زفراتٌ أُخرى مِن سِفر أيُّوب! - ( جِداريـَّـة ) – رؤى ثقافية (163-164) - شِعر

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي قرأها 1,461

زفراتٌ أُخرى مِن سِفر أيُّوب!

( جِداريـَّـة ) 

شِعر

زفراتٌ أُخرى مِن سِفر أيُّوب! - ( جِداريـَّـة ) – رؤى ثقافية (163-164) - شِعر 

(1)

زَهْرَةٌ بَيضاءُ

       على مَفْرِقِ الشَّمْسِ

لاحَتْ،

وبِئْـرُ المعاني العَـتِـيْقَةُ

كانتْ

تَثَاءَبُ..

لِلَّيْلِ خَيْلُ هُبُوْبٍ وللسَّارياتِ تَـقِـيَّـةْ...

قالَ:

«واعَطَشَ الشَّمْسِ،

وَضْعُ النُّقْطَةِ يُقْلِقُني،

فلقد يَبْقَى

لِشُجُونِ القَوْلِ بَـقِـيَّـةْ!»...

(2)

بَـيَاضُ الأُنوثةِ وَعْدْ

وتَلْوِيْحُ نَهْدٍ لِنَهْدْ

وأَنْفَاسُ حِبِّكَ دَفْأَى

تَنُوْشُكَ وَصْلًا يَـنِـيْعًا

وكَاذِيَّ بُشْرَى

وكَأْسَيْ حَلِيْبْ

كَعَيْنَي حَبِيْبٍ تُنَاغِيْ حَبِيْبْ

مَساءٌ يَجُوْسُ دُوارَ مَساءْ

وشُرْفَةُ صَيْفٍ

على الضِّفَّـتَـيْنِ

تُسَرِّحُ دِفْءَ صُدَيْرِيَّـةٍ مِنْ غِنَاءْ

كَنَهْرٍ مِنَ الفُلِّ عَذْبًا صَـقِـيْلا

يَـخُطُّ اشتهاءَ الثَّرَى باشْتِـهاءْ

ويَحْتَكِرُ العُمْرَ جِيْلًا فَجِيْلا

بِنَوٍّ كَرِيْمْ

مِنَ النَّارِ فِيْنا

            يُساقِطُ كُلَّ سِيَاجِ الحِجَا والتَّأَسِّي

وماءٍ عَقِيْمْ

            يُساقِطُ فَوْقَ خُدُودِ الرِّمالِ دُمُوعًا نَخِيْلا

نَخِيْلًا تَقَامَأَ حتَّى اسْتَحَالَ

حُرُوْفَ اكْتِئَابٍ كَسَالَى

وَعِذْقَيْ غَبَاءْ

أَصِيْلًا وآخَرَ يَبْدُو جَدِيْدَ الجَنَاءْ

وبَيْنَهُما نَفْحَةُ الوَجْدِ فِيْنا تَغَشَّى بِوَجْدْ

«عَرَايا» دَخَلْنا إلى النَّائِباتِ.. «عَرَايا» نَعُوْدْ

وأَعيادُنا مِلْءُ هذا الوُجُوْدْ...

...

ودُوْنَ الذي كانَ

والْـ.. سَيَـكُوْنْ

مِنَ الانتظارِ سَمُوْمُ عُيُونْ

وبَرْقٌ ورَعْدْ

بِمَوْجِ الفُصُولِ الخَؤُوْنْ

بِوَقْتٍ ووَعْدْ

يُقايِضُ وَغْدًا، ووَقْدْ

يُقايِضِ مِنْجَلْ

بِنَجْلاءَ تَـمْشِي الهُوَيْنَى

وأَلْفَ مُهَارٍ

بِأَلْفِ نَهارٍ

يَبِيْعُكَ ماءً بِمِنْخَلْ

وإِنَّ وأَنَّ

بِرُبَّ وقَدْ

وكَفًّا على الرِّيْحِ

تُلْقِي زِمامًا

وتُؤْوِي إليها بَدَدْ

غَدائرُ وَقْتِكَ مُسْتَشْزِراتٌ

تَضِلُّ المَدَارَى بها راتِعاتٍ

بحُلْمٍ ووَهْمٍ وظُلْمٍ وحِقْدْ

وَدَعْ شِقْفَةَ الصَّبْرِ تَـحْتَكُّ في لا مَـحَكَّ

فجـِلْدُ زَمانكَ لم يَـرَ هُدْبُ الصَّبَاحِ

مكانًا لقُرْحِكَ فيهِ

ولا جِلْدَ كيما يُفَدَّى بِجِلْدْ

خَزَايا خَرَجْنا مِنَ النَّائِباتِ.. خَزَايا نَعُوْدْ

وأحزانُنا مِلْءُ هذا الوُجُودْ

...

