التَّصَوُّف والشِّعر

فؤاد أفراس قرأها 6
  

فؤاد أفراس *

التصوف والشعر بينهما أكثر من علاقة التقاء لا يمكن حصرها وتحديدها ولقد أكدت الدراسات المعاصرة على الصلة الوثيقة بين الشعر والتصوف (...) وأرجعوا ذلك إلى أسباب شتى من بينها:

أ_ تشابه تجربة الشاعر المعاصر بتجربة الصوفي فهما معا يرتبطان بالوجود (...)

ب_ إن الشاعر المعاصر يماثل في طريقة تعبيره طريقة تعبير الصوفي، هما معا يميلان إلى اللغة التي تكتفي بالإيحاء وتتجنب الوضوح (...) 1 وهكذا فالشعر والتصوف يتقاطعان في جملة أشياء مثل: التعويل على الخيال والذوق والحدس والحلم لتحصيل شكل مختلف من المعرفة غير تلك المعرفة التي أداتها العقل وكذا التقرب والاقتراب من الوجود ليس بوصفه موضوعا للمعرفة مستقلاً عن الذات وإنما بوصفه تجربة تعاش وتكابد ويتم التوصل إلى كل ذلك باستعمال لغة تقوم على الرمز والإشارة والتكثيف والإيحاء... وهكذا سنعمل على إيجاد بعض نقط التقاطع بين الشعر والتصوف من خلال: المعرفة التي ينتجانها ومن خلال اللغة التي يوظفانها.

أولا: المعرفة إن آليات المعرفة الإنسانية تختلف وتتنوع بتنوع المعرفة ذاتها فـ(.. المعرفة هي تحصيل ما يمكن إدراكه في أي ميدان من الميادين بشكل منظم فتشمل ما يدرك بالعقل كالرياضيات والمنطق وما يدرك بالحس والتجربة كالطب والفيزياء والكيمياء وما يدرك بالذوق والخيال والعاطفة كالجمال...) 2  وهكذا يمكننا أن نرجع المعرفة الإنسانية إلى مصدرين أساسيين: فهناك المعرفة النابعة من العقل والفكر والمعرفة النابعة من الحدس والحلم والخيال وإذا كانت المعرفة الأولى متأتية وشائعة فإن المعرفة الثانية تبقى غامضة ومنفلتة فـ(هناك سبيل آخر للمعرفة لا يتوصل إليه بالحواس وليس في متناول العقل وحده (... ) ذلكم هو الوحي الذي يحمل ما عجز عن الوصول إليه، فإذا ما أخذنا مفكراً كبيراً معاصراً كأرنولد توينبي ليلقي لنا ضوءاً على هذه الظاهرة خاصة وعلى سبيل المعرفة ومصادرها عامة لوجدناه يقول: إن هناك أسلوبين لإدراك الحقيقة أولهما الأسلوب العلمي الذي يعتمد على التجربة و المشاهدة و الأخر هو الأسلوب الذي يفيض من الداخل، والحقيقة التي نصل إليها عن طريق الأسلوب الأول تسمى الحقيقة العلمية بينما تسمى الحقيقة التي نحصل عليها عن طريق الأسلوب الثاني بالحقيقة الشعرية ويقول: إن المشاهدة القابلة للفهم على السطح الشعري من اللاشعور تسمى النبوة) 3 إذن فالمعرفة العقلية هي معرفة موضوعية ومعاشة على مستوى الخارج والظاهر بينما المعرفة الشعرية أو الصوفية هي معرفة ذوقية حدسية وذاتية ومعاشة على مستوى الداخل والباطن وهكذا (فإن الصوفية ميزوا بين علم النظر وعلم الأحوال وعلم الأسرار وكشفوا عن محدودية الأول بينما مجدوا علمي الأحوال و الأسرار لأنهما ينبنيان على الذوق والتجربة ويتجاوزان طورالعقل) 4 والعقل بالنسبة للصوفي مذموم ولا يعول عليه في إنتاج المعرفة والوصول إلى الحقيقة فـ (الوجود في الرؤية الصوفية ليس موضوعاً خارجياً يدرك بأداة من خارج كالعقل والمنطق إن مقاربة الوجود بوساطة العقل التحليلي المنطقي لا تزيد الإنسان إلا حيرة وضياعاً: تبعده عن نفسه وعن الوجود في آن..) 5  وهكذا غاص الصوفي في أعماق ذاته متوسلاً بالخيال والذوق وبمعايشة الأحوال ومكابدتها فـ(.. ليس للعقل مدخل بعلم الأسرار لأنه ليس من دركه (الفتوحات) (...) علم الأحوال لا سبيل إليه إلا بالذوق فلا يقدر عاقل على أن يحدها ولا يقيم على معرفتها دليلاً البتَّة كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر ولذة الجماع والعشق والوجد والشوق (...) فهذه علوم من المحال أن يعلمها أحد إلا بأن يتصف بها ويذوقها (الفتوحات)) 6 وقد تمّ هذا من خلال الشعر باعتباره مكابدة لغوية لأحوال داخلية وهكذا فالشعر والتصوف ينفتحان على المتعدد والمختلف واللامتناهي والمحتمل أي تحرر مطلق من سلطة العقل المحدود والمتناهي والمتماثل والأحادي ومن هنا فالشعر يتماس (بالتجربة الصوفية تلك التي تحرر الأنا من قيود التناهي الحسي والعقلي وتدفع بها تجاه مغامرة الوجود ذات الأبعاد اللامتناهية المفتوحة على احتمالات تختبر طاقات الخلق الكامنة وهي طاقات الهوس بإزاحة المواضعات واستبدالاتها الحيوية حيث يلعب الكائن في العالم دوره في الخرق الجوهري لأبنية العالم وللكشف عن إضاءات الكينونة) 7 .

