من أجل وضع حدٍّ للمحنة الوطنية الكبرى
|
لم تنته الحرب الإسرائيلية الهمجية على لبنان. وقد لا تنتهي في وقت قريب. لكننا مدعوون, حتى قبل أن تسكت المدافع من كل الجهات, وقبل أن تكف آلة الحرب الإسرائيلية عن مواصلة تدميرها لبلدنا, لأن نتوقف عند بعض نتائج هذه الحرب, ونفكر بالحاضر المأساوي الذي نعيش فيه, وبالمستقبل الأبعد الذي نسعى إليه. ذلك أن الوقت قد بات يتطلب الكلام الصريح والمسؤول والواقعي في آن. والكلام هذا هو موجه إلى اللبنانيين في الدرجة الأولى. لكنه موجه كذلك إلى العرب جميعا, وإلى العالم بكل مكوناته. وليسمح لنا هنا بأن نتجاوز في هذا الكلام الصريح والمسؤول والواقعي كل الأحلأم والتخيلات والشعارات التي اعتدنا أن نكررها في غير مكانها وفي غير زمانها, كلما واجهتنا كوارث من النوع الذي يواجه الآن كلاً من لبنان وفلسطين والعراق.
لقد حققت إسرائيل جزءاً مهما مما كانت تبتغيه دائما منذ قيامها, بإحداث هذا التدمير المنظم للبنان, كنموذج نقيض لها, والتدمير المنظم لبناه ولمؤسساته المدنية. وقد لقنتنا جميعنا درساً قاسياً. لكنها لم تحقق كل ما كانت تطمح وتحلم في تحقيقه. ويتمثل حلمها وطموحها هذان, في الدرجة الأولى, بتدمير حزب الله عسكرياً وسياسياً, وبخلق شرخٍ عميقٍ في المجتمع اللبناني يقود إلى فتنة, ثم إلى حرب أهلية من نوع ما اعتاد اللبنانيون أن يستخدموه في صراعاتهم الطائفية والسياسية والحزبية والقبلية منذ الاستقلال. إذ أثبت اللبنانيون أنهم موحدون في مواجهة العدوان الاسرائيلي.
وحققت إيران بعضاً من أهدافها الذي يتمثل في إفهام العالم جميعاً بأنها قادرة على أن تقاتل خصمها الأميركي وخصمها الإسرائيلي من خارج حدودها, من دون أن تستخدم قواها الذاتية. وحققت هدفاً آخر يتمثل في أنها أثبتت للعالم, ولمدىً منظورٍ لا نغامر في المبالغة في مداه, بأنها تمثل قوة مادية وتمثل مرجعاً روحياً للشيعة في العالم العربي (لبنان والعراق) وللمسلمين في العالمين العربي والإسلامي, وذلك من الموقع الذي تحتله في المنطقة. وهو الموقع الذي يعطيها صفة الدولة العظمى, ولو بحدود, التي يصعب تحديها والمسُّ بها وبقدرتها الداخلية والخارجية. لكن إيران خسرت, لمدى منظور, مشاعر الكثيرين من اللبنانيين الذين يعانون مما فعلته الحرب الإسرائيلية بهم وببلدهم, بفعل المغامرة التي قادت إلى هذه الحرب وحظيت بتأييدٍ ودعمٍ كاملين من إيران. ونخشى أن تكون في موقفها هذا إزاء لبنان, واستطراداً في موقفها إزاء العراق, قد هيأت الشروط لحرب شيعية - سنية مرعبة, من نوع ما نشهد نموذجاً له في العراق. نقول ذلك ونستغفر الله ألف مرة, آملين في أن تكون ردود الفعل الإسلامية السنية في لبنان وفي العالم العربي الرافضة لمثل هذا الاحتمال الخطير صادقة برفضها إلى الحدود القصوى, من أجل تجنب وقوع مثل هذه الكارثة!