*

وليتَ الذينَ أَخَبُّوا

على وَقْعِ أَوَّلِ مَغْزَى

أَحَبُّوا كحُبِّكَ تُفَّاحةَ الـمَوتِ

في ثَغْرِ دَهماءَ

نُوْرَةَ،

نَوْفَ،

عَنُـوْدَ،

ومَـجْدْ!

هُوَ الحُبُّ، حُبُّكَ..

وَصْلًا، وهَجْرًا

يُطِلُّ

على كَلِماتِ الزَّمانِ الشَّقِـيَّـةِ

عِشْقًا يَظَلُّ

يُهاجِرُ بَـيْنَ حُطامِ الموانئِ

                شَوْقًا، وشَوْكًا،

                 وبَيْتًا، وبَـيْنًا،

                 وصَدْرًا، وصَدْ...

وماذا؟

ستَشْرَبُ نَيْزَكَ قافِيَةٍ مِن نِصَالِ العَشَايا

لتُعْشِبَ في مُقْلَـتَـيْكَ نَيازِكَ سُهْدْ

لِشَامٍ يَكُوْسُ جَنُوبًا

وقِبْلَةِ شَعْبٍ شَمالًا تُهـَـدْ

تُشَقِّقُ ظَلْماءَها بِعُيُونِ الضَّحَايا

الشَّهيدةِ فيها

       تُضِيْءُ حُرُوفًا

تَرِفُّ صُرُوفًا

تُسافِرُ في جَسَدِ الصَّبَواتِ

لتَفْتَحَ في خاطِرِ المَوْتِ بابًا خَضِيْلا

يُعارِضُ تَـيَّارَ نَهْرٍ صَبِيٍّ بِتَـيَّارِ نَهْرٍ جَـمَدْ

وتَحْلِفُ أنَّ غَدًا في يَدَيْها

يَمامةَ ذِكْرَى

وأَزْهارَ دِفْلَى

وفَجْرًا صَبُوحًا

ولا بُدَّ ممَّا غَدَا في يَدَيْها

ولا بُدَّ ممَّا..

غَدَا وهْوَ غَدْ

*

ويُبْسَطُ صَوْتٌ مِنَ الذَّارياتِ

مِنَ الحامِلاتِ

مِنَ الجارياتِ بما تُوْعَدُون

يُعانِقُ صَمْتًا

تَوَكَّأَ ظَهْرَ النَّهارِ العَجُوزِ- الوَلَدْ:

أَ عِنْدَكَ فَهْمٌ

أَ عِنْدَكَ رَدْ؟:

على أَيِّ شَيءٍ تَقِرُّ القَواعِدُ؟

أينَ الطَّريقُ إلى حيثُ يَسكُنُ هذا الضِّياءُ

عُيُونَ الظِّباءِ

ويَغْمُرُ بـ«الله أَكْبَرُ» غَيْظَ المساجِدِ؟

وا غَبَشًا مِن طُيُورِ الأَذانْ

تَفَجَّرَ «خَيْرًا مِنَ النَّوْمِ»

«خَيْرًا مِنَ اليَوْمِ»

يَوْمًا تُصَلِّي وُجُوهُ عَرُوْبَةَ فيهِ بِوَجْهِ الأَحَدْ

فتَبْكي لِأَيـُّوبَ

في أَرْضِ عُوْصَ

شُؤُونُ المَدائنِ

ناحَتْ تُغَنِّي

ومِلْءُ غَمامةِ فِيْها بِمِلْءِ غَمامةِ فـِيْ

على النَّصْبِ لَـحْنًا شَبِيْهًا بِلَحْني:

أَ عِنْدَكَ فَهْمٌ

أَ عِنْدَكَ رَدْ؟:

بِصَدْرِكَ

أَعناقُ نارِ الحِرارِ القَديمةِ

دارتْ

تُعانقُ في صَفَحاتِ صَباحِكَ

حِبْرَ الجَديدِ

              وشَمْسَ الأَجَدْ

تَخَطَّفُ في عَبْسَ دارًا فَدارا

وما إنْ لها (خالدُ بنُ سِنَانْ)

فَـيَخْضَرُّ وَشْمُ التَّخالُفِ

       وَشْمُ التَّحالُفِ

       عارًا فَعارا

بِكُلِّ غُمُوضِ الجِراحِ البَـيَانْ

              بِسِنْخِ الأَدِيْمِ

              بِجَمْرِ الوَرِيْدِ

بِصَرْخَةِ دَمْعِ الوَلِـيْـدِ

تَصَلَّتْ خُطَاهُ بِرَمْضَايَ نارا

وأَرْكُضُ.. أَرْكُضُ

لا ماءَ في الأرضِ عِنْدِي

وما ليْ يَدانْ

فمَنْ ليْ هنالِكَ؟

مَنْ ليْ..

       بِدَمْعَةِ ماءٍ؟

ومَنْ ليْ بِيَدْ؟

ومَنْ ليْ

       بِأُخْدُوْدِ هذا الزَّمانْ

بِبَرْدِ الخَلِيْلِ الوَقُوْدِ الأَشَدْ؟

وتُعْشِبُ أَصْدَاؤُهُ

   في عُرُوقِ المكانْ

تُـمَـوْقِـعُنـِيْ في دُخانِ التَّمَنِّي:

                     أَ عِنْدَكَ فَهْمٌ

                     أَ عِنْدَكَ وَهْمٌ

                     أَ عِنْدَكَ رَدْ؟:

أَ ثَمَّةَ يَبْقَى بِثَوْبِ الحَريقِ قَمِيْصٌ وَقَدْ؟

يُواري بِعَيْنِكَ سَوْءَةَ هذي الأَثافيْ/

القَوافيْ/

                                         الـمَنافيْ؟

أَ يَبْقَى على الأُفْقِ ثَمَّةَ أُفْقٌ وَمَدْ؟

وأَنَّى..

وهذا المَدَارُ رِتَاجٌ وحارِسْ

تَطِيْرُ النَّوارسْ

ويُوْرِقُ بَيْرَقْ؟!

(3)

شاخَتْ عَصَايَ وشَابَ الشَّوقُ فاتَّـحَدا

عُمْـــرَيْـنِ مـا  غـادَرا  فـي  العُـمْـرِ  مُلْـتَـحَـدَا

شاءَتْ على الَموْجِ آيــــاتُ الزُّبَى لَـبَـثـًا

لَيْتَ اللَّيـالي انْهَوَتْ- ما أُمـِّـلَتْ- قِصَـــدَا

يَبْغِيْكَ، ما تَـبْـتَغِيْ مِنْ طَيْـــــــــرِهِ، قَنَصٌ

رَدَّ البُـــــــزَاةَ على الرَّامِيْهِ مُنْـفـــــــــــــــَرِدَا

قَبْلَ الَمغِيْبِ.. وَحَامَ القَوْلُ بِـيْ- وَحِلًا-

يا آفِــــــلَ العُذْرِ في عُــذْرٍ غَــــــدَا بَلَـــــــدَا

ماذا أَراكَ،  وإذْ خـــــاطَتْ نَـــــواكَ دُجًى،

إنْ نُحْتَ، ناحَتْ سُدًى، أو بُحْتَ مُفْـتَـئِدا

أَهْجُوْكَ- يا نحنُ- أَمْ تَهْجُو؟!. فلستَ سِوَى

مــــا خَطَّهُ القَــدَمُ المــــائِيُّ، أو وَخَــــــــدَا

كُلُّ الذي في ذُرَى صَارِيْكَ صُغْتَ ضُحًى

يَهْفُوْ عليهِ جَنـــــــــــــاحا جـــــارِحٍ رَصَـــــدَا

لا يَسْلَمُ الوَشْيُ في كَفَّيْكَ.. فــي لُغَتِي..

أو تَشْتَـفِـــــي مِنْهُ كَـــأسٌ أُتْرِعَتْ كَمَــدَا

قُلْ لي، بِرَبِّكَ، كَـمْ فـي غَمْـــــــرَةٍ سَقَطَتْ

أَفْعَى تَـمُدُّ  لِسَانَ  الَموْتِ  مُـنْـجَرِدَا؟!

وأنتَ.. ما أنتَ؟!.. لا رَكْبٌ تَعِــــزُّ بِهِــــمْ

ولستَ، يا سِنْدِبـــــــادَ التِّـيْـهِ، مُـجْـتَـهِدَا

أَسْرَجْتَ بِـيْ  دَقَـــــلَيْ  نَـــــــاءٍ  ومُنْـتــَـبَـذٍ

يَنْــــــأَى كَمُقْتَرِبٍ  يَدْنُـــــو  كَمَنْ بَعُـــــــدَا

نُـبِّـئْتُ وَجْهَكَ في التَّـيَّـــارِ ليسَ مَـــدًى،

نُـبِّـئْتُ  أَنَّ دُوَارَ البَحْـــــرِ  قد حَشـَــــــدَا

وخِلْتُ سَيْــفَــــكَ كالإِصبـــــاحِ مِلْءَ يَدِيْ

يُقْرِيْكَ  أَنَّ صَبَــــاحَ  الخَـيْـرِ قد أَفِـــــــدَا

فاعْطِفْ على مُحـْـتَـبَى مَوْجِ الزَّمانِ وَعُدْ

في كَأْسِكَ القَيْظُ والأَنْـــــــــــــواءُ فِـيَّ يَدَا!

تُـمْطِرْ «شَبَابِيْكَ» وَصْلٍ أَيـْـنَـعَتْ كَدَمِيْ

فَـــــواكِهَ الشَّوْقِ لِلآتِـيْــــــــكَ فِيْــكَ غَــــــدا

**

شــــابَتْ عَصــــايَ وشــاخَ الطِّفْلُ فاتَّــــقَـدَا

فاسْأَلْ سُؤالَ ضَرِيْرِ الرَّمْــــلِ: ما وَجَدا؟!

**

         

(4)

- «لا..

ما لَكَ مِن سِجْنِ التَّارِيْخِ بِصَدْرِكَ مِن مَنْجَى..

غَيْرُ السِّجْنِ!..

فَلْـتَـتْـبَعْني!»

...

قالَ الوَقْتُ..

ومَضَى يَسْتَلُّ خَناجِرَهُ في صَدْري

-          «هل تَدْرِي!

أَيَّ هَوادِجَ تَحْمِلُها فِيْكَ الأيـَّامْ؟!

أَمْ أَيَّ ظَعائنَ

أَيَّ طَعائنَ

أَيَّ عِظامْ؟!»

قالَ الوَقْتُ..

ومَضَى يَسْتَنُّ دَياجيرَ الأقلامْ..

T

يُمْلـِيْ:

-          «اكْتُبْ أَوْرِدَتِـيْ!»

ها أَكْتُبُ فاتِـحَةَ النَّجْوَى

وأَخُطُّ على شَفَـتَـيْها نَوْرَسَةَ العُنوانْ..

...

-          «إنْ خانَكَ وَقْتُكَ،

فاكْـتُـبْـهُ!

تَستيقظْ رائحةُ السَّلْوَى

وتَعُـبُّكَ ذاكِرةُ النِّسيانْ!

اُكْتُبْ ذا المَشْهَدَ

مِنْ دَمِهِ،

اكْـتُـبْـهُ..

حِرْزًا..

نَقْشًا بُرْكانِـيًّا..

واحْـمِلْـهُ.. كَلُؤْلُـؤَةِ الأَعْشَى الزَّهْرَاءِ

تُعانِقْ بَوْصَلَةَ الإيمانْ!»

T

- «لا.. ليس مَداكَ مَدَى الرُّؤْيا

لا.. ليس زَمانُكَ هَيْلَمَةَ الأحلامْ

حيث الطَّيْفُ البُودْلِـيْـرِيُّ

القَنَّاصُ ضُحًى نَـبْضَ الأَقدامْ

...

فاصعدْ وَقْتَكْ!

سَيْفًا..

سَيْفًا

حَرْفًا..

حَرْفًا!»

قالَ الوَقْتُ..

-          «كيما تَجْتَاحَ بِعُمْرِكَ عُمْرًا آخَرَ،

طِفْلًا ما،

بِكَ يَجري فِـيَّ بِشَارَةَ بَدْءٍ؛

كي تَجري بِـيْ فِيْكَ بِشارةُ هذا الإِنسانْ!»

...

!   !   !

(5)

ولقد وَهِــــلْتُ بِأَنَّ لِلْمَسـْـــــــرَى يَدًا

بَيْضَــــاءَ تَهْمِيْ ثُمَّ تَـحْمِـيْ ما  تُرِيْدُ

فَلَرُبَّما صَبَحَتْكَ ما لا تَشْتَهــــــي

ولَوِ اشْتَهَيْتَ لَفاضَ بالكَأْسِ الصُّدُوْدُ

لَوْ أَنَّ رَبـِّي لـم  يُـفَـجِّـرْ فـي الضُّلُو

عِ  شُمُوسَها، ما بَشَّ بالوَرْدِ الوَرِيْدُ!

لَوْ  أَنَّ  رَبـِّـــــي لم يُلَـــوِّنْ بالطِّمــا

حِ جَناحَها، ما طارَ بالفَجْرِ الوُجُوْدُ!

لَوْ  أَنَّ  رَبـِّي لم يُدِرْ بَيْنَ الزَّمـــــــا

نِ وبَـيْنَـهُ مِن رَحْـمَـةٍ جِسْـرًا يَذُوْدُ!