزمان النازف دماً ودموعاً، حيث يتحول الجرم الى قصيدة نبؤاتية، كما تتحول الحروف الى رقي روح يصعد بالخلاّقين الحقيقيين الى سماويات الألق والتجدد والنقاء الكوني.

وحذار حذار من إبقاء عالم أخرس، حتى لو أغرقه طوفان الحروف والكلمات التي تبقى تراوح مكانها.

انها أفظع جريمة ترتكب في الأزمنة والأمكنة كلها. من هنا، فـ"الأفضل لو لم يولدوا"، يصحُّ القول آنئذ عن الجميع. وهنا تكمن المأساة، بل الفجائع، على الطريقة اليونانية، ولا يعود إنتاج البشرية صالحاً سوى للكبّ في عتمات العقم المؤذي.

الطريق شاقة جداً، لكنها سالكة في الوقت نفسه، متى توجّه المبدعون الكبار شطر تخطّي الممنوع وتثوير الخلق النبؤاتي.

وسيتوجهون، فحتمية التاريخ لا تمزح، وما علينا سوى الانتظار.