تلك هي الوقائع القوية التي علينا, نحن اللبنانيين قبل سوانا, أن نقرأها بدقة حتى لا نظل, أُسوة بأشقائنا في العالم العربي، أسرى عجز مطلق وأسرى أوهام دمرنا البقاء فيها عقوداً طويلة من الزمن. وهذه الوقائع ذاتها هي التي ندعو اللبنانيين جميعاً لأن يتوقفوا عندها في هذه اللحظات, وربما لأيام عديدة أخرى, التي تفصلنا عن نهاية الحرب التي يزداد فعلها التدميري لبلدنا كلما طال مداها. إننا مدعوون إلى الحفاظ على وحدتنا - وهي وحدة مفروضة علينا بقوة الوقائع - في مواجهة العدوان الاسرائيلي, وفي تحمل نتائجه في جميع جوانبه المختلفة. وهي أولوية مطلقة. لكننا مدعوون, في الوقت ذاته, بكل مكوناتنا السياسية, وبالأخص حزب الله, إلى الجلوس من جديد إلى طاولة الحوار من أجل اتخاذ قرار سريع، قرار مسؤول, بوضع كل أوراق التفاوض في يد الحكومة اللبنانية من دون عوائق, للبدء في التفاوض مع المجتمع الدولي حول الوسائل التي توقف الحرب وتفتح الباب أمام البحث الشامل في الحلول التي تنزع فتيل الصراع مع العدو الإسرئيلي وتنهي مبرراته القديمة والحديثة. وهي حلول تتمثل أولا في تطبيق كامل وشامل لاتفاق الطائف الذي ارتضيناه جميعناً كمرحلة انتقالية من الحرب الأهلية إلى السلم الأهلي وإعادة بناء الدولة المُهدَّمة, وذلك ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية, وإرسال الجيش إلى الجنوب, وتوقف حزب الله عن الحديث عن سلاحه كبديل للمؤسسة العسكرية في حماية حدود الوطن, وترك هذه المسالة الى هيئة الحوار لكي تتخذ بشأنها القرار السياسي المسؤول. وتشمل هذه الحلول كذلك تبادل الأسرى, واستعادة مزارع شبعا إلى الوطن اللبناني، باتفاق مع سورية أو من دون اتفاق, استناداً إلى الخرائط التي نملكها نحن اللبنانيين وتؤكد لبنانيتها. وهذه الحلول يجري الحديث بشأنها في أكثر من مكان, بما في ذلك على لسان الأمين العام للامم المتحدة كوفي عنان. وتقضي هذه الحلول بأن تدخل قوات دولية إلى الجنوب اللبناني بقرار من مجلس الأمن وبموافقة الحكومة اللبنانية, وحزب الله جزء منها, وبموافقة الحكومة الاسرائيلية. وهي قوة مؤقتة ترمي إلى مساعدة الجيش اللبناني على استلام مهماته في الجنوب, ومساعدته على استعادة سيطرته على الأراضي اللبنانية التي تكون إسرائيل قد استولت عليها في حربها المجنونة.
إنها لحظات صعبة وخطيرة, وذات نتائج تاريخية على مستقبل لبنان والمنطقة, في الإيجاب أو في السلب، وفق ما تنتهي إليه المفاوضات حول الحلول. ويستتبع ذلك بالضرورة ويترافق معه, الدخول فوراً في الحوار بين اللبنانيين حول إزالة آثار العدوان واستنفار العرب والعالم جميعا لمساعدتنا في ذلك. وبمقدار ما نؤكد على ضرورة الانخراط بمسؤولية في الجهود الآيلة إلى حل هذه الازمة الخطيرة بنتائجها الكارثية على لبنان, فإننا نرى أنَّ من شأن مثل هذا المؤتمر الدولي, في مرحلة ثانية, أن يفتح الباب أمام معالجة من النوع ذاته للقضية الفلسطينية, من أجل إيقاف حمام الدم, والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني, والإقرار بحق هذا الشعب في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة على أرض وطنه فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية. إن إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان, وفق ما أشرنا إليه, وما عبرت عنه دوائر دولية كثيرة, يمكن أن يؤدي, بل يجب أن يؤدي, إلى إنهاء الحرب ضد الشعب الفلسطيني. وربما يكون من شأن تحقيق هذين الهدفين أن يقود إلى فسح المجال أمام حل للأزمة العراقية المتفاقمة. بل ربما يفتح الباب أمام استعادة العقول العربية أدوارها, والتحرر من ردود الفعل الأصولية الهوجاء، التي إذ يزعم أصحابها أنهم يقاتلون أعداءنا الكبار, فإنهم بهمجية أساليبهم يدمرون فينا الأمل بالحياة في حاضرنا, ويسهمون في قتل مستقبلنا.
|