ثانياً: اللغة إن الشعر والتصوف يتقاطعان في خصوصية أخرى وهي اللغة بحيث تستحيل هذه الأخيرة إلى مجموعة من الإشارات والرموز الموحية بما في الدواخل من تجارب وجدانية وذوقية ومن حقائق باطنية وذاتية بعيداً عن الواقع الملموس والمباشر (فمن منطلق تجاهل الأدب الصوفي أو بعضه لمظاهر الواقع الخارجي بحثاً عما وراءه أو عن اللامرئي استعمل هذا الأدب الأساليب الرمزية والأخيلة الشعرية الغريبة والألفاظ أو العبارات الرمزية الغامضة) 8.  وبهذا ابتعدت هذه اللغة وتميزت عن تلك اللغة العادية التي تكتفي بالنقل الحرفي لمشاهد العالم الخارجي فـ (لغة التصوف بتأثير من مفهوم التصوف نفسه لغة كشف بخلاف لغة الوصف أو الإخبار، لغة الوصف أو الإخبار تقدم شيئاً معلوماً تبرزه أمام الذاكرة أو تنبه الذاكرة إليه ولهذا نتلقاه بيسر ووضوح أما لغة الكشف فتحمل معاناة البحث والتساؤل تحفر في الواقع من أجل كشفه أو إدراك علاقاته..) 9 وإن اختيار المتصوفة ومعهم الشعراء للغة الكشف وإعراضهم عن لغة الوصف كان بسبب عجز هذه الأخيرة عن تجسيد دقائق المعارف والنفاذ إلى مخبوء الذات والكون فـ (إن لغة الوصف (...) هي لغة تنقل العالم المنفصل عن الذات نقلاً وصفياً تصويرياً وتجربة الإبداع الصوفي تعتمد على الاتصال بجوهر الوجود وباطنه وتستبطن الذات المتألمة المتألهة ومن ثمة فإن اللغة في هذا المستوى تعبيرية إيحائية لأن موضوعها لا يناسبه الوصف)10 مما أدى إلى استخدام اللغة استخداماً خاصاً اتسعت معه دلالات الكلمات المستعملة (وهكذا نجد كلمات كالقرب والرجاء والأنس والمحبة والجمع والوجد والسكر والصحو والغشية... وغيرها من مصطلحات الصوفية تتسع دلالاتها الأولى اتساعاً قادراً على احتواء المعاني الجديدة ويبرز طراز جديد من العلاقات بين الألفاظ والتراكيب اللغوية والصور في سياق استعمالها الشعري لم يكن مألوفاً من قبل ويسعى بالضبط إلى الانسجام مع أفق هذا التفكير وعناصره) 11 وبالتالي خرجت الكلمات عن معناها الحقيقي ولم يعد ممكناً تلقيها في مستواها الحرفي وفي أفقها الأول المتواضع عليه بحيث (نجد الخروج باللغة وكلماتها إلى دلالات مختلفة ومعان مطلقة غير محددة).(..فالشعراء الصوفيون (...) عبروا عن حبهم وعشقهم ووجدهم الإلهي بتعبيرات حسية استعاروها من أوصاف الخمر وكؤوسها ومجالسها مثل قول ابن الفارض: "شربنا على ذكر الحبيب مدامة // سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم" وقوله: "صد حمى ظمئي لماك لماذا // وهواك قلبي صار منه جذاذا. فليس هذا الحبيب انساناً ولا المدامة خمراً ولا السكر سكر الخمرة واللمى لمى الحبيبة ولا الهوى غرام الإنسان بالإنسان وإنما هي كلمات خرجت عن دلالاتها إلى دلالات رمزية عند الصوفية ويبدو أن هذا هو مما نبه شعراء الحداثة العربية فخرجوا باللغة ودلالة كلماتها إلى معان مختلفة) 12 وبالتالي جاز لنا الحديث هنا عن ظاهر الكلمات وباطنها مثل المعرفة تماماً فـ (نحن هنا أمام حالة تأخذ فيها كلمة العشق معنى فلسفيا ينبثق منه نمط سلوك متكامل وطراز تفكير يعبر عنه بما هو شائع عن مفهوم الحب الدنيوي... ولهذا تأخذ اللغة - أولا بأول - درجة مزدوجة: ظاهرة وباطنة بمعنى أن الألفاظ والعبارات والأفكار تفهم جميعاً على مستويين: ظاهر سطحي يعمل على استبعاده بمختلف الإشارات في سياق التعبير وباطني عميق هو المقصود في الحقيقة) 13 وأكثر ما يتجلى لنا هذا الاستعمال المزدوج للألفاظ والكلمات في التغزل فـ (أكثر ما يلفت النظر (...) أن قصائد الديوان تبدو في ظاهرها مجرد نصوص غزلية حسية تهيمن عليها لغة الغزل المعتاد و معانيه غير أن الشرح ينقل وضوح القصائد إلى غموض شعري رمزي صوفي و يعيد الشعر إلى بواعثه) 14، لكن لماذا توسل الصوفي في التعبير عن مواجده بالرمز و الإشارة؟ هل لحاجة فنية وتزيينية محضة أم لأغراض أخرى؟ إن احتماء الصوفي بالرمز والإشارة كان بسبب عجز اللغة وقصورها عن نقل تجربته الفنية والذوقية وبسبب انحسارها وضيقها أمام اتساع عوالمه ورؤاه وهو ما عبر عنه النفري بعبارته الشهيرة (كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) وهذا الانفتاح على اللغة في بعدها الرمزي و الإشاري أوقع هاته اللغة في الغموض فـ (غموض الخطاب الصوفي واستغلاقه على أهل الظاهر وأهل النظر يرجع إلى معاناة المتصوفة مع اللغة واصطدامهم بمحدوديتها وبعدم قدرتها على الاستجابة لسفرهم نحو المطلق) 15. فتكسير نظام اللغة وخرق منطقها الداخلي أملته الضرورة الأنفة الذكر فـ (الشاعر الصوفي ليحس أحيانا بعجز اللغة عن نقل كل ما يريد نقله أو على الأصح بعجزه هو عن اصطناع أسلوب كفء مفهوم لنقل مواجده فيتلفظ بكلام غريب عرف في أساليب الصوفية بالشطح) 16 والشطح هو (عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته وهاج بشدة غليانه وغلبته) 17 وهكذا فاتساع التجربة وانفجارها يستلزم توسيع اللغة وتفجيرها عن طريق الشطح والرمز والاستعارة وغيرها من التكنيكات التي يلجأ إليها الشاعر ومعه الصوفي حتى لتغدو التجربة واللغة صنوين فنعيش التجربة بحركيتها وتفاعلاتها وامتداداتها في اللغة نفسها فتغدو هذه تلك وتلك هذه، وهكذا يتوحد كل من الشاعر والصوفي في نظرتهما إلى اللغة وفي طريقة تعاملهما معها، وإن هذه المعادلة بين التجربة واللغة عند الشاعر والصوفي تقتضي من المتلقي أن يكد ذهنه ويعمل فكره و يسخر روحه في سبيل استكناه المعنى واستخلاص لبه وجوهره (فهي لغة غامضة لا تسلم المعنى لمن لم يتوغل في المعادل الروحي للتجربة الروحية إذ إن اللغة في مثل هذه الحالة متصلة اتصالا عضويا بعناصر التجربة الذوقية ومن لم يصل إلى ما وصل إليه الناطق بهذه اللغة لم ينل منها إلا ظاهر معانيها) 18 .

ختاماً نخلص إلى أن اللغة الشعرية هي لغة صوفية وأن اللغة الصوفية هي لغة شعرية وإن هذا التوحد والتشابه إلى حد التماهي بين اللغتين راجع إلى تطابق طبيعتهما ووظيفتهما وكذا أثرهما على المتلقي وهكذا فالتصوف والشعر هما سران عظيمان ومتشعبان ولا يمكن أن يحيط بهما محيط لارتباطهما بهذا الجانب الخفي والعميق من الذات الإنسانية ألا وهي الروح. فالشعر كما التصوف تجربة لا تؤخذ من الأوراق _ حسب الصوفية _ بل تعاش بالأذواق أي أن السبيل لمعانقة جوهرها يكمن في مكابدة التجربة ومعايشتها من داخلها والاكتواء بأتونها.

هوامش:

1- الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، د محمد بنعمارة شركة النشر والتوزيع المدارس ط: الأولى 2001 ص:159

2- فاروق حمادة مجلة الناهل ع: 28 س:10 ربيع الأول 1404 دجنبر 1983 ص:220-221

3- نفسه ص: 225

4- خالد بلقاسم مجلة البيت ع: 1 خريف 2000 ص: 74-75

5- الصوفية و السوريالية أدونيس دار الساقي ط: 2 1995 بيروت ص:39

6- نفسه ص:67

7- الشعر و الوجود و الزمان - رؤية فلسفية - عبد العزيز بومسهولي إفريقيا الشرق 2002 المغرب ص: 11

8- الإبهام في شعر الحداثة العوامل والمظاهر وآليات التأويل عالم المعرفة ع: 279 مارس 2002 ص:44

9- نفسه ص:  44

10- نفسه ص:44

11- نفسه ص: 45

12- نفسه ص: 45

13- نفسه ص: 46

14- نفسه ص: 47

15- أدونيس والخطاب الصوفي خالد بلقاسم دار توبقال للنشر ط: 1 2002 ص: 96

16- لغة الشعر أحمد يوسف داود منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1980 ص: 102

17- شطحات الصوفية ج: الأول _ أبو يزيد البسطامي _ د عبد الرحمن بدوي وكالة المطبوعات ط: الثانية 1976

18- الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر د محمد بنعمارة مرجع سبق ذكره ص: 42

المغرب

poete632@hotmail